المركزية الأفريقية أو المركزية السوداء في بعض الصحف، هي تيار فكر نشأ في الولايات المتحدة الأمريكية. هذا التيار يهدف إلى إعادة كتابة تاريخ السود، بدلًا من أن يكون تاريخهم في الولايات المتحدة مرتبطًا بالاستعباد فحسب. لهذا كان التاريخ المراد كتابته هو تاريخ سابق على مرحلة الاستعباد الأوروبي والأمريكي لسكان الساحل الغربي للقارة الأفريقية. على أن يكون هذا التاريخ مؤكِدًا أن الأفارقة هم منشأ الحضارات الإنسانية بالكامل.

الأمر أشبه بمحاولة خلق تاريخ يَضاد بالكامل الواقع الذي عاشه الأفارقة في أوروبا وأمريكا. فوصولهم لتلك المناطق ضمن تجارة العبيد، وحرمانهم من التعليم ضمن حرمانهم من مظاهر الحياة الآدمية الأخرى، خلق لديهم رغبةً ملحة في إثبات إنسانيتهم وتميزهم. لهذا حتى بعد أن أُلغي الرق، وبات الأفارقة مواطنين بحقوق مساوية للمواطن الأبيض، فقد رفضوا الاندماج في هذا التيار، وصوبوا عقولهم نحو أصولهم بحثًا فيها عما يميزهم.

هذه الرغبة القوية في التمايز هي ما يُعزى إليها غالبًا انتشار تيار المركزية الأفريقية. حتى إن المكتبة العلمية الأفريقية، التي تديرها أكاديمية العلوم في جنوب أفريقيا، لا تترد في تبني تلك السردية. بالعكس تضيف إلى هذا الطرح تشبيهًا تشرح به الأمر. فعلى حد وصف الأكاديمية فإن النظرية الماركسية مثلًا نشأت كرد على القيود الاقتصادية والاضطهاد الذي واجهه الفلاحون الروس.

لهذا لا ترى المكتبة غضاضة في القول، إن النظرية نشأت كرد فعل على الاستعباد والاضطهاد الغربي. ثم تضيف المكتبة في معرض الحديث التاريخي عن المركزية الأفريقية تفسيرًا حول سر تقاطع المركزية الأفريقية مع الحضارة المصرية القديمة.

الهوية كرد فعل للشتات

في نهايات القرن الثامن عشر، وبدايات القرن التاسع عشر، تصاعدت محاولات الأفارقة للخلاص من الاضطهاد الأوروبي. هي نفس الحقبة التاريخية التي تصاعد فيها الهوس الأوروبي بالحضارة المصرية القديمة، بعد الحملة الفرنسية ودخولها مصر. لذلك ففي عام 1827، عام إعلان نهاية العبودية في نيويورك، سرعان ما ظهرت صحيفة يديرها الأفارقة تزعم في افتتاحيتها وجود اتصال وعلاقة بين المصريين القدماء والأفارقة.

كان الأمر مجرد عدد في صحيفة، حتى نهايات نفس القرن، حيث وُلد ماركوس جارفي. الرجل من أصول جامايكية، لكنه وُلد وتربي في الولايات المتحدة، ويمكن اعتباره المؤسس لنظرية المركزية الأفريقية. إذ قال إنه بحاجة إلى سردية يمكن أن يبني عليها فكرة أكبرة، وهي القومية السوداء. لهذا فجارفي يقول، إن كل السود في العالم هم أصحاب هوية واحدة، ومن ثم ينتمون إلى قومية واحدة. هذه القومية الواحدة، طبقًا لرأي جارفي، بدأت منذ تاريخ بعيد جدًا، وبدأت في مصر حيث كان الأفارقة السود هم من أسس فيها الحضارة، قبل أن يسرقها منهم الرجل الأبيض.

مع بدايات حركة الحقوق المدنية، واتساع رقعة المطالبة بالحقوق للأقليات، مات جارفي. لكن كانت أفكاره قد لاقت الرواج الكافي لاستمرارها جيلًا بعد آخر. وكان الإيمان بها يترسخ أكثر كلما زادت العنصرية الأمريكية ضد السود. من أبرز الذين آمنوا بتلك النظرية كان مالكوم إكس، ففي تسجيل له يقول إن الحضارة الفرعونية التي انبهر بها الرجل الأبيض هي الأصل من بناء وإبداع الرجل الأسود.

لكن ما يجب إيضاحه أن مالكوم أكس لم يكن معاديًا لمصر ولا للحضارة المصرية. فقد وصف جمال عبدالناصر، الرئيس المصري الأسبق، بأنه أفريقي أكثر من أفارقة الكونغو. كما كان الأفارقة في تلك الحقبة الزمنية يرفعون صورة عبدالناصر كرمز من رموز التحرر الوطني الأفريقي بالكامل. لهذا لم يكن معنيًا بالمركزية الأفريقية أن تدخل في مواجهة مع مصر ولا أي دولة أفريقية أخرى، بل كان هدفها أن تكون مصر والدول الأخرى جزءًا في كيان أفريقي أكبر يواجهة الرجل الغربي.

ولادة المصطلح الحديث

لكن ربما بدأ التصادم لحظة ميلاد مصطلح الأفروسنتريزم بصيغة الحالية. فقد صاغه موليفي أسانتي، بصورته الحالية، وباتت كلمة الأفروسنتريزم ببنيّتها الأجنبية هي الأشهر استخدامًا. وأطلق الرجل كذلك على معتقديها والمؤمنين بها لقب الأفروسنتريك. في تلك اللحظة بدأت المركزية الأفريقية في الخروج عن سياقها بنسبة كبيرة.

فبعد أن كانت تتحدث فحسب عن صياغة التاريخ بوجهة نظر أفريقية، بدأت في وضع أحداث بديلة تثبت التفوق الأسود. فمثلًا زعمت الحركة أن السود هم من قدموا إلى أمريكا قبل وصول كولومبوس لها. كما بدأت أصواتهم ترتفع بأن مصر القديمة كانت أرضًا للسود. يبدأ الأفروسنتريك بالقول إن كل الحضارات العالمية نشأت من الثقافات الأفريقية، ثم يقولون إن الثقافات الأفريقية نبعت من الحضارة المصرية القديمة، ويصلون في النهاية إلى القول إن مصر القديمة كانت أرضًا للسود.

بدأت تلك النظرية تتسرب إلى الأبحاث العالمية. فمثلًا مارتن بارنال، في كتابه الموسوعي أثينا السوداء، يقول إن الحضارة اليونانية اقتبست من الحضارة المصرية القديمة أشياء كثيرة تجعل من الأخيرة حضارة مؤسسة للحضارة اليونانية، وبما أن مصر كانت أرضًا للسود، فإذن تصبح الحضارة اليونانية حضارة سوداء. كذلك نجد السنغالي أنتا ديوب يتهم علماء المصريات بأنهم ارتكبوا جريمة بالقول إن الثقافة المصرية تأثرت باليونانية، وليس العكس.

اللافت أن هذا التوجه واجهه رفض حقيقي وحازم من الأكاديمين الأفارقة أنفسهم، وأوضحوا أن تلك الأحاديث هدفها تحويل الحركة إلى مصدر للسخرية. لكن يرد أصحاب المركزية الأفريقية أن نظريتهم هي الصحيحة بدليل كلمة «كيميت»، الاسم القديم لمصر. الكلمة يترجمها الأفروسنتريك بأنها تعني أرض السود، ما يعتبر إشارة في رأيهم إلى أنها مسماه بذلك نسبة إلى لون البشرة السوداء للسكان.

علماء المصريات يردّون على تلك النقطة بأن الترجمة الحقيقية للكلمة تعني الأرض السوداء، ما يعطي إشارة لأرض مصر التي صارت سوداء بفعل ترسب الطمي نتيجة فيضانات النيل.

أين السردية المصرية؟

https://www.youtube.com/watch?v=bq9yYis_In0

حاليًا، تجاوزت الحركة الحدود الضيقة للسجالات الأكاديمية، وبدأ العديد من المشاهير يعتنقونها، مثل الممثل الأمريكي الشهير «كيفين هارت»، الذي شارك في إنتاج وثائقي درامي يحمل عنوان «دليل كيفين هارت للتاريخ الأسود». لهذا أُلغي حفله الضخم الذي كان مزمعًا إقامته في 21 فبراير/ شباط 2023 جراء دعوات شعبية لإلغائه بسبب دعمه للأفروسنتيرزم. لكن مع كيفين يوجد عديد من المشاهير الأفارقة الذين يتبنون تلك النظرية.

لكن مع تزايد دعم المشاهير يزداد الهجوم على الحركة، ليس الهجوم الشعبي فحسب، بل العلمي أيضًا. فمثلًا نجد كوامي أنتوني أبياه، مؤرخ غيني أمريكي، يقول بوضوح تام إن أصحاب المركزية الأفريقية يستندون إلى أفكار خاطئة عن العرق، وإنهم عنصريون وينسبون إلى أنفسهم إنجازات الأقوياء.

عطفًا على كلام كوامي يجدر القول إنه من حق الأفارقة البحث عن تاريخهم وحضارتهم المفقودة، لكن دون الانقضاض على حضارات الشعوب الأخرى. وأن حالة الاغتراب التي قد يمرون بها بسبب الاستعمار والاستعباد بالتأكيد تحتاج منهم إلى البحث عن سبل للخروج من حالة الشتات وفقدان الهوية، لكن بمساعدة ثقافتهم الأصلية، وحل مشاكل أوطانهم الحقيقية.

لكن على الجهة الأخرى، فإن إلغاء الحفلات ليس هو الحل، والاعتماد على ضعف سردية المركزية الأفريقية ليس هو السبيل الأمثل. فتجاهل العلماء المصريين للقيام بدراسات أنثروبولوجية من أبرز أسباب التعامل العلمي الضعيف مع تلك القضية. بخاصة أن العديد من الأعراق لها مزاعم تتعلق بالحضارة المصرية، لهذا فالجانب المصري بحاجة إلى سردية قوية تتحدث عن مصر القديمة من جوانب علمية مختلفة.

لذا فنزع فتيل هذه الأزمة للأبد لن يكون إلا عبر تصحيح ادعاءات الأفروسنتريزم، بالدراسات المصرية والتاريخية، وكتابة سردية مصرية خالصة وبخاصة عن تاريخ مصر، لا مجرد النقل عن علماء المصريات الأجانب.

لأن ترك الأمر لعامة المواطنين، ولصفحات التواصل الاجتماعي، سيخلق عنصرية مضادة من المصريين تجاه كل من هو أسود البشرة، سواء كان مؤمنًا بالمركزية الأفريقية، أو تصادف فحسب أن ملامحه تشير إلى أنه من الدول الأفريقية الأخرى.