في ظهيرة يوم الخميس، 13 أكتوبر 2016، وخلال اجتماعها في العاصمة الفرنسية، أصدرت منظمة اليونسكو قرارًا ينفي وجود ارتباط ديني لليهود بالمسجد الأقصى وحائط البراق.

تقدم بمشروع القرار 7 دول عربية، من بينهم مصر والجزائر، وصوتت 24 دولة لصالح القرار، بينما امتنعت 26 دولة عن التصويت، وعارض القرار ست دول، وتغيبت دولتان.

ونصّالقرار على مطالبة إسرائيل بإتاحة العودة إلى الوضع التاريخي الذي كان قائمًا حتى سبتمبر ٢٠٠٠، إذ كانت دائرة الأوقاف الإسلامية الأردنية هي السلطة الوحيدة المشرفة على شئون المسجد الأقصى. كما أدان القرار الاعتداءات الإسرائيلية المتزايدة التي تحدّ من تمتع المسلمين بحرية العبادة ومن إمكانية وصولهم إلى المسجد.

ولم يكن هذا القرار هو الأول الذي تُصدره المنظمة ضد إسرائيل، ففي إبريل من هذا العام، أصدرت قرارًا مشابهًا، بموافقة 33 دولة، برفض المصطلح الإسرائيلي «جبل الهيكل»، واعتماد الاسم العربي الإسلامي للمسجد الأقصى في القدس المحتلة.

وإلى جانب حالة الغضب الشديد التي سيطرت على تصريحات السياسيين الإسرائيليين، والرأي العام هناك، ظهرت بعض التحليلات التي قدمت معالجة مختلفة لتفسير المشهد برمته.


عندما يكتب الإسرائيليون التاريخ

لم يشأ «يردين ليخترمان»، أحد الكتاب الإسرائيليين على موقع «المصدر» الإسرائيلي، أن يتحدث في مقاله حول قرار اليونسكو بشكل مباشر، ولكنه حاول توضيح الصلات التاريخية بين تاريخ اليهود والمسجد الأقصى.

هناك من يرى أن غضب الساسة الإسرائيليين من منظمة اليونسكو غير مبرر، لأنها ليست من تصوّت على القرارات بل أعضاؤها.

وقد تحدث تحديدًا عن حائط المبكى (التسمية اليهودية لحائط البراق)، وكيف أن تاريخ اليهود معه حوى الكثير من العقبات. فهو آخر ما تبقى من الهيكل اليهودي، وكان مكانًا للصلاة والدعاء، ورغم أن أمناء «جبل الهيكل» يقولون أنه هامشي من حيث أهميته في اليهودية مقارنة بجبل الهيكل المجاور له، فهو ينجح في جذب ملايين المصلين اليهود كل عام من جميع أنحاء العالم، وخصوصًا في الأعياد.

يذكر ليخترمان أن «حائط المبكى» تم بناؤه في القرن الأول قبل الميلاد، يبلغ طوله نحو نصف كيلومتر، وارتفاعه الأصلي 30 مترًا، ولكن هدم الرومان الجزء العلوي منه عام 70 للميلاد في أعقاب «الثورة اليهودية الكبرى»، ودمروا الهيكل أيضًا، ثم حظروا على اليهود الاقتراب من هذه المنطقة.

ويشير ليخترمان إلى أن الصلاة إلى جانب «حائط المبكى» كما تتم اليوم، كانت شائعة في أوساط اليهود بدءًا من القرن الرابع عشر. وتذهب ادعاءات المقال إلى أن العثمانيين اعترفوا بالأهمية الدينية للحائط في اليهودية، وعرّفوه بشكل رسمي كموقع عبادة يهودي، بأمر من السلطان سليمان. وأن المسلمين بنوا الطبقة الثانية من الحائط في القرن الثامن للميلاد. وفي عهد الحكم العثماني وفي عهد الانتداب البريطاني تمت إضافة أحجار أخرى لزيادة ارتفاع الجزء الواقع أمام ساحة الصلاة من الحائط.

ويقول ليخترمان أن حائط المبكى سُمي بهذا الاسم بسبب صلوات وبكاء اليهود الذين جاؤوا للصلاة في الموقع. وفي السنوات الأخيرة يزور الحائط كل عام نحو عشرة ملايين شخص.


مكاسب «إسرائيل» من قرار اليونسكو

في مقاله على موقع The Times Of Israel، أوضح الكاتب الإسرائيلي «رفائيل أهرين» أن هناك بعض الجوانب المضيئة لإسرائيل في قرار اليونسكو الأخير.

تحدث في البداية عن الغضب اليهودي من قرار اليونسكو، وأن هناك دولًا، من المفترض أنهم «أصدقاء مزعومين لإسرائيل»، لم يصوّتوا ضد القرار، مثل: فرنسا وإيطاليا وكينيا. ولكنه في الوقت ذاته، انتقد تصريحات نتنياهو التي تهاجم منظمة اليونسكو، قائلًا: «هل نسي نتنياهو، الذي يمدح باستمرار تحسن مكانة إسرائيل المطرد في العالم، أن المنظمة ليست هي التي تصوت على القرارات بل أعضاؤها؟ قرار يوم الخميس المثير للجدل لاقى دعمًا من روسيا والصين والمكسيك ونيجيريا وبلدان أخرى، يعتبرها رئيس الوزراء حليفة لإسرائيل».

يعتبر أهرين أن قرار اليونسكو هو هزيمة دبلوماسية واضحة لإسرائيل، لكن يعتبر أن هناك مكاسب، فهذا القرار صوّت لصالحه 24 دولة، وامتنعت 6 عن التصويت. وهو تقدم ملحوظ مقارنة بالتصويت للقرار الذي اُصدر في إبريل 2016، والذي صوّتت لصالحه 33 دولة، مقابل 17 امتنعوا عن التصويت.

إضافة إلى ذلك، تضمن قرار اليونسكو الأخير إشارة، قد تكون هامة لإسرائيل، والتي تحدثت عن أهمية البلدة القديمة في القدس وأسوارها للديانات السماوية الثلاث. وهو ما لم يتضمنه قرار اليونسكو في إبريل الماضي.

وذكر أهرين أن الفلسطينيين قاموا بإدخال الجملة السابقة في مشروع القرار، أملًا منهم في الحصول على دعم دول كانوا يخشون بأنها لن تكون مرتاحة مع نص لا يضم أي إشارة إلى مواقع يهودية ومسيحية للمدينة المقدسة. مع ذلك هبط التأييد للقرار من 33 دولة إلى 24.


تجميد ملف المفاوضات وراء قرار اليونسكو

اعتبر البعض أن قرار منظمة اليونسكو ليس له علاقة بالإدعاءات الدينية، بل هو سياسي بامتياز، ومرتبط بملف المفاوضات.

الصحفي الإسرائيلي «ير حسون»، تناول زاوية أخرى في تحليل قرار اليونسكو من خلال مقاله على موقع صحيفة هآرتس الإسرائيلية.

يُقرّ حسون أن قرار اليونسكو ليس له علاقة بالادعاءات الدينية، بل هو قرار سياسي بامتياز، وكأن العالم يخبر إسرائيل، أنها إذا أرادت أن يتم الاعتراف بصلة اليهودية بالقدس، عليها أن تجلس وتتحدث مع الفلسطينيين.

وخلافًا للادعاءات الإسرائيلية، يرى حسون أن القرار ليس إعلانًا لتحديد صاحب الحق في امتلاك الحرم القدسي الشريف والمناطق المحيطة بها، بل هو قرار لتحديد كيفية تعزيز وضعية هذا التراث العالمي المعترف بها من قبل منظمة اليونسكو، وقد وضع قواعد للحفاظ على مدينة القدس القديمة، ويرى أن إسرائيل تنتهك هذه القواعد.

وأكّد حسون أن القانون الدولي يعترف بإسرائيل كدولة محتلة، لذلك فإن الإشارة المتكررة في القرار لإسرائيل على هذا النحو يجب ألا تثير الدهشة.

وأشار إلى أن الولايات المتحدة توقفت عن لعب دور مؤثر في منظمة اليونسكو، بعد قرار الكونجرس – الذي اتخذته تحت ضغوط من اللوبي الإسرائيلي هناك – بوقف تمويل أي وكالة تابعة للأمم المتحدة تقبل فلسطين كعضو بها. وكان من المُرجّح، أن قرار اليونسكو الأخير لم يكن ليصدر، إذا كانت الولايات المتحدة مُحافظة على مكانتها القديمة في المنظمة.

ويختتم حسون مقاله، بالقول: «إن الاعتراف بالروابط اليهودية للأماكن المقدسة في القدس أصبح مرتهنًا بالنضال الفلسطيني. وإذا كانت الحكومة الإسرائيلية تدرك أهمية اعتراف العالم بهذه الروابط، عليها أن تجلس وتتحدث إلى الفلسطينيين. فتجاهل إسرائيل المستمر لهذا الواقع هو خلفية حقيقية لصرخات يائسة من السياسيين الإسرائيليين».