إن وجودية دوستويفسكي قد سلطت الضوء على الإنسان بطريقة فريدة غير مُسبقة، بحيث كان هو القضية المركزية في جميع كتاباته. ولم يكن الإنسان عند دوستويفسكي ظاهرة عابرة يمكن حسم جدالها في عمل روائي محدد. بل الإنسان في رؤيته الوجودية هو عالم متسع الأركان، يغط في دروب عميقة. فالإنسان هو ذلك الكائن الذي يطفو على سطح الصراعات الناشئة من المواجهة المستمرة، بين دواخله من ناحية وصراع الوجود والهدف- اللذين لا يلتقيان أبداً- من ناحية أخرى.

دوستويفسكي والمسيح

كان دوستويفسكي شديد التأثر بالمسيح، ليس فقط على المستوى الإيماني، بل أيضاً على المستوى الفكري والنفسي، حيث إننا نجد أنفسنا دائماً بصدد منظور مسيحي للإنسان (ولو كان غير تقليدي) في جميع كتاباته.

كان دوستويفسكي مسيحياً أرثوذكسياً المنشأ، ولكن نقطة التلاقي الحقيقية بين دوستويفسكي والمسيح بدأت في يناير/كانون الثاني من عام 1854، حينما كان في سجن «كاتورجا» بسيبيريا، حيث قد اعتُقل بتهمة الانضمام إلى جماعة سياسية سرية تُدعى «بيتراشيفسكي»، قبل ذلك بخمسة أعوام.

لم يُسمَح بدخول أي متعلقات أو كتب إلى السجن، عدا كتاب واحد وهو الإنجيل. وفي تلك الأثناء قام دوستويفسكي بدراسة شخصية المسيح الإنجيلي وتأثر به بقدر كبير.

يمكننا القول، إن دوستويفسيكي لم يجد في المسيح هذا القدر من الإيمان الذي يبحث عنه الإنسان بنهم وسط زريعة المعاناة والوحدة فقط، بل وجده رفيقاً لمعاناته، وشريكاً لرحلته المأساوية داخل جدار السجن. كان تأثر دوستويفسكي بالمسيح تأثراً نفسياً وجدانياً في المقام الأول قبل أن يكون إيمانياً. حتى أنه قام بمراسلة صديقته التي أحضرت له العهد الجديد في السجن، وقام بتقديم الشكر لها ثم أردف قائلاً:

أنا كطفل شكّاك ليس لدي إيمان حتى اللحظة، وأوقن بأني سأبقي كذلك إلى القبر، ولو أثبت لي شخص ما أن الحقيقة ليس المسيح، يجب أن أختار البقاء مع المسيح بدلاً من الحقيقة.

فمن الواضح أن دوستويفسكي تأثير على نحو عميق بشخصية المسيح، وكانت هناك نقاط تلاق بين الكاتب والمسيح تجسدت فيما بعد في أعماله، وهنا نتحدث بشكل محدد عن الصراع والمعاناة.

الصراع

ثُمَّ تَقَدَّمَ قَلِيلًا وَخَرَّ عَلَى وَجْهِهِ، وَكَانَ يُصَلِّي قَائِلًا: «يَا أَبَتَاهُ، إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ، وَلكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ»
إنجيل متى (26: 39)

بحسب الإيمان المسيحي، فإن المسيح هو ابن الله، أي أنه الله الذي ظهر في هيئة إنسان، وهذا المعتقد الإيماني يشمل اتحاد طبيعتي المسيح (اللاهوتية والناسوتية) في آن واحد دون اختلاط أو تغيير، بمعنى أن الطبيعة اللاهوتية لم تُغيِّر شيئاً في خصائص الطبيعة البشرية.

وبحسب إنجيل متى نرى المسيح في مشهد اجتماعه الأخير مع تلاميذه في «بستان جثسيماني» في أقصى حالات الصراع الإنساني، وعلى الرغم من سير المسيح نحو الموت وفداء البشرية منذ بداية رسالته، حسب الإنجيل، إلّا أننا نجد المسيح الإنجيلي في رحلة عابرة نحو الإنسانية وصراعاتها بشكل مكتمل تماماً. وهنا تكمن نقطة التلاقي بين دوستويفسكي والمسيح، حيث إننا نجد في أدب دوستويفسكي تجسيداً للنظرة الإنجيلية عن الإنسانية وصراعاتها، التي تجلت بشكل واضح في شخص المسيح ذاته عند اقترابه من لحظة فداء الإنسان عن خطاياه على الصليب.

حيث إن الصراع من المنظور الإنساني المسيحي ينشأ نتيجة مواجهة الإنسان مع نزاع الشر الكامن في هذا العالم، وهذا بالضبط ما شكَّل أدب دوستويفسكي، من علامات ورموز للصراع الداخلي للإنسان وانعكاس لمأساته الباطنية مع مواجهة الشر. فالإنسان خُلق في المقام الأول ليحيا بحرية تامة، بعيداً عن الشر في صورته الإنسانية الأصلية التي جسّدها الإنجيل في شخص المسيح، لذلك نجد التعبير الكنسي الشرقي عن المسيح أنه صورة الإنسان الجديد، الذي يمر داخل كل صراع نفسي نتيجة وجود الإثم والخطيئة، ثم ينتصر في النهاية نحو الحرية، فالصراع يتلاقى عند الكاتب الروسي والمسيح أنه الطريق الوحيد الذي يجب على الإنسان المرور عبره للوصول إلى القداسة المنشودة.

ومن ركن آخر يُصوِّر دوستويفسكي الإنسان بوجوده الدينامي المنفرد تماماً غير المتناغم مع سريان الحياة برتمها الثابت والبطيء، فثمة حركة حتمية تتجدد باستمرار في أعماق الإنسان، وهذا بالضرورة يُنشِّئ حالة أخرى من الصراع الداخلي، حيث إن الثبات مُحدَّد في مجراه ومُتجه نحو الهدف، لكن الإنسان مرهف الحس أو كما يُطلِّق عليه دوستويفسكي «الإنسان الواعي»، يجب أن يمر بشكل حتمي بداخل ذلك الصراع غير المتناهي حتى الرمق الأخير. وأما عن السكون والثبات والتناغم فلا وجود لهما إلّا في الإنسان السطحي، الذي لم يختبر الحياة الإنسانية بشكل كامل.

المعاناة

المعاناة… ذلك المصير الأليم الذي يُلازِم الحر الثائر والمبدع، وما بين الحرية المبدئية والنهائية طريقاً حافلاً بالآلام والمعاناة. والحرية عند دوستويفسكي لا تقتصر على المفهوم السطحي في قدرة الإنسان على الاختيار بين الخير والشر. لكنها الحرية القصوى والنهائية في الله، وهذا لا يتحقق بشكل مُفاجئ ومُعجزي لمجرد أن يصبح الإنسان مؤمناً، بل هو درب طويل يسلكه الإنسان… درب مؤلم لا راحة فيه.

«اجْتَهِدُوا أَنْ تَدْخُلُوا مِنَ الْبَابِ الضيق»
إنجيل لوقا (13: 24)

لم يكن المسيح ذلك المُبشِّر الذي يُبادر بفرش الورود تحت أقدام أتباعه. بل كان الداعي لاجتياز الطرق الضيقة والوعرة كوسيلة وحيدة للوصول نحو الحرية، حيث إن المعاناة عند المسيح هي المصفاة التي تزيل القيود من الإنسان، تلك القيود التي تشكّلت عبر السنوات الماضية من حياة الإنسان.

فالإنسان يُخلق حراً تماماً، لكن بفعل المجتمع والناس يصبح مُقيداً. ولن يُدرِك الإنسان تلك القيود إلّا إذا كان يمتلك قدراً كافياً من الوعي. حينها سيخوض الصراع نحو الحرية مُولداً ذلك معاناة لا تنتهي إلّا بفناء الإنسان نفسه. هذه هي الحرية المرجوة، إنها الحرية المطلقة من قيود العالم.

وهنا نجد أن المعاناة حتمية عند الوصول إلى نقطة الوعي، وهي كذلك مقدسة عند دوستويفسكي، فنجده يُجسِّد تلك الفكرة في أروع مشاهد رواية «الجريمة والعقاب»، عندما جثا عند قدمي «سونيا» التي تعاني أشد المعاناة جرّاء وحل الإثم والخطية قائلاً:

أنا لا أسجد أمامك أنتِ… بل أمام معاناة البشرية كلها.

وفي رواية «الإخوة كارامازوف» يقول:

أشكر الله مع ذلك أنه وهب لك نفساً سامية قادرة أن تعاني ألماً كهذا الألم. إن الذكاء المتفوق يبحث عن الحقيقة في الأعالي، لأن وطننا في السماوات. اسأل الرب أن يهب لك القدرة على أن تجد في قلبك حلاً لهذا الصراع أثناء حياتك على هذه الأرض، وأن ترافقك بركته طوال طريقك.

كان دوستويفسكي فناناً مبدعاً، يملك تلك الموهبة التي استطاع من خلالها إدراك الحركة الإنسانية الداخلية غير المستقرة، والتي تعاني في وجودها من حركتها الجامحة.

لقد شكّل دوستويفسكي الثورة الروحية قبل كل شيء، والتي تناهض الركود والاستقرار. كما أنه أدرك الحياة نفسها وعلاقتها بالروح الإنسانية، مُتأثراً أشد التأثير بالمسيح، والذي شكّل الوحي الأدبي لدوستويفسكي، من خلال نظرة واقعية للإنسان والحياة.

مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير.