إذا عطست أمريكا، أصيب العالم بالزكام.

واحدة من أشهر المقولات التي لا يتوقف العالم عن ترديدها كلما مرّت الولايات المتحدة بأزمة أثّرت على العالم بأسره، قالوها خلال أزمة الكساد الكبير وعند تفجر فقاعة الرهن العقاري التي أودت بأسواق العالم إلى الحضيض وحتى عند اندلاع الحرب الاقتصادية مع الاتحاد السوفيتي قديمًا والصين حاليًا، كان على الدول أن تقف على أطراف أصابعها لتترقب ما سيحدث من بعيد.

فكل ما يُصيب الدولة العظمى التي تحكم العالم أمنيًا وسياسيًا واقتصاديًا سيؤثر ولا شك على أدق الشؤون الداخلية لكافة الدول الأخرى.

وهو ما سيدفعني إلى تعديل المقولة التي بدأت بها المقالة لجعلها أكثر واقعية فالاهتمام بأمريكا ككيان مجرد ليس واقعيًا وإنما بالقائمين عليها، أو بمعنى أدق رؤسائها، فهم من يتخذون قرارات الحروب والتحالفات وقطع المعونات وفرض الجمارك وغيرها، لذا فإن الاهتمام بهم وبظروف اتخاذهم القرارات يكون في أشد حالاته إبان توليهم الحُكم.

هل يُمكنك تخيل أن معاهدة سياسية سيئة أُقرِّت وأضرّت بنصف أوروبا فقط لأن أحد المُفاوضين كان مرهقًا خلال المباحثات فلم يقاوم وجهات النظر الأخرى كثيرًا؟

أو أن عقار دواء ابتكره علماء أمريكان شفى بموجبه الملايين حول العالم، فقط لأن واحدًا عانَى من هذا المرض فأمرهم بالتوصل إلى لقاحه بأسرع وقت.

هذا يحدث فقط إن كنت رئيس أقوى دولة في العالم، وعليه يجب أن تكون الرجل الأقوى بالدنيا، الذي إن عطس كل كافة سكان الأرض أن يقولون له يرحمكم الله.

وودرو ويلسون

وودورو ويلسون Woodrow Wilson هو الرئيس الثامن والعشرين للولايات المتحدة (1913-1928)، والذي يُضرب به المثل كأكثر رجل مريض حكم الولايات المتحدة، بعد ما عانَى من سكتات دماغية متتالية خلال عمله رئيسًا لجامعة برينستون، وقبل سنوات من ترشحه لرئاسة أمريكا، وطوال حملاته الانتخابية لم يكشف الرجل عن سجله المرضي الأسود للأمريكان.

شهد عهد الرجل اختبارًا صحيًا أشنع من كورونا وهو الإنفلونزا الإسبانية التي قتلت ما يزيد على 675 ألف أمريكي وعشرات الملايين حول العالم، وكما فعل ترامب بالضبط، استهزأ ويلسون بالفيروس وقلّل من شأنه بسبب اعتقاده أن تداول أرقام ضحايا الفيروس سينعكس بالسلب على المجهود الحربي للأمة، وفي النهاية أُصيب بالمرض وكاد يُهلك روحه.

نجح ويلسون في الانتخابات، وبدءًا من عام 1913م صار رئيسًا لأمريكا ولمدة دورتين متتاليتين، في الفترة الأولى حافظ على حياد بلاده خلال الحرب العالمية الأولى، وهو ما تخلّى عنه في الفترة الثانية فأعلن الحرب على ألمانيا وانضمَّ إلى جانب فرنسا وبريطانيا، والتي انتهت بنصرٍ مُبين لحلفائه.

كفلت له مساعداته الحربية الجمة للندن وباريس مكانًا مميزًا في مؤتمر فرساي عام 1919م، حيث وُضعت ملامح العالم الجديد الذي سيتشكل عقب انتهاء ملامح الحرب، وخلال جهوده في الاجتماعات أصيب بجلطة في الرأس وبعث طبيبه الشخصي رسالة إلى البيت الأبيض يُبلغهم فيها بأن «الرئيس مريض جدًا»، لكن الأمر أُخفي عن الصحافة.

ووفقًا لمجلة النيويوركر الأمريكية، فإن حالة الانهاك التي عانَى منها الرئيس الأمريكي بسبب إصابته جعلته ينصاع لرغبات رئيس الوزراء الفرنسي جورج كليمنصو المتشددة بحق ألمانيا، والتي ضمت إذلالها بإجبارها على دفع تعويضات ضخمة للحلفاء بعد هزيمتها في الحرب، وكان هذا مخالفًا لوجهة نظر ويلسون الساعي لخلق عالم «أكثر هدوءًا وسلامًا»، لكنه لم يمتلك ما يكفي من القوة لفرض وجهة نظره، وكانت النتيجة إبرام معاهدة سلام شديدة القسوة على ألمانيا، وكانت سببًا رئيسيًا في سطوع نجم أدولف هتلر واندلاع الحرب العالمية الثانية، والتي كان يُمكن تجنبها فقط لو أن ويلسون لم يكن مريضًا!

بعد هذا الموقف بنحو 6 أشهر، استنفدت سكتة دماغية أخرى ما تبقى من طاقة في جسد ويلسون، فأصيب بنوعٍ من الشلل النصفي جعله غير قادر على الرؤية بعينه اليسرى ولا الكتابة بيده اليسرى، وبرغم ذلك لم يعتبر نفسه غير لائق لشغل منصبه القيادي، والفضل في ذلك لزوجته.

نعلم من تاريخنا الإسلامي عن حادثة مماثلة، فقرأنا عن شجرة الدر التي حكمت البلاد سرًا خلال مرض السلطان الصالح نجم الدين أيوب الذي أودى به للوفاة حتى لا تتأثر معنويات الجنود الذين يخوضون اشتباكات ضارية مع الصليبيين في دمياط.

عرف التاريخ الأمريكي قصة مشابهة قليلاً، وهذه المرة كانت مع إيديث زوجة ويلسون، التي كانت «شجرة دُره» فقادت فريق مستشاريه خلال مرضه وجاهدت لإخفاء مرضه عن الصحافة وقامت بدلاً منه بواجباته الروتينية الرئاسية حتى انتهت ولايته في مارس 1921م، وهو ما دفع روبرت شمول، أستاذ الدراسات الأمريكية في جامعة نوتردام لـ «إضاءات»، لاعتبار أن إيديث هي «أول امرأة تحكم أمريكا».

وودورو ويلسون وزوجته إيديث
الرئيس الأمريكي وودورو ويلسون وإلى جواره زوجته ومساعدته إيديث

تحكي إيديث في مذكراتها التي نشرتها عام 1938م:

هكذا بدأت قيادتي، درستُ كل ورقة، وراسلت أعضاء مجلس الشيوخ، وحاولت أن أستوعب كل شيء، لكني لم أتخذ قرارًا واحدًا في الشؤون العامة دون الرجوع لزوجي.

يقول دان الدريدج، المتخصص في التاريخ الأمريكي الحديث، إن إصابة ويلسون الجسدية دفعته لتغيير موقفه تجاه الحُكم، فيقول إن الإصابة جعلته الرئيس «أكثر عنادًا».

 وهو ما دفع عددًا من المؤرخين للاعتقاد أن مرض ويلسون لعب دورًا حاسمًا في مواقفه المتصلبة تجاه الجمهوريين في جلس الشيوخ، علاوة على عدم انضمام أمريكا إلى منظمة «عُصبة الأمم»، ما أفقد هذه الهيئة الدولية الكثير من بريقها وقُدرتها على حل النزاعات الدولية، وهو ما تجلّى تحديدًا إبان الصعود السريع لهتلر في ألمانيا، والذي أدى لتفجر الحرب العالمية الثانية.

جون كينيدي

قد يبدو مثيرًا للدهشة أن تعلم أن أصغر رجل تولى رئاسة أمريكا، جون كينيدي John F. Kennedy (الرئاسة 1961-1963)، كان مُصابًا بدستة من الأمراض بداية من آلام الظهر وقصور الغدة الدرقية، وهو ما دفعه لتناول المسكنات والمنشطات، بجانب حزمٍ أخرى من الأدوية المختلفة، بشكلٍ يومي.

كانت مشكلة كينيدي الأكبر مع مشاكل ظهره، والتي أورثته آلامًا مبرحة حتى قبل أن يُصبح رئيسًا لأمريكا، ولم ينجح أطباء أمريكا في علاجه بالرغم من خضوعه لسلسلة مختلفة من الجراحات فشلت جميعها في رأب صدوع ظهر كينيدي فاضطر لارتداء دعامة ظهر محُكمة حتى مات.

جون كينيدي على عكاز
جون كينيدي على عكاز قبيل إجراء جراحة العمود الفقري عام 1954

وفي سبيله للتغلب على آلامه استجاب كينيدي لنصيحة الدكتور ماكس جاكوبسون، والذي عالجه بمئات الحقن المُسكنة، علّق عليها الدكتور توماس بايت جراح العمود الفقري والذي أعدَّ ورقة بحثية عن العمليات الفاشلة التي أُجريت لظهر كينيدي، أن هذه العقاقير كانت تجعل الرئيس «منتشيًا، ولا يشعر بأي ألم».

تجرّع كينيدي هذه العقاقير خلال قمة جمعته برئيس الوزراء السوفيتي نيكيتا خروتشوف، وكانت أحد أسباب فشل المفاوضات.

أثار اعتماد كينيدي المُطلق على العقاقير قلق واحد من أكبر أطباء البيت الأبيض وأقدمهم، وهو الأدميرال جورج بوركلي، والذي اقترح على الرئيس أسلوب معالجة آخر قائم على ممارسة الرياضة والتدليك، وبالفعل شعر كينيدي بقدرٍ من التحسن جعله يفكر في التخلي عن دعامة الظهر لأول مرة منذ سنوات، ولكن عُمره لم يكتمل ليُقدم على هذه الخطوة.

لعبت هذه الدعامة دورًا كبيرًا في مقتل كينيدي، بعد ما أعاقت محاولته للانحناء سريعًا إلى أرض السيارة لحظة إطلاق النار عليه، بدلاً من ذلك تصلّب كينيدي في مكانه حتى أودع القاتل رصاصته الأولى في رقيته وأجهز على حياته.

فرانكلين روزفلت

بالطبع لا يخفى على أحد طبيعة مرض واحد من أشهر من حكموا أمريكا، ففرانكلين روزفلت Franklin D. Roosevelt (تولى الرئاسة لأكثر من فترتين كاستثناء بالنسبة للولايات المتحدة، وذلك بين 1933 و1945) ظلَّ حبيس مقعده طوال سنين حُكمه بسبب إصابته المبكرة بأحد الأنواع الشرسة لشلل الأطفال.

الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت على مقعده المتحرك
الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت على مقعده المتحرك مع كلبه الشهير فالا، وروث بي حفيدة راعي استراحته الريفية (فبراير/شباط 1941)

وفيما بعد استغل الرجل صلاحياته الرئاسية، ليدعم الأبحاث الطبية المتعلقة بهذا المرض، وأمر بتمويل هذه العمليات بكثافة حتى تمكن العلماء في النهاية من التوصل إلى لقاح المرض.

وبخلاف شلل الأطفال، أُصيب روزفلت بحزمة أخرى من الأمراض عقب قيادته أمريكا خلال أعوام الحرب العالمية الثانية، فعاني من ارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم وفشل القلب والتهاب الشعب الهوائية الحاد، ما أجبره على اتباع نظام غذائي خاص والإقلال من إفراطه في التدخين، وطوال فترة حُكمه أخفى أطباؤه حقيقة مرضه عن الأمريكيين، واعتبروا أن كل ما يُقال عن صحته هو دعاية انتخابية سلبية.

ويقول شمول لـ «إضاءات»، إنه خلال ترشح روزفلت للولاية الرابعة كانت صحته متدهورة بشدة، لذا يعتقد العديد من المؤرخين أنه لم يكن قادرًا على الاحتفاظ بكفاءته العقلية خلال مؤتمر الحرب العالمية الثانية الذي في مدينة يالطا بمشاركة روزفلت وجوزيف ستالين ونستون تشرشل في أوائل فبراير/شباط عام 1945.

مباحثات السلام في يالطا 1945
ونستون تشرشل وفرانكلين روزفلت وجوزيف ستالين في مباحثات يالطا فبراير/شباط 1945

ويضيف نيكولاس كول، المؤرخ الأمريكي والباحث في العلوم السياسية، لـ «إضاءات»، أن أحد العوامل التي دفعت روزفلت للإصرار على الترشح رغم مرضه هو اعتقاده أن علاقة الصداقة التي تجمعه بستالين ستكفل جلب السلام إلى العالم.

في النهاية، نجحت خطة الأطباء في جلب النصر لروزفلت، ففاز في الانتخابات لكنهم لم يستطيعوا أن يضمنوا له عُمره للاستمتاع بمنصبه الجديد فمات في أبريل 1945م متأثرًا بسكتة دماغية.

جروفر كليفلاند

في كتابه «الرئيس رجل مريض»، كشف الصحفي ماثيو أليجو عن سرٍّ ظلَّ حبيس الجدران لعشرات السنوات، وهي أن الرئيس الثاني والعشرين لأمريكا، جوفر كليفلاند Grover Cleveland الذي تولى رئاسة الولايات المتحدة فترتين (1885-1889) و(1893-1897)، أجرى جراحة سرية في يخت خوفًا على الأوضاع الاقتصادية للبلاد!

ففي عام 1893م، كانت أمريكا تئنُّ من فرط حالة الركود التي ضربت اقتصادها في الصميم، وهو ما حاول جورفر علاجه ببرنامج إصلاحي خاف أن يرفضه الأمريكيون إن علموا أنه مصاب بالسرطان فأخفى عنهم هذه الحقيقة!

وفي هذا الزمن الموغل في القدم كان الأمريكان ينظرون إلى السرطان برهبة، حتى أن الصحافة الأمريكية كانت تُطلق عليه اسم «المرض الرهيب».

في هذه الأجواء يُمكن فهم دوافع كليفلاند لأن يأمر 6 من كبار الجراحين بأن يُخضعوه لعملية معقدة داخل يخت بعيدًا عن كافة الأنظار، أزالوا خلالها الورم السرطاني وبعض أسنانه وعظام فكه العلوية دون أن يمسُّوا شاربه، وهو أحد شروط الرئيس الأساسية للخضوع إلى العملية.

بسبب هذه العملية احتاج الرجل لأربعة أيام يختفي فيها عن الأنظار للتعافي وضمان عدم تسرب الخبر، وهو ما لم يحدث بعد ما نشر مُراسل إحدى الصحف المحلية نبأ خضوع رئيس البلاد لعملية جراحية، وهو ما نفته الرئاسة فورًا، بل ودشنت حملة تشوية متعمدة ضد الصحفي حتى فُصل من جريدته وخسر وظيفته وسُمعته، وظلَّ الرجل يُعتبر عارًا على الصحافة حتى بضع سنوات قليلة حين خرجت الحقيقة للنور.