يتطلع الناس عبر الأزمنة إلى النجوم التي تلمع في السماء كل ليلة، ويتساءلون أين نحن في الكون؟ وماذا خلف النجوم؟

لذا لهثت الحضارات السابقة خلف الكون وقناديل السماء. طوّر علماء الفلك في بابل ومصر القديمة أنظمة أصبحت الأساس لعلم الفلك اليوناني، في حين طوّرت المجتمعات في الأمريكيتين والصين والهند أنظمة خاصة بها.

لدينا اعتقاد أنه بالنسبة للشعوب القديمة؛ لم تكن الأشياء معروفة على نطاق واسع. كانت السماوات تخمينًا، وتعمل طبقًا للطريقة التي يُريدها الآلهة. ولدينا اعتقاد أنهم رأوا الأرض مسطحة. لم يكن هذا الحال دائمًا؛ فبحلول القرن الخامس قبل الميلاد، كان من المقبول على نطاق واسع القول إنّ الأرض عبارة عن كرة.

في القرن الخامس قبل الميلاد، قدّم «أمبادوقليس» و«أناكساغوراس» البراهين حول كروية للأرض. خلال خسوف القمر؛ تكون الأرض بين الشمس والقمر، حدّدوا ظل الأرض على القمر. عندما يتحرك الظل عبر القمر، فمن الواضح أنه مستدير. هذا يشير إلى أن الأرض عبارة عن كرة. أيضًا؛ عندما تظهر سفينة في الأفق، يكون الجزء العلوي من السفينة مرئيًا أولاً. إذا كانت الأرض مسطحة، فمن المتوقع أن تتمكن من رؤية السفينة بأكملها بمجرد أن تصبح مرئية.

وكان هناك شغفًا عبر العصور إلى مَعرفة مركز الكون.

رحلة البحث عن مركز الكون

لعدة قرون ظن البشر أن الأرض مركز الكون، طرح بطليموس الفكرة، وكان أرسطو يؤمن بها. نسمي هذه الفكرة نظرية مركزية الأرض أو Geocentric، مأخوذة من كلمة الأرض باللغة اليونانية Geo.

الأرض مركز الكون.

بعد أكثر من ألف عام على نظرية مركزية الأرض، توصل «نيكولاوس كوبرنيكوس» إلى طريقة جذرية للنظر إلى الكون. حيث وضع الشمس في مركز الكون (Helio). لم يكن أوّل من يؤمن، كان مراقبو النجوم في وقت سابق يعتقدون الشيء نفسه، لكن كوبرنيكوس هو الذي أحضر الفكرة إلى عصر النهضة واستخدم ملاحظاته الخاصة لتحركات الكواكب لدعم ما يقول.

كانت أفكار كوبرنيكوس مختلفة للغاية بحيث لم يقبلها معظم علماء عصره.

الشمس مركز الكون.

تليسكوب غاليليو

كان غاليليو غاليلي فضوليًا بشأن السّماء، أدخل تحسينات على التلسكوبات الهولندية والتي كانت تُباع كألعاب أو للاستخدامات العسكرية والبحرية، حيث يتم رصد السفن قبل ظهورها في الأفق، كانت قوة تكبير التلسكوبات الهولندية ثلاث مرات فقط، رفعها غاليليو إلى 30 مرة (من 8 إلى 30 مرة).

قبل 400 عام، تحديدًا في خريف عام 1609، في ليلة مليئة بالنجوم في بادوفا، حوّل غاليليو تلسكوبه المُحسن ناحية السماء، رأى مجرة درب التبانة، ومجموعة كبيرة من النجوم، أكثر مما يمكن ليده المتعبة أنّ ترسمه. رأى سطح القمر، كان بعيدًا عن كونه كرويًا تمامًا، كان مملوءًا بالتجاويف والبروز؛ جبال وحُفر وميزات أخرى، تمامًا مثل الأرض.

عندما وجّه غاليليو تلسكوبه إلى المشتري، أكبر كوكب في نظامنا الشمسي، قام باكتشاف مذهل. كان الكوكب يُحيط به أربعة «نجوم». في غضون أيام، اكتشف غاليليو أن هذه «النجوم» كانت في الواقع أقمارًا في مدار المشتري. تحدى اكتشافه المعتقدات الشائعة لوقته حول أجسام نظامنا الشمسي.

قام غاليليو بتحويل عدسات تلسكوبه نحو كوكب الزهرة، وهو أكثر الأجسام السماوية سطوعًا في السماء، بخلاف الشمس والقمر. من خلال ملاحظاته لمراحل كوكب الزهرة، تمكّن غاليليو من معرفة أن الكوكب يدور حول الشمس، وليس الأرض كما كان الاعتقاد الشائع في عصره.

دعمت اكتشافات غاليليو حول القمر، وأقمار المشتري، والزهرة، والبقع الشمسية فكرة أن الشمس -وليس الأرض- مركز الكون ، كما كان يُعتقد في ذلك الوقت.

في عام 1610، نشر غاليلو كتابه «الرسول النجمي» The Starry Messenger، شرح فيه تفاصيل نتائجه التلسكوبية. بيع أول 500 نسخة في غضون أشهر. كان هناك طلب كبير على تلسكوب غاليليو، وتم تعيينه رئيسًا للرياضيات في جامعة بيزا.

رفض بعض معاصري غاليليو النظر حتى من خلال التلسكوب، كانوا متأكدين من حكمة أرسطو. أعلن أحد النبلاء؛ «فرانشيسكو سيزي»:

هذه الأقمار الصناعية لكوكب المشتري غير مرئية للعين المجردة، وبالتالي لا يمكن أن تمارس أي تأثير على الأرض، وبالتالي لن تكون مجدية، وبالتالي لا وجود لها.

وقال أيضًا:

ظهور الكواكب الجديدة مستحيلاً، هناك سبع نوافذ تعطى للحيوانات في الرأس: خياشيم، عينان، أذنان، وفم. هناك العديد من أوجه التشابه الأخرى في الطبيعة، نُجمِع أن عدد الكواكب يجب أن يكون بالضرورة سبعة كواكب.

كما أزعجت نتائج غاليلو الكنيسة الكاثوليكية. وكان قد تم دمج النظرة الأرسطية للعالم مع التعاليم الكاثوليكية.

في أواخر عام 1615، سافر غاليليو إلى روما للاجتماع شخصيًا بقادة الكنيسة. تم تحذيره من الدفاع عن نظريته، لكنه قدم اكتشافاته ودافع عن مركزية الشمس. ولكن كان هناك الكاردينال «بارونيوس»، والذي سار عكس التيار، ورأى أن «الكتاب المقدس يُعلّمنا كيف نذهب إلى السماء، وليس كيف تسير السماء».

بعد ثماني سنوات، صعد البابا الجديد؛ أوربان الثامن، طلب غاليلو مرةً أخرى الإذن بالنشر. منحه البابا الإذن -مع التحذير بأن غاليليو يُقدم فرضية فقط. لكن غاليليو نشر في عام 1632 كتابه: «حوار بشأن النظامين العالميين الرئيسيين»، وتحيّز بوضوح لصالح نظرية مركزية الشمس، مما أثار حفيظة البابا.

على الرغم من الطلبات المتكررة بالعفو، قضى غاليلو سنواته الثمانية الأخيرة محبوسًا في منزله، ممنوعًا من التحدث أو الكتابة عن النجوم والسّماء. وفي النهاية تمكّن العمى من عينيه.

واليوم

هل تظن أن رحلة البحث عن مركز الكون بالأمر السهل؟

ما يُمكننا ملاحظته من الكون نحو 46 مليار سنة ضوئية في جميع الاتجاهات. ويوجد حاليًا حوالي 2 تريليون مجرة. وفي مكان ما هناك 400 مليار نجم، وتمتد مجرتنا درب التبانة لأكثر من 100 ألف سنة ضوئية. المسافات بين النجوم هائلة، وأقرب نجم إلى شمسنا (Proxima Centauri) على بعد 4.24 سنة ضوئية، أيّ أكثر من 40 تريليون كيلومتر.

بعد 13.8 مليار سنة من الانفجار الكبير والتوسع والتبريد والجاذبية، نصل إلى الكون الشاسع الذي نحتل منه ركنًا صغيرًا اليوم.

ورغم أن رؤيتنا للكون محدودة بسرعة الضوء والوقت المحدود منذ الانفجار الكبير. الجزء الذي يمكن ملاحظته كبير جدًا، ولكن ربما يكون صغيرًا جدًا مقارنة بالكون بأكمله، والذي قد يكون غير محدود.

عودة إلى الانفجار الكبير

تعد نظرية الانفجار الكبير حاليًا أفضل تفسير لكيفية ظهور كوننا؛ انفجار خَلَق كل شيء، بما في ذلك الوقت والمادة والفضاء نفسه. تسبب هذا الانفجار في توسع الكون.

قبل الانفجار الكبير، كانت كل المادة التي تُكوّن الكون الفسيح الذي ننظر إليه اليوم باندهاش، يمكن أن تتناسب مع مساحة أصغر من ممحاة القلم الرصاص. لكن هذا لا يعني أننا نتخيله بشكل صحيح. يعتقد معظمنا أنه انفجار؛ حيث بدأ كل شيء ساخنًا وكثيفًا في وقت واحد، ثم توسع وبَرِد مع انحراف الأجزاء المختلفة عن بعضها البعض. ولكن على الرغم من أن هذه الصورة مغرية، إلا أنها ليست صحيحة على الإطلاق.

في انفجار تقليدي، تتوسع المادة من نقطة مركزية. بعد لحظة قصيرة من بدء الانفجار، سيكون المركز أكثر النقاط حرارة. في وقت لاحق، سيكون هناك غلاف كروي من المواد يمتد بعيدًا عن المركز حتى تعيده الجاذبية. لم يكن الانفجار الكبير -بقدر ما نفهمه- انفجارًا مثل ذلك. كان انفجار الفضاء، وليس انفجارًا في الفضاء. لم يكن هناك مكان وزمان قبل الانفجار الكبير. لم يكن هناك «قبل» من الأساس. لذا، كان الانفجار الكبير مختلفًا تمامًا عن أي انفجار اعتدنا عليه ولا يحتاج إلى نقطة مركزية.

الماضي والحاضر والمستقبل طبقاً لنظرية الانفجار الكبير.

ما تتوقعه النسبية العامة ليس انفجارًا، بل توسعًا. الكون الذي يبدأ من حالة ساخنة وكثيفة يتوسع نسيجه. هناك اعتقاد خاطئ بأن هذا قد بدأ من نقطة واحدة؛ ولكن كان هناك منطقة تحتوي على هذه الخصائص -مليئة بالمادة والطاقة وما إلى ذلك- ثم تطور الكون طبقًا لقوانين الجاذبية.

تفجير البالون

وفقًا لعلم الكونيات؛ بدأ الكون بـ «الانفجار الكبير»، وتوسع منذ ذلك الحين. ولا يوجد مركز للتوسع.

اُستخدم تشبيه البالون في شرح توسع الكون من قِبل آرثر إدينجتون في وقت مبكر من عام 1933 في كتابه «الكون المتمدد». وكذلك اُستخدم من قِبل فريد هويل في طبعة عام 1960 من كتابه الشهير «طبيعة الكون».

تخيل أنك ترسم الكثير من النقاط على بالون مُفرَّغ من الهواء، تمثل النقاط المجرات. وسطح البالون يمثل الفضاء أو نسيج الزمكان. بمجرد تفجير البالون، تبدأ النقاط بالتحرك أكثر فأكثر بعيدًا عن بعضها البعض.

لاحظ أنه أثناء تفجير البالون، تبدو جميع النقاط وكأنها تتحرك بعيدًا عن بعضها البعض، ولكن النقاط نفسها لا تتحرك. بدلاً من ذلك، فإن سطح البالون يجعلهم يتحركون. من الخطأ التفكير في أن المجرات تتحرك بعيدًا عن بعضها البعض عبر الفضاء، إنها المساحة نفسها التي تتوسع وتحمل المجرات معها. كلما زادت المسافة بين المجرات، زادت سرعتها في الابتعاد. أو بعبارة أخرى؛ كلما زادت المساحة بين مجرتين، كلما كانت حركتهم أسرع.

إن توسع المجرات ليس مثل الانفجار، حيث يمكنك إيعاز مصدر الانفجار إلى جسم أو سبب في المركز. بدلًا من ذلك، يتوسع الكون في كل مكان، مما يعني أن كل كائن يعتقد أن الأجسام الأخرى تتحرك بعيدًا عنه أثناء التمدد.

الآن؛ إذا سألت نقطة واحدة إذا كانت مركز الكون، فستقول نعم. ومع ذلك، إذا سألت نقطة أخرى، فستقول أيضًا إنها مركز الكون. ومع ذلك، نعلم أن النقاط ليست سوى نقاط صغيرة على البالون الكبير، وليست المركز. في الختام -من خلال فهمنا الحالي؛ من المنطقي القول إنه لا يوجد مركز للكون. ومع ذلك، من المثير للاهتمام ملاحظة أن «الفقاعة» التي نسميها الكون المرئي تستمر في التوسع في كل اتجاه، مما يعطي الانطباع بأننا المركز.

مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير.