ذات يوم، كنت أتجول في إحدى المكتبات، أبحث في نهم عن كتاب جديد، أزيد به علمًا، إذ بان لي في أحد أرفف المكتبة، كتاب جذبني إليه عنوانه الغريب، وهو كتاب «نصف كيلو تاريخ – حي الصليبة سياحة في الأثر والبشر» لمؤلفه أحمد الشاذلي. على الفور اشتريت الكتاب، وعزمت على السير في نصف كيلو تاريخ.

قد مزج المؤلف في كتابه بين ثلاثة علوم: التاريخ، والآثار، والخطط، يتجول في أربعة عصور مختلفة، ويُبرز أنماطًا متنوعة من العمارة الإسلامية، بصورة أدبية سردية متميزة.

جاء الكتاب في 192 صفحة، و10 فصول يتحدث عن جولة سياحية في عشرة آثار وتسع شخصيات، يفصلنا عن أقدمها ما يقرب من 700 عامًا، وعن أحدثها 150عام، بالإضافة إلى ملحق للصور، طالع المؤلف خلالها – حسب قوله – عشرات الصفحات بحثًا عن تصويب اسم أو تاريخ أو واقعة.

كما استرشد الكاتب في كتابه بأمرين: الأول، زياراته المتكررة والمتفحصة للحي كونه من مواليده ومُحبيه، وبقصد الدراسة. أما الأمر الثاني، فهو استعانته بأمهات الكتب القديمة، والمراجع الحديثة حول الموضوعات المتعلقة.

(ميدان القلعة حيث يبدأ شارع الصليبة من يمين مسجد السلطان حسن - تصوير:أحمد أبو خليل/إضاءات)
(ميدان القلعة حيث يبدأ شارع الصليبة من يمين مسجد السلطان حسن – تصوير:أحمد أبو خليل/إضاءات)

يتحدث المؤلف في هذا الكتاب عن شارع الصليبة أحد أعرق شوارع مدينة القاهرة، فهو يبدأ من ميدان القلعة وحتى أول شارع مارسينا بالقرب من السيدة زينب، والشارع معروف باسم شهير منذ أكثر من سبعمائة عام، وهو اسم «الصليبة»، وتُقدّر تلك المسافة بحوالي نصف كيلو متر، فهو تقاطع الشارع الأعظم – أي شارع المعز وامتداده – مع الجسر الأعظم، فقد كان يربط بركة الفيل وبركة قارون، وكانت مساحة بركة الفيل تبلغ حوالي 140 ألف متر مربع، أما بركة قارون فمساحتها أقل من نصف هذه المساحة.

وينقل المولف عن المقريزي، أن بركة الفيل كانت تقع بين مصر العتيقة والقاهرة، وإنها كبيرة جدًا، وإنه لم يكن في القديم عليها بنيان، ولمّا وضع جوهر الصقلي مدينة القاهرة كانت البركة تجاهها، وإنها بعد ذلك عمرت حتى صارت مساكنها أصل مصر كلها، ويضيف قائلًا: «وماء النيل يدخل إليها من الموضع الذي يُعرف بالجسر الأعظم تجاه قلعة الكبش».

وقد صار الجسر الأعظم شارعًا يمشي فيه الناس من قلعة الكبش إلى قناطر السباع (ميدان السيدة الآن)، وذلك منذ عصر المقريزي (ت: 845هـ) وهو ما يُعرف بشارع مارسينا أو كما يطلق عليه الآن شارع عبد المجيد اللبان.

(القاهرة من فوق مئذنة مسجد سيخو فى منتصف شارع الصليبة - تصوير: أحمد أبو خليل/إضاءات)
(القاهرة من فوق مئذنة مسجد سيخو فى منتصف شارع الصليبة – تصوير: أحمد أبو خليل/إضاءات)

شارع الصليبة فيه بين كل أثر وأثر، أثر، فيحتوي على كل أنماط الآثار الإسلامية تقريبًا: الجامع، والمدرسة، والكُتّاب، والسبيل، والخانقاه، والحمّام، والقصر، والربع ..إلخ، لذلك يُعتبر متحفًا مفتوحًا.

فقبل مائتي عام فقط، كانت السفن والمراكب تملأ هذه البرك، وكان شارع الصليبة وماحوله المقر الوظيفي والسكني لكبار رجال الدولة منذ عصر «الناصر محمد بن المنصور قلاوون» في سلطنته الثالثة في الفترة من 1312م إلى 1341م، وحتى نهاية عصر المماليك الشراكسة عام 1517م.

وتقع منطقة الصليبة، أو خط الصليبة –حسب الاصطلاح المتداول في كتب التاريخ والخطط- عند تقاطع مدينة العسكر التي اندثرت الآن بالكامل، ومدينة القطائع التي لم يتبق من آثارها سوى جامع ابن طولون.

وكان الشارع مسرحًا لكثير من الأحداث السياسية والاجتماعية في العصر المملوكي: من مواكب السلاطين وإقامة الاحتفالات، إلى مؤامرات المماليك ضد بعضهم البعض، إلى تنفيذ عقوبة «التجريس» على من يرتكب مخالفة تستحق، سواء من الأمراء أو المماليك أو حتى العامة.

وقد اكتسبت الصليبة أهمية استراتيجية نظرًا لموقعها بين عواصم مصر الإسلامية عبر عصورها، ومع انتقال مقر الحكم إلى القلعة في العصر الأيوبي، أقبل الأمراء على السكن فيه وحوله، وشيدوا منشآتهم العسكرية فيه، بالإضافة إلى مصانع الأسلحة المنتشرة حول الصليبة، فضلًا عن قلعة الجبل.

384162_10150597066294968_1340560163_n
(كتّاب عبد الله كتخا ومن خلفة مئذنة مسجد قانيباى – تصوير: أحمد أبو خليل/إضاءات)

واستمر هذا التوجه حتى عصر محمد علي، فنجد أن الأسرة العلوية أنشأت ورشة للأسلحة والبنادق في الحوض المرصود عام 1813م، وأُنشأت أيضًا المدرسة الحربية عام 1855م.

ونظرًا لأهمية المنطقة، أنشأ العديد من رجال الدولة في عصر محمد علي وأبنائه دورًا ومنازل، مثل دار الأمير عبد اللطيف باشا أمام مدرسة قاني باي المحمدي، كما اختصت الدولة العلوية الشارع بإنشاء ثلاث صيدليات، في وقت كان إجمالي عدد الصيدليات في القاهرة بالكامل 44 صيدلية، وكانت الصيدليات في ذلك الوقت نقلة نوعية في صناعة الدواء، حيث كانت محالّات العطارة هي المصدر الوحيد لتجهيز الدواء.

وتحتوي مسافة النصف كيلو متر من ميدان القلعة وحتى شارع مارسينا على الآثار الآتية طبقًا لترتيبها المكاني بالنسبة للقادم من ميدان القلعة، ومتجهًا إلى ميدان السيدة زينب:

إن أول أثر يقابلنا هو سبيل وكُتّاب السلطان الأشرف قايتباي، وهو على يسار المتجه من القلعة إلى السيدة زينب، ثم بعده وعلى نفس صفه مدرسة وجامع قاينباي المحمدي، ثم سبيل وكُتّاب الأمير عبد الله كَتخدا عزبان، ثم على اليمين جامع ومدرسة شيخون، وفي مواجهة الجامع مباشرة تقع خانقاه شيخون، وملحق بها حمّام للرجال، وآخر –ولكن بعيد عنه– حمّام للنساء، ويقع بجوار هذا الحمّام ربع شيخون.

سبيل أم عباس
(زخرفات من سبيل أم عباس – تصوير: أحمد أبو خليل/إضاءات)

بعد ذلك نجد تقاطع شارع الصليبة مع امتداد الشارع الأعظم، ونلاحظ عند التقاطع أن الشارع المتجه إلى الحلمية يُسمى «السيوفية»، وسُمي بذلك لأن معظم ساكنيه كانوا من صانعي السيوف والأدوات الحربية، أما على يسار التقاطع والذي يتجه إلى الخليفة والسيدة نفيسة، فيُسمى بشارع «الركيبة» أو بالأدق «الرُكابية»، وهم الذين يحملون السلاح حول الخليفة عند ركوبه في المواكب، ولهم زي خاص بهم، وكذلك هم الذين يركبون خيول السلطان والأمراء للعناية بها وترويضها وتدريبها على السباق.

بعد ذلك نجد على اليمين، وعلى رأس شارع السيوفية أثرًا إسلاميًا جليلًا هو سبيل وكُتّاب «أم عباس» ذا الطراز المتأثر بكلٍ من العمارة العثمانية والأوروبية، وبعد خطوات قليلة نجد مدرسة وجامع تغري بردي الرومي، ثم نجد أمامه وعلى بُعد خطوات بقايا أحد قصور السلطان الغوري.

(بقايا أحد قصور السلطان الغورى - تصوير: أحمد أبو خليل/إضاءات)
(بقايا أحد قصور السلطان الغورى – تصوير: أحمد أبو خليل/إضاءات)

إذا تقدمنا قليلًا سوف نجد تقاطع الصليبة مع شارع «أزبك»، والذي يؤدي إلى بركة الفيل، وشارع أحمد بن طولون الذي يقع فيه جامعه الشهير، وبجواره الأثر الرائع «بيت الكريتلية»، وإذا مشينا قليلًا فسوف نجد مسجد الخضيري على اليمين، وأمامه مباشرة مسجد ومدرسة صرغتمش.

هذا غيض من فيض، فالمؤلف تحدث في كتابه بشيء من التفصيل عن تلك الآثار، وهذا التاريخ العريق، فلا بد لنا من أن نخرج بالتعايش مع هذا الواقع البعيد، ونفهم ملابساته، والإحساس بأن كل خطوة نخطوهافي هذا الحي يُكللها ندى التاريخ.