لقد كانت النظرية التي دعونا إليها نظرية أثنينية منذ أول الأمر، ولقد أصبحت اليوم أكثر تحديدًا ورسوخًا في الأثنينية عن ذي قبل، بعد أن أخذنا نَصِف التعارض، لا على أنه بين غرائز الأنا والغرائز الجنسية، بل على أنه تعارض بين غرائز الحياة وغرائز الموت. [1]

تنتقل بنية صراع الغرائز عند فرويد -في مرحلة متأخرة- إلى صراع بين الحياة والموت (إيروس، وثاناتوس): فغرائز الأنا والغرائز الجنسية التي كانت متقابلة سابقًا، دمجها فرويد في مرحلة متطورة من نظريته ضمن الغرائز التي تهدف إلى استمرار الحياة وحشد المزيد من المادة الحية لتأليف وحدات أكبر.

بينما غرائز الموت ذات النزعة العدوانية التي تتمثل في إيذاء النفس وإيذاء الآخر، تهدف إلى معارضة دافع الحياة وتفكيك تلك الوحدات، بهدف التزام السكون والتخلص من التوتر الداخلي الذي تسببه المثيرات الخارجية، وهو ما يذهب بنا إلى «أصداء السيرة الذاتية»، حيث يؤكد الشيخ «عبد ربه التائه» أن:

أشمل صراع في الوجود هو الصراع بين الحب والموت.

وفي «ثرثرة فوق النيل» يتساءل «مصطفى راشد» عن سر جدية وحماسة «سمارة»، وعن كيفية تأسيس المعنى بعد أن ذهبت الأسس التي استقر عليها قديمًا. فتجيبه بأنها الحياة لا المعنى، وتجادل بأن الغرائز التي يتوهّمون ممارسة الحياة على أساسها ليست كذلك، فـ «بعض غرائزنا تعبد الموت»، ولا أساس متاح لدينا سوى «إرادة الحياة» التي نسمو بها على أنفسنا.

في العصر الحديث يُعد الموت دافعًا إلى التفكير في الحياة، والخوض في تجربتها كما يُصرِّح «نجيب محفوظ»، ومن جانب آخر يرصده فرويد فإن مقاومة الميول العدوانية التي تدفعنا إليها غرائز الموت هي سبب تقدم الحضارة وارتقاء الثقافة.

في مسرحية «يُميت ويُحيي»، يسعى الفتى خلف نبض القلب المزهو بالنصر، رافضًا الجبن والرضى بملاذ من متاعب الدنيا. فهو يُصرِّح «لا يمكن أن يدلني على حقيقة الحياة إلا شخص أدركه الموت، وذلك لأنه آمن بأن الأجداد قد تعاملوا مع الموت بعقيدة مختلفة فوُهبوا الخلود. «الموت كبداية» تلك هي العقيدة التي سار على نهجها الأقدمون، والتي اقتبسها الفتى مُقتديًا بهم:

الفتى: ليكن لي قدوة في الغابرين.
الفتاة: لا أحب النظر نحو الموتى.
الفتى: لكنهم أحياء ما دُمنا أحياء.

ذلك الفتى قد خاف ثقل الجنون وترهل العضلات واسترخاء الهمم، أكثر من الموت ذاته. وهو يستطيع أن يكون راضيًا عن موته لكنه لا يقدر على الرضى بالهزيمة. فيواجه العملاق، ويثب الأخير نحوه ليصرعه، فيغيب الفتى في الظلمة، ليرتد كأنه كرة ارتطمت بجدار، ومن بعده تتم يقظة الأموات وتنتصب قامتهم.

يشير فرويد إلى أن الحالة التي التقت فيها النظرتان المتعارضتان للموت، كانت حالة البدائي في العصور القديمة حين يموت أحد أحبابه، فهو لا يعي الموت إلا بوصفه انتهاءً للحياة، ولكنه أمام الحزن والأسى الذي يُولّده موت أحبائه، رفض الاعتراف بالموت بشكل كامل.

فهو يتقبل الموت كحقيقة، ولكنه سيرفض بعد الآن أن يعترف بأن الموت نهاية الحياة، فذكرى الميت لن تفارقه، وسيعتمد على تلك الذكرى ليتصوّر نمطًا لحياة أخرى بعد الموت، «حيث أوحت إليه التغييرات التي يُحدِثها الموت بتقسيم الفرد إلى جسد وروح، بل إلى أرواح عديدة… وأصبح تذكُر الميت لفترة طويلة كأساس لافتراض أنماط أخرى للوجود، وأعطاه تصور الحياة التي تستمر بعد الموت الظاهري». [2]

وفي مسرحية أخرى «المطاردة»، يرمز محفوظ إلى الموت برجل قوي، متين البنيان، يرتدي ملابس سوداء، وبيده سوط يطارد به رجلين «الأحمر، والأبيض»، طوال حياتهما منذ الطفولة حتى موتهما. يظن الأحمر بأن الموت (الأسود) جعله طوال العمر يفكر فيه ويتوجس منه ويخافه، فيجادله الآخر (الأبيض) بأن الإنسان هو منْ يفعل ذلك لا الموت، وأننا لا يجب أن نخشى الموت من الأساس.

الزوجة: كيف لا نخشى الموت؟
الأبيض: لا يبعد أن يكون آخر مغامرة للحياة.

وبعدما طعنوا في الشيخوخة، وأيقنوا أن لا مفر من مطاردة «الأسود» لهم، تباهى الرجلان بأعمالهما التي لن يطالها الموت، وتوصّل «الأبيض» إلى نتيجة هامة:

يُخيَّل إليّ أحيانًا أنه بفضله حقّقنا ما حققنا من عمل.
فيرد الآخر: ليس بفضله ولكن دفعًا لمطاردته الملحة.

رصد فرويد عملية تقدم الحضارة كنتيجة لمقاومة الإنسان لغرائز الموت التي تدفعه إلى التدمير، يقول: «إننا نقتضي ثمن تقدم الحضارة من سعادتنا بتقوية مشاعر الذنب فينا». [3]

فغريزة الموت تتوجه إلى العالم الخارجي بوصفها غريزة تدمير وعدوان، وعندما تَحول «السلطة» دون تحقيق تلك الميول، تتولّد دوافع العدوان مرة ثانية تجاه السلطة، ولأن الإنسان في مراحل طفولته عاجز عن الاحتجاج على تلك السلطة (الوالدين/ المجتمع) فإنه يستدمج تلك السلطة في نفسه ويحوّلها إلى «الأنا الأعلى»، وهو بمثابة «الضمير» الذي يمتص تلك العدوانية ويُعيدها من حيث أتت، أي يتوجه بها إلى «الأنا»، وأخيرًا يتولّد «الشعور بالذنب» نتيجة للتعارض بين ما يسعى إليه «الأنا» وما يحمله «الأنا الأعلى» من مبادئ وقيم.

«هكذا تتفوق الحضارة على شهوة العدوان فينا، وتُضعِفها وتنزع سلاحها، وتُقيم داخل عقولنا جهازًا يشرف عليها، وكأنه الحامية التي يُخلِّفها الجيش في مدينة مهزومة».[4] فإذا كان الضمير هو النتيجة لتخلينا عن إشباع غرائز الموت، فإنه بدوره سيُطالب الإنسان بالمزيد من التخلي عن تلك الغرائز، ليتحقق من تولّد مشاعر الذنب «بوصفها أهم موضوع في عملية ارتقاء الثقافة».

بذلك نكون قد أوضحنا أن مواجهة الموت على المستوى الأدبي عند «نجيب محفوظ»، تدفع الإنسان إلى تحقيق ذاته والتفكير في الحياة لمعرفة حقيقتها. وأن مقاومة الميول التي تولِّدها غريزة الموت على المستوى النفسي عند فرويد، تدفع الإنسان إلى التقدم حضاريًا وثقافيًا. «إننا مدينون بأجمل زهور الحب البشري للمشاعر والأفكار التي نكوِّنها كرد فعل للدوافع العدائية التي نحس بها تعتمل في صدورنا». [5]

المراجع
  1. سيجموند فرويد، «ما فوق مبدأ اللذة»، ترجمة: إسحق رمزي، دار المعارف، ص91.
  2. سيجموند فرويد، «أفكار لأزمنة الحرب والموت»، ترجمة: سمير كرم، دار الطليعة – بيروت، ص34.
  3. سيجموند فرويد، «الحب والحرب والحضارة والموت»، ترجمة: عبد المنعم الحفني، دار الرشاد، ص95.
  4. المصدر السابق.
  5. المصدر السابق.

مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير.