يوضح أفلاطون في أحد محاوراته موقف سقراط، عندما أتى إليه صديقه وتلميذه المخلص كريتون ليخبره أنه قام بتدبير طريقة لهروبه من السجن لكي يفر من حكم الإعدام، وأخذ يقنعه بأنه إن هرب فسيترك أثينا، وسيكون حراً، ويعيش أبناؤه في كنفه بدلاً من أن يُشرَّدوا بعد وفاته، فرفض سقراط رفضاً تاماً، وقال إنه لا خير في الحياة إلا إذا كانت حياة عادلة، وإنه لا جدوى من محاولة الهرب لأنه لا يجوز لأحد أن يرد الشر بالشر، وأن بينه وبين قوانين المدينة عهداً لا يقوى على نكثه دون أن يتعرض للعار، وأصدقاؤه للخطر، ومن ثَمَّ فإنه يجب أن ينظر للعدالة أولاً ثم إلى الأبناء والحياة ثانياً، وليرحل في براءة وسلام دون أن يلوث نفسه بفعل الشر، وأن هذا وحي ضميره ولن يخالفه.

وكان يسأل أصدقاءه مستنكراً هل يحق للرجل أن يفلت هارباً إذا قضت عليه قوانين دولته بحكم جائر؟ وهل تساوي الحياة شيئاً إذا ما فسد من الإنسان جزؤه الأسمى، ذلك الذي تقوِّمه العدالة ويُفسده الجور؟ وهل يكون الجسد أعلى شأناً في الإنسان من ضميره؟

ويؤكد سقراط أن الحياة الخيَّرة تعادل الحياة العادلة الشريفة، وأنه لا يجوز رد الشر بالشر، لذا فضَّل أن يرحل بريئاً مُجاهداً لا فاعلاً للرذيلة، ضحيةً الناس لا ضحية القوانين. (1)

ومن خلال تلك المحاورة نستطيع أن نستدل على أن أي فعل يقوم به الإنسان يشعر إثر القيام به بمشاعر مختلفة، فإذا كان قد خضع لحكم الضمير فيما أوجبه فإنه يشعر بتقدير لنفسه تصحبه لذه ظاهرة، وهذا ما يُعرف بـ «الرضا الأخلاقي»، أمَّا إذا كان لم يستجب لصوت ضميره فإنه يشعر باحتقار لنفسه شديد الإيلام، وهذا ما يُعَرف بـ «تبكيت الضمير»، فالذين يشعرون شعوراً قوياً بهذه العواطف يكون وحي الضمير مصدراً لآلامهم وملذاتهم، وهؤلاء غايتهم استشعار الرضا الأخلاقي والانسجام مع أنفسهم والاعتزاز بها، وفوق ذلك أن يتحاشوا تأنيب الضمير، وأن يكونوا غير ملومين من أنفسهم، لذلك اختار سقراط الحالة الأولى من وحي ضميره لكي يشعر بالرضا الأخلاقي.

ومن هنا نشأ مبدأ جديد للذة والألم، لو وُجد وحده عند الفرد لكان منهجه في الحياة، ألا وهو إرضاء ضميره، والخشية من تأنيبه، وعمل كل ما يشعر النفس بكرامتها. (2)

فبين ضعف قدسية النصوص وارتقاء أخلاق الناس ونفوسهم، أدركنا حقيقة أن هناك أفكاراً سامية، كامنة في النفس البشرية، أملتها الطبيعة، ويكشف عنها النظر السليم. ومن ثَمَّ يجب علينا النظر للعدالة كمجموعة من المبادئ السامية الكامنة في وجدان الإنسان، والمتصلة بالعقل والضمير، وفي الوقت نفسه يدل لفظ العدالة في مفهومه العام على احترام حقوق الغير، والخضوع لمقتضيات القانون.

فإن العدالة كمفهوم فلسفي تدل على صفة كل ما هو عادل، وما يحقق الإنصاف، والمساواة بين الناس، حيث ترتبط بمجموعة من المبادئ، والقواعد الأخلاقية التي يعتمد عليها في تنظيم العلاقات بين الناس داخل مجتمع ما، حيث يرى أفلاطون أن العدالة إنصاف فالمساواة في الحق ظلم وجور، أما أرسطو فيرى أن العدل هو أن يأخذ كل إنسان ما يستحقه.

العدالة بين النظرة الأخلاقية والموضوعية

للعدالة بُعدان، بُعد معياري أخلاقي يتمثل في كونها فضيلة فرضية يتطلع الناس إلى بلوغها، أمَّا البُعد الثاني فهو البُعد الموضوعي أو الخارجي، الذي تمثله مختلف المؤسسات التشريعية، والقانونية التي وُجدت من أجل فرض النظام داخل المجتمع.

ومن هنا نستطيع أن نستنبط مفهوماً للعدالة بوصفها فضيلة فرضية أنها: شعور كامن في النفس البشرية يكشف عن العقل السليم، ويوحي به الضمير المستنير، ويهدف إلى إعطاء كل ذي حق حقه.

وفي الوقت نفسه نتطرق لوصف العدالة على أنها واجب قانوني، حيث نعتمد عليها لاستخلاص الصيغ القانونية والقواعد العامة، وتلك العلاقة الوطيدة بين القانون والعدالة هي التي دفعت بالفقيه الروماني «شيشرون» ليقول إن العدالة هي جوهر القانون، ولذلك عرَّفها على أنها هي: عادة إيتاء كل ذي حق حقه، دون المساس بالصالح العام. وهو نفس تعريف الفقيه «البيانوس»، الذي عرفها بأنها إرادة دائمة دائبة لإيتاء كل ذي حق حقه. (3)

وهنا يثار التساؤل: هل يكون القانون عادلاً دائماً؟

يُجيِب شيشرون عن هذا التساؤل بقوله إن المؤسسات، والقوانين، والتشريعات لا يمكن أن تكون دائماً أساساً للحق، ولا تستطيع أن تحقق العدالة في بعدها الإنساني نظراً لوجود قوانين جائرة، ولهذا يجب البحث عن أساس العدالة في الطبيعة الخيِّرة للإنسان، والتي تتمثل في حب الخير للبشر، والتعامل معهم على أساس الحق والمساواة.

الحق جوهر العدالة أم العكس؟

يختلف فلاسفة العصر الحديث في هذا الموضع، حيث يرى «سبينوزا» أن الحق باعتباره قائماً على القانون المدني هو أساس العدالة وجوهرها، فالعدالة تجسيد للحق وتحقيق له، ولا وجود لعدالة خارج الحق الذي تضمنه قوانين الدولة.

في حين أن «جون ستيوارت ميل» يرى أن فكرة الحق هي مجرد بُعد من فكرة العدالة، ولكنه يقر بأن الحصول على حق معين هو أمر يقوم به المجتمع، ويمنحه للفرد، ويضمن امتلاكه من وجهة نظر المنفعة العمومية والسلامة الشخصية، ولكنه يؤكد المنفعة العليا لقواعد العدالة، وذلك يؤدي إلى ترسيخ السلام، وتوطيد الأمن بين الناس.

وفي النهاية فإن نظرنا للعدالة كونها فضيلة فرضية متروكة لوحي ضمير الإنسان فقط، لا يعني بالضرورة أن العدالة تتحقق دائماً، فمجرد حصول شخص ما على حقه لا يعني أن العدالة قد تحققت، فيجب أن تكون العدالة جوهر الحق لا العكس؛ فالحق من وجهة نظر شخص لا يعني بالضرورة أنه الحق المطلق الذي تمنحه الطبيعة الخيرة للإنسانية وقواعد العدالة له، لذلك يجب على الإنسان الخضوع بجانب ضميره للقوانين المفروضة.

فلا يعتبر كل ما يراه الإنسان حقه هو حقاً له بالفعل، ويؤكد تلك الفكرة سقراط عندما رأى الظلم الواقع عليه لا يعطيه الحق في التعدي على قوانين أثينا، التي سلَّم بها طوال حياته لمجرد أن ظروفه قد تغيرت، ورأى أن في ذلك تعدياً على العدالة، أي أنه يجب أن يكون الهدف الأساسي هو تحقيق العدالة، وليس فقط الحصول على الحق، لأنه بتحقيق العدالة يأخذ كل ذي حق حقه.

ومن هنا يخرج الواجب من كونه فضيلة فرضية لكل فرد إلى الفعل المدني السياسي، وهنا تكون فكرة العدالة مقابل الخير، فتخرج من الحقوق المدنية للفرد إلى الدائرة الواسعة التي تشمل الإنسانية جمعاء.

المراجع
  1. زكي نجيب محمود، محاورات أفلاطون، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2001.
  2. أندريه كريسون، المشكلة الأخلاقية والفلاسفة، ترجمة، وتعليق: د. عبد الحليم محمود، أ. أبوبكر ذكري، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2012.
  3. علي صبيح التميمي، الدولة في الفلسفة السياسية: نظرية بناء الدولة، الجزء الأول، دار أمجد للنشر والتوزيع، الأردن، 2015.

مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير.