حُبب إليّ من دنياكم ثلاث، الطيب والنساء وجُعلت قرّة عيني في الصلاة.

مثّل هذا الحديث لكثير من المسلمين دليلاً على تقدير النبيّ للمرأة في الإسلام، واهتم به غير واحدٍ من مفسّري الحديث، وأولاه الصوفية بشكل خاصٍ مزيد عناية، فتأسس موقف «ابن عربيّ» من المرأة والأنوثة في تطوّره الفكري على هذا الحديث، وقدّم غير واحدٍ من الصوفية تفسيرًا بديعًا له، نذكر منهم الكلاباذيّ في (معاني الأخبار بحر الفوائد) وصدر الدين القونوي في (شرح الأربعين)، حتى أكثر الشروح الصوفية إغرابًا تؤكد على مكانة المرأة في الإسلام وعند الصوفية، فنقرأ عند الوليّ الهندي الشهير «نظام الدين أولياء» أن (النساء) المقصودة في الحديث هي (عائشة) وقرةُ العين للنبيّ هي (فاطمة)، وهو التفسير الرمزي الذي رفضته المستشرقة الألمانية «أنا ماري شيمل» في كتابها (روحي أنثى).

وكما نال الحديث عناية عند جمهور المسلمين، اعتبره البعضُ شاهدًا على مادية الإسلام ونزوعه إلى الشهوانية، وأضحت هذه التهمة مذاعة في الأدبيات الجدلية، ورددها كثيرٌ من المستشرقين، وحتى اليوم نجد لها صدى في الكتابات الناقدة، ومع إحياء كل نزاع بين أهل الإسلام والمسيحيين تتجدد هذه التهمة دون وعيٍّ بدور النساء في تاريخ الديانتين.

كان «السّيدُ المسيحُ» محوطًا في حلّه وترحاله بالنساء، ومن يقرأ الأناجيل يعرف قصة مارتا وماريا وكيف كانت الأولى تحرص على تطييبه من رأسه حتى أخمص قدميه، ولم يكن يجد في هذا غضاضة، أخبارٌ كثيرة في العهد الجديد تجعلنا نتساءل كيف يمكن أن نفهم تاريخ المسيحية في عهد مؤسسها إذا انتزعنا منها تلك الشخصيات النسوية الكبرى؟! فمقام «مريم المجدلية» وماريا لا يقلّ في تكريم الجماعة الأولى عن مقام بطرس ويوحنا.

كذلك الشأن في تاريخ الإسلام المبكّر كان للسيدة خديجة دورٌ لا يُنكر في حياة النبي الأكرم، مما يجعل الحديث عن تجربة النبي الروحية في بداية الإسلام دون الحديث عن حضور خديجة حديثًا مبتورًا، ومن هنا يطمح مقالنا للتركيز على صورة السيدة خديجة المؤمنة الفريدة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلّم.


رُزق النبيُّ صلى الله عليه وسلّم حُبّ خديجة وإيمانها به، إيمانًا بكونه رجلاً يختلف عن كل من رأتهم أو عاصرتهم، كانت خديجةُ السّكنَ لمحمّد وحاضنة وحيه ورسالته وحكمته، دثّرته حين أتاه الوحي، وزمّلته من برد القلوب الجافة من حوله، كانت له سكنًا ومودة ورحمة حقيقية، كانت له عونًا وسندًا كي يعرف ما كان قلبه أبيض عنه من «كلام مقدس» وشرائع سابقة، كانت أمًّا للأمّيّ، وزوجة ليتيم الدهر وشريكة في الرحلة طيلة خمسة وعشرين عامًا تحمّلت ما لا يتحمله الرجال!

كانت خديجةُ السّكنَ لمحمّد وحاضنة وحيه ورسالته وحكمته، دثّرته حين أتاه الوحي، وزمّلته من برد القلوب الجافة من حوله.

في قراءتي الثانية لكتاب الأستاذة «سلوى صالح بالحاج» أجدني شغوفا بالمادة المقدمة في الكتاب التي تفتح الباب على مزيد من الأسئلة حول فترة التكوين ولحظة ميلاد الوحي التي لا تزال مثيرة لاهتمامات الباحثين غربا وشرقا.. تختلف التلميذة مع طرح أستاذها «هشام جعيط» الذي رأى شخصية ورقة بن نوفل شخصية تكاد تكون مختلقة وغير موجودة [1]! لا قلقة كما هو الشأن في الكتابات عنها تراثيا وحديثا.. فتجعل ورقة حنيفيا يقترب من الإسلام كما يشهد له النبي محمد صلى الله عليه وسلم ورغم طرحها الهام والمثير في دراستها عن المسيحية في الحضارة العربية إلا أنها لا تمنح المرويات الخاصة بتنصّر ورقة أو تضطلعه في الديانة المسيحية كما يرى البعض وتبشيره بها في الجزيرة مزيدًا من الاهتمام [2] .. رغم كون المسألة مطروحة عربيًا بشكل جدليٍّ واسع بداية من الكتابات التبشيرية «الهداية ١٩٠٣» وحتى اليوم «كتابات يوسف قزي (أبو موسى الحريري)[3]، خليل عبد الكريم (الشيخ الماركسي)[4]، و(الشيخ أحمد عمران)[5] وحسني يوسف الأطير [6]» وما كتبه زياد مني مناقشًا فيه ما طُرح عن ورقة بن نوفل باعتباره رئيسًا لطائفة مسيحية [7].

على أن ما كتبته سلوى صالح في «دثّريني يا خديجة» عن تديّن ورقة رغم وجازته أكثر إفادة من بحوث عربية حديثة [8]، لكني أرى أنه لم يُسثمر بشكل جيدٍ عند الحديث عن معتقد وديانة السيدة خديجة قبل بعثة النبي وهي مسألة حاضرة بشكل كبير في الأدبيات الجدلية كما أشرنا.

يمكن أن يستفيد القارئ من المادة المطروحة في كتابها إذا تابع القراءة لعبد الله جنوف في كتابه “مُحمّد قبل البعثة” فإذا كانت سلوى صالح قد ركّزت في الكتاب على شخصية السيدة خديجة فقد تناول جنوف الشخصية المحمدية قبل البعثة بالبحث ووازان بين المرويات الواردة في شأن تعبده ومعجزاته وما يتعلق بدلائل نبوته.


تابعت السيدة خديجة حياة ومسيرة حضرة النبي كأم وزوجة ومؤمنة وحاضنة وكبيرة وواعية لما يدور في قلب النبي الأكرم.. تقف معه كاتمة للسر ومدركة للرسالة وفي لحظة الجهر بالدعوة تكون بجواره سندًا وعونًا.. تراه قلقًا فتسكّن قلقه.. حزينا فتجلسه في رحابها الواسع… وحيدا فتغنيه سكنا ومودة ورحمة.. «دثريني يا خديجة» بردة تلامس جسده الشريف وامرأة تسكنه ولا يزاحم قلبه حبُّ أحدٍ غيرها «اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما لا أملك».. قطعةٌ من بردة خديجة تظل مع النبيّ وكلّ من ذكر اسم خديجة تُفرش له تلك القطعة الغالية، كل من أحبها كان له سهم من عطاء المصطفى [9].. لعل مولانا جلال الدين الرومي استحضر هذا المسلك النبوي حينما منح رداءه لمن ذكر اسم محبوبه الغائب جسدًا.

عَرَجَتْ خديجةُ إلى مُحمّدٍ عُروج أحلامها، فإذا دُنياها محمولةٌ على هوادج الشفق، في موضعٍ، لحنُ المساء فيه هو لحنُ النّهارِ…

كتب الشيخ العلايلي نصًّا بديعا عن الفريدة النبوية «مثلهن الأعلى» لا يمكن لقارئ مؤمن يريد أن يتعرف على هذه الشخصية المبجلة أن يتجاوزه كذلك لا غنى للباحث الذي يريد أن يتعرف على صورة السيدة خديجة عند المسلم المعاصر أن يغض الطرف عنه فما كتبه العلايلي أفضل عندي مما كتبه الشيخ عبد الحميد الزهراوي كون الأخير كان مسكونا بالجدل ونصه كان قطعا متفرقات لم يخرج دفعة واحدة من قلب محبّ كما صدر نص العلايلي.

تقترب صورة السيدة خديجة من صورة رابعة العدوية في طرح العلايلي، فصلة خديجة بحياة الناس كانت في حدود أساليبهم إليها، أما فيما وراء ذلك؛ في أفكارهم عنها، وتقبّلهم لها، وإقبالهم عليها، فكانت في عُزلة مُغلقة مع الناس بجسدها، وتعيش بوجدان آخر غريب، بوجدانٍ يجوب ساحة المجهول، يحاول اقتحامه ويأنس بغشيانه، فإن لم يكن فباستشفافه. يظهر هذا في قولها للنبي صلى الله عليه وسلّم -بعد أن أخذت بيده فضمتها إلى صدرها ونحرها- : «بأبي أنت وأمي والله ما أفعل هذا لشيءٍ ولكني أرجو أن تكونَ أنت النبي الذي سيُبعث. فإن تكن هو فأعرفْ حقّي ومنزلتي وأدعُ الإله الذي سيبعثك لي. فقال النبيُّ لها: والله لئن كنت أنا هُو لقد اصطنعتِ عندي ما لا أضيّعُه أبدًا وإن يكن غيري فإن الإله الذي تصنعين هذا لأجله لا يضيّعك أبدًا»[10].

عَرَجَتْ خديجةُ إلى مُحمّدٍ عُروج أحلامها، فإذا دُنياها محمولةٌ على هوادج الشفق، في موضعٍ، لحنُ المساء فيه هو لحنُ النّهارِ… فيبشّرها النبيُّ بعد حين ببيت من قصب (اللؤلؤ المُجوّفِ) لا صخب فيه ولا نصب، فتتوزعها هِزّةُ طربٍ، وتميد بخفقِ فرحةٍ لا تُمسكُ من نفسها معها. وتأخذ النبي مثل الفجاءة الباغتة، وتأخذها مثل الدّهشة الذاهلة لتتحرك بعد حين، يدُ النبي تشير إلى المُنبسط الفضاء. «يا خديجةُ هذا جبريل يُقرئك السلام من ربّك» وفي سرور الدّمعِ تُجيبُ خاشعةً: «لله السّلامُ، ومنه السّلامُ، وعلى جبريلَ السّلامُ» وتتناهى في نشوة أقداسٍ كأنها نشوة أحلامٍ[11].

ولدت السيدة خديجة من النبي الكريم بنين وبنات وبقيت لها من بناتها السيدة فاطمة الزهراء ذرية مباركة في أكثر أقاليم الأرض والحمد لله ولكن هل تتجلى اليوم تلك الروح الشريفة وترى أن كل المؤمنين يعدون اليوم أولادها؟

أراد الشيخ الماركسي خليل عبد الكريم أن يطرق باب «المسكوت عنه» في السيرة ليؤكد دور أم المؤمنين في «فترة التكوين في حياة الصادق الأمين» وغزل من نسيج الحروف كلاما كثيرا بعضه كان غريبا وشاذا ومهجورا لكنه صدر عن رؤية مؤدلجة لا تمكّن المريد من معرفة حقيقية وكعادة أي نص مؤدلج يلقى ترحابا عند جمهور المؤمنين والمصفقين ازداد الإقبال على نصه دون قراءة حقيقية أو بحث يسبر غور أفكاره ولقي معارضة من بعض المؤمنين فكتب أحد المصريين ردا على طريقة القدماء «فإن قال قلنا» وعاد الغياب مرة أخرى للسيرة كما ظهر وغاب مع يوسف قزي «الحريري» والشيخ عمران.


[1] يعلق الأستاذ هشام جعيط على رواية «ابن حبيب» في (المحبّر) عن «ورقة بن نوفل» (تنصّر واستحكم في النصرانية وقرأ الكتب ومات عليها) قائلاً: أمّا السيرة فمتضاربة بخصوص هذا الشخص: فهو يعترفُ برسالةِ مُحمّد، ولكنه لا يؤمن به، ثم لا يُذكر عنه شيءٌ. فنشكك حتّى في وجوده. راجع الوحي والقرآن والنبوة، نشرة الطليعة، ص 115.[2] نالت مثل هذه المرويات اهتمامًا بالغًا من الكتّاب الجدليين، فكتب الأب «درّة الحداد» في لبنان عن ورقة وأثره في الإسلام مؤكدًا أن ورقة كان قسًّا ومعلّمًا للنبي الذي صار تلميذًا له، وتناقل الفكرة غير واحد بعده، منهم «أبو موسى الحريري»، وألّف كتابًا يحمل عنوان (قسّ ونبي) نال ذيوعًا وشهرة، ملخص الكتاب أن النبي الأكرم تعلّم على يد ورقة بن نوفل القس النصراني، رئيس كنيسة مكّة وأن القرآن يضمّ ضمن نصوص أخرى، ترجمة بتصرّف لمقاطع من الإنجيل العبراني الذي كان في حوزته مما جعل أكثر من شخص يخصّه بمؤلف كامل، نذكر منهم «زياد منيّ» في كتابه (الأبيونيون و ورقة بن نوفل والإسلام) المنشور في «قدمس» 2001م، إن ما يقوله هشام جعيط في التعقيب على هذه الفكرة يعد ملخصًا ومفيدًا فهو يرى أن كلام القسّ (محض خيال) لأنه لا وجود للكنيسة بالحجاز في تلك الفترة، وقد كان مستوى المعرفة عند النصارى واليهود آنذاك ضعيفًا جدًّا. راجع (الوحي.. مرجع سابق، ص 116).[3] الإشارة إلى كتابه (قسّ ونبي، نشرة دار الفرح (؟)، 1979).[4] الإشارة إلى كتابه (فترة التكوين في حياة الصادق الأمين، نشرة مصر المحروسة، 2004).[5] الإشارة إلى كتابه (الحقيقة الصعبة في الميزان، نشرة مؤسسة الأعلمي، بيروت 1995).[6] الإشارة إلى كتابه (نقض الاشتباه بتعلّم الرسول من ورقة بن نوفل، مكتبة النافذة، القاهرة، 2007).[7] الإشارة إلى كتابه (الأبيونيون وورقة بن نوفل والإسلام، دراسات قُدمس، 2001).[8] قارن مادة نُشرت في موقع مؤمنون بلا حدود بعنوان: النبي محمد صلى الله عليه وسلّم وعلاقته بـبحيـرا الراهب وورقة بن نوفل، مارس 2014.[9] امتدّ بالنبي عمرٌ طويلٌ وظلّت على لسانه عبارة الوفاء المثالي المورق: «إني لأحبُّ حبيبها» راجع في توثيق العبارة الإصابة في تمييز الصحابة، ترجمة السيدة خديجة في الجزء السابع.[10] راجع الشيخ عبد الله العلايلي، مثلهنّ الأعلى: خديجة، نشرة دار الجديد، بيروت 1992، ص 44، وقارن السيرة الحلبية 1/14، و1/228.[11] راجع الشيخ عبد الله العلايلي، مثلهنّ الأعلى، ص 88، وقارن سيرة ابن هشام 1/259.

مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير.