محتوى مترجم
المصدر
المعهد الإسرائيلي للديمقراطية
التاريخ
2016/02/11
الكاتب
عميخاي كوهين

تخيل أنك أحد جنود الاحتياط بالجيش الإسرائيلي الذين شاركوا في عملية «عامود السحاب» في غزة عام 2012. ثم سافرت إلى خارج إسرائيل، وعند وصولك، تم إلقاء القبض عليك بتهمة ارتكاب جرائم حرب.منذ عام 2000، حدثت محاولات عديدة في أكثر من دولة لمحاكمة مواطنين إسرائيليين شاركوا في النزاعات المسلحة بين إسرائيل وجيرانها. تقول الدعوى إنه إثر مشاركة هؤلاء الجنود والقادة في تلك النزاعات، ارتكبوا انتهاكات للقانون الإنساني الدولي لدرجة تستدعي ممارسة الولاية القضائية الجنائية الدولية ضد من ارتكبوا تلك الانتهاكات.يمكن ممارسة حق الضبطية القضائية الدولية ضد الإسرائيليين من خلال آليتين مختلفتين؛ إما الولاية القضائية الدولية، أو المحكمة الجنائية الدولية.


ما هي الولاية القضائية الدولية؟

يقصد بالولاية القضائية الدولية أن أي دولة بإمكانها محاكمة أي شخصٍ ارتكب واحدًا أو أكثر من الانتهاكات الأخطر للقانون الدولي، أي؛ جرائم الإبادة الجماعية، جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية. ومما نحن في غنى عن ذكره أن أي دولة يمكنها إجراء محاكمات لمرتكبي تلك الانتهاكات للقانون الدولي إن حدثت تلك الجرائم على أراضيها، أو إن كان المتهم أحد مواطني هذه الدولة. إلا أن الكثير من الدول لا تحاكم مواطنيها لانتهاكات القانون الدولي.

في الواقع، يمثل ذلك المبرر الرئيسي لاستخدام الولاية القضائية الدولية. فدونها، لن يلقى العديد من المنتهكين الأكثر خطورة للقانون الدولي أبدًا عقابهم. فهل كانت ألمانيا النازية أبدًا لتحاكم أدولف إيخمان [1]؟

إلا أن ممارسة الولاية القضائية الدولية يخلق مشكلات سياسية وقانونية خطيرة لأنه عند تطبيقها، تتدخل الدولة المُحاكِمة في أحداث جرت على أراضي دولة أخرى، وهو ما قد يقابله رفض من قِبل الدول الأخرى.يرتبط الكثير من الانتقادات المتعلقة بالولاية القضائية الدولية باستخدامها كأداة سياسية. فأحيانًا ما تُستخدم ضد دولٍ ليس لديها القدرة على معارضة استخدامها. وفي أحيانٍ أخرى، تستخدم كوسيلة لإحراج دولة أخرى لأسباب سياسية.


هل نتوقع محاكمة الإسرائيليين وفق الولاية القضائية الجنائية الدولية؟

لم يحدث الكثير من المحاكمات لمواطنين إسرائيليين خارج بلادهم بناء على ممارسة الولاية القضائية الدولية. ويعود السبب الرئيسي في ذلك إلى أن الدول، بشكل عام، لا تستخدم الولاية القضائية الجنائية الدولية طالما كانت الدولة الأوثق صلة بالحادثة تحقق فيها بالفعل، وعند الحاجة، تحاكم هؤلاء المسئولين عنها. أي أنه طالما تُجري إسرائيل التحقيقات الملائمة بصدد الشكوك حول انتهاكات قوانين القتال، فليس هناك سبب لافتراض مشاركة المحاكم الأجنبية. ومع ذلك، هناك مخاوف بذلك الصدد، خصوصًا عندما لا تُدشن إسرائيل تحقيقًا، وعندما لا تُعتبر تلك التحقيقات مشددة كفاية، أو عندما تستمر لفترات طويلة دون التوصل إلى نتيجة. ما يعني أن سياسات التحقيقات الإسرائيلية الفعالة يمكنها أن تمنع التدخل الدولي.


ما هي المحكمة الجنائية الدولية؟

السبيل الوحيد لمنع محاكمة الإسرائيليين أمام المحاكمة الجنائية الدولية، هو إجراء السلطات الإسرائيلية لتحقيقاتٍ حقيقية في الحالات التي يشتبه فيها حدوث جرائم حرب.

بدأت المحكمة الجنائية الدولي عملها في عام 2003. وينطوي دورها على محاكمة من يرتكبون الانتهاكات الأخطر للقانون الدولي. وفي الواقع، تم تأسيس المحكمة الجنائية الدولية بوصفها هيئة دولية محايدة، استجابة للانتقادات التي وُجهت ضد استخدام الولاية القضائية الدولية.

يُصرّح للمحكمة الجنائية الدولية بمحاكمة مرتكبي انتهاكات القانون الجنائي الدولي فيما يتعلق بالأحداث التي جرت في الدول الموقعة على نظام روما الأساسي فقط، والتي اُرتكبت من قبل مواطنين من تلك الدول، أو وفقًا لقرارٍ صادرٍ عن مجلس الأمن. وفي الماضي، كان من المعقول افتراض أن المواطنين الإسرائيليين من غير المرجح أن تتم محاكمتهم أمام المحكمة الجنائية الدولية، لأن إسرائيل لم توقع على نظام روما الأساسي.

إلا أن النظام تغير بشكل ما في عام 2015. حيث قررت المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية الاعتراف بفلسطين كدولة وفقًا لغرض نظام روما الأساسي، ويضمن التزام فلسطين بنظام روما الأساسي اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بالشكوك حول ارتكاب جرائم حرب على الأراضي الفلسطينية. ومن المنطقي افتراض أن المدعية العامة ستعتبر «أراضي دولة فلسطين» مشتملة على الضفة الغربية وقطاع غزة.ولكن ذلك لا يعني أن المدعية العامة للمحكمة ستدشن تحقيقًا بشأن الشكوك حول ارتكاب انتهاكات للقانون الإنساني الدولي، رغم أن ذلك سيكون بمقدورها بالفعل. فقبل بدء التحقيق، يتوجب عليها أن توفي متطلبات التكامل.وفق مبدأ التكامل، لن توافق المحكمة على فتح تحقيق في الحالات التي تم فيها التحقيق مع المتهم المشتبه به بالفعل أو محاكمته في الدولة ذات الصلة الأوثق بالواقعة؛ طالما أمكنها التأكد من أن التحقيق/المحاكمة كانت حقيقية، لا صورية.كما تتمتع المحكمة الجنائية الدولية بسلطة تقرير إن كانت تلك الإجراءات قد تمت على نحو ملائم أم لا. ولنتخذ محاكمة سيف الإسلام القذافي، ابن الدكتاتور الليبي معمر القذافي، كمثال. حيث رفضت فيها المحكمة مزاعم ليبيا بأنها تجري تحقيقًا بالفعل بشأن الشكوك حول ابن القذافي، واصفة التحقيق الليبي بأنه عامٌ جدًا، حيث لم يحدد الجرائم التي يتم التحقيق بشأنها أو الخطوات التحقيقية التي تم اتخاذها.وبالتالي، هناك سبيل واحد لمنع محاكمة الإسرائيليين أمام المحاكمة الجنائية الدولية واستخدام الولاية القضائية الدولية، وهو أن تجري السلطات الإسرائيلية تحقيقاتٍ فعالة، مستقلة، وحقيقية في الحالات التي يشتبه فيها حدوث جرائم حرب أو انتهاكات أخرى.


الهوامش:[1]أدولف إيخمان: هو أحد المسئولين الكبار في الرايخ الثالث، وضابط في القوات الخاصة الألمانية أو ما تعرف بقوات العاصفة، كانت تعود إليه مسئولية الترتيبات اللوجستية كرئيس جهاز البوليس السري «جيستابو» في إعداد مستلزمات المدنيين في معسكرات الاعتقال وإبادتهم. وعقب خسارة ألمانيا الحرب العالمية الثانية، هرب سراً إلى عدة دول إلى أن استقر في الأرجنتين متخفياً باسم جديد وشخصية جديدة مبتعداً عن أية مظاهر قد تفضحه أو تكشف شخصيته الحقيقية، حتى العام 1960 عندما قبض عليه عملاء للموساد ونقلوه إلى إسرائيل، حيث حوكم وأدين وشُنق في العام 1962. ثم أحرقت جثته وألقي بالرماد في البحر الأبيض المتوسط.