الدولة الوحيدة التي لم تقع فريسةً لأي احتلال أجنبي، صاحبة أكبر تجمع عرقي وديني، مالكة الإمكانات الزراعية والثروات الطبيعية الضخمة، هذه هي إثيوبيا. الدولة التي فتكت نزاعاتها الداخلية والعرقية بأكثر من مليون مواطن، كما عصفت بها مجاعات قتلت أكثر من نصف مليون مواطن، تلك هي إثيوبيا أيضًا.

لا تبدو الدولة متخبطةً أو فوضويةً بقدر ما تبدو متعثرة، تحاول الفرار من قدرها كدولة حبيسة في قارة فقيرة إلى دولة مؤثرة إقليميًا ومتواجدة دوليًا.

بدأت محاولات الفرار عام 1974 إذ قام انقلاب عسكري على الحكم الإمبراطوري، هدف الانقلاب كان تأسيس دولة شيوعية. نجح الانقلاب في تأميم الأراضي وتوزيعها على الفلاحين، كذلك اتُخذت إجراءات صارمة للحد من الفساد ولإعطاء الشعب حقوقه. إلا أن صراعاتٍ داخلية بين إخوة الانقلاب أدت إلى انقلاب آخر عام 1977 بقيادة منجستو هايلا ميريام. قام ميريام بإعدام رفاق الأمس؛ ليؤكد أنه سيحكم بالحديد والنار. ثم دخل ميريام في حرب مع الصومال، ثم عصفت بإثيوبيا مجاعة قتلت نصف مليون مواطن ولم يحرك الرجل ساكنًا!

فاض الكيل بـميلس زيناوي فاستخدم قوات الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية والجبهة الشعبية لتحرير التجراي للسيطرة على العاصمة أديس أبابا وإسقاط حكم ميريام الذي فر إلى زيمبابوي عام 1991. بدأ زيناوي نظام الحكم الفيدرالي للأقاليم الإثيوبية التسعة.

رافق صعود زيناوي سيطرة جبهة تحرير إريتريا على العاصمة أسمرا وإعلانها استقلال إريتريا عن إثيوبيا. تدخلت الأمم المتحدة، لا لتمنع الانفصال بل لترعى الاستفتاء الرسمي عليه. لذا في عام 1993 انفصلت إريتريا رسميًا، وبعد ذلك بخمس سنوات قامت نزاعات حدودية بين البلدين راح ضحيتها مئات الآلاف، انتهت الحرب وبقيت العداوة بين الجارتين.


زيناوي: رجل النهضة والقمع

زيناوي, إثيوبيا, مؤتمرات, المؤتمر الاقتصادي
رئيس الوزراء الإثيوبي الأسبق «مليس زيناوي» يسار متحدثًا في المؤتمر الاقتصادي عام 2012

تولى زيناوي الرئاسة من عام 1991 حتى 1995، ثم بعد اعتماد النظام البرلماني تولى رئاسة الوزراء 20 عامًا من 1995 حتى 2012. لسياسته جانبان، الأول أنه قاد بلاده إلى نهضة اقتصادية واستقرار سياسي جعل لها دورًا إقليميًا مميزًا. كان هذا الدور برعاية أمريكية ويخدم المصالح الأمريكية، كاستضافة مفاوضات جنوب السودان وحرب داعش والتنظيمات الإسلامية.

الجانب الآخر هو أن تلك النهضة تمت بسيطرة أبناء قبيلة التجراي على السياسة والاقتصاد والجيش والاستخبارات. 57 عضوًا من أصل 61 عضوًا من قيادات الجيش ينتمون للتجراي، هذا السيطرة الواسعة لا تتناسب مع حقيقة أن التجراي يمثلون 6% فقط من سكان إثيوبيا. أدى ذلك إلى ثورات قبائل الأورمو والأوجادين المسلمة، أظهر تعامل زيناوي مع تلك الثورات جانب سياسته الآخر، إذ استطاع أن يقمع تلك الثورات أو محاولات التمرد دائمًا.

اقرأ أيضًا: احتجاجات «الأورومو»: اضطهاد الأغلبية في إثيوبيا

لم يسمح زيناوي للمعارضة بالمشاركة في وضع الدستور، لذا امتنعت عن المشاركة في انتخابات عام 1995. وحين شاركت في انتخابات 2000 حصلت على 12 مقعدًا من أصل 547 مقعدًا. أما في 2005 فتولى الاتحاد الأوروبي ومعهد كارتر مراقبة الانتخابات، فحصلت المعارضة على 172 مقعدًا في سابقة تاريخية. لم يدم فرح المعارضة طويلًا إذ اعترضت بأن هناك عمليات تزوير حدثت في بعض اللجان وقادت احتجاجات مات فيها 200 معارض، وتلقفتها السلطة لاعتقال المعارضين والسياسين.

عمليات القمع استمرت حتى حقق زيناوي مبتغاه، حكمٌ بلا معارضة. في 2010 حصلت المعارضة على مقعد وحيد في الانتخابات البرلمانية، وأتت إثيوبيا في المرتبة 118 من أصل 167 على مؤشر الديموقراطية، لتصفها الـ «إيكونمست»بأكثر الدول سلطوية.


ديسالين: رجل بلا كاريزما

دائمًا ما يكون الموت هو عامل الخطر الوحيد الذي لا يقدر الحكام على صده. في 2015 حين مات زيناوي خلفه هايلي ماريام ديسالين بانتخابات فازت فيها المعارضة بمقعدها الوحيد مرةً أخرى، وفازت الجبهة الشعبية بكل المقاعد الأخرى. لكن تظاهرات الأورمو لم تدع وقتًا لديسالين الذي يُنظر إليه باعتباره شخصية توافقية تختلف عن سلفه.

أعلنت حكومته الطواريء لمدة 10 أشهر في أكتوبر/تشرين الأول 2016، لكن الجبهة الديمقراطية الإثيوبية التي جاء منها ديسالين شهدت انقسامًا داخليًا إذ شارك في التظاهرات الأحزاب التي تمثل المناطق العرقية وأبرزهم أورموا وأمهارا. حاول ديسالين معالجة الوضع بتسمية نائبين من أورموا وأمهارا كنائبين للرئيس. لكن ما عادت القبائل المعارضة ترضى بأقل من أن يُسمى من بينها رئيس الوزراء، أو أن تُفعل الحق الدستوري القائل بأن للجماعات حق تقرير مصيرها.

لذا لم تهدأ المظاهرات بحجة بطء وتيرة الإفراج عن المعتلقين السياسين كما وعدهم ديسالين في يناير/كانون الثاني 2018. هذه الاضطرابات وما رافقها من خسائر في الأرواح دفعت ديسالين إلى الاستقالة في فبراير/شباط 2018 ليكون أول رئيس وزراء إثيوبي يُقدم استقالته بنفسه بلا انقلاب أو وفاة.


ابن الأقليات، ربيب الأغلبية

آبي أحمد رئيس وزراء أثيوبيا
رئيس الوزراء الإثيوبي الحالي «آبي أحمد» يسار.

اختارت الجبهة الحاكمة آبي أحمد لرئاسة الوزراء لمحاولة احتواء الأورموا الغاضبين، فالرجل أول رئيس وزراء من أصول مسلمة وانتماء عرقي للأورموا من جهة الأب، وانتماء للأمهارا المسيحيين من جهة الأم. لكن قبائل الأورموا قابلت اختياره بريبة أكثر من الفرح إذ إنه تيجراني الهوى، التحق بالجيش وأجهزة الاستخبارات منذ كان ابن الرابعة عشرة وترقى فيها عبر التقرب من التيجران وإتقان لغتهم وأصبح متحدثًا بها دون غيرها.

لكن الأداة الإعلامية الإثيوبية تناولت الخبر على أنه نصر جديد لجماعة الأورموا دون غيرها فهدأت حدة مخاوفهم. لم تدم التكهنات الدولية حول موقفه من السياسة الخارجية هل سيكون مغايرًا لسابقيه أم لا؟ إذ اختار موقفًا أكثر تشددًا من السابقين فيما يتعلق بأول جولة يحضرها لمفاوضات سد النهضة.

بجانب المتوقع من آبي أحمد في محاربة الخواء السياسي يبقى عليه أن يحقق معادلة مهمة، أن يحافظ على النمو الاقتصادي الإثيوبي بينما يقوم بمحاربة الفساد الذي يبتلع هذا النمو. تمتاز إثيوبيا بأنها صاحبة أعلى نمو اقتصادي في افريقيا ففي فترة 2005 -2016 كان متوسط نموها 10.5% بينما متوسط النمو في باقي أفريقيا 5.4%. لكنها تحتل المرتبة 107 من أصل 180 دولة في الفساد.

اقرأ أيضًا: إثيوبيا: هنا أرض المجاعات وأحد أسرع اقتصادات العالم!


إثيوبيا: إسرائيل أفريقيا

الأوضاع السابقة توحي بدولة متناحرة مشغولة بصراعاتها الداخلية عن موقعها الدولي. لكن ليست تلك هي كل الحقيقة، لم يكن زيناوي راغبًا في أن يهرب من الفقر والمرض فحسب، بل سعى إلى خلق تحالفات دولية وإلى التواجد في قمة العشرين ومؤتمرات تغيير المناخ وغيرهما.

لذا يمكن القول إن إثيوبيا جعلت نموها الدولي قطارًا منفصلًا عن قطار أوضاعها الداخلية، ومهما يكن بطء أو تعثر قطار أوضاعها الداخلية، يظل قطار التحالفات الدولية والتواجد في المحافل العالمية سائرًا بأقصى سرعته. أولى المحطات التي انطلق منها هذا القطار هي إسرائيل.

علاقة إسرائيل بإثيوبيا قوية وقديمة، كلمة السر فيها يهود «الفلاشا». يتواجدون داخل إثيوبيا وتحتاجهم إسرائيل كطبقة عاملة تعمل في العديد من المهن التي يتطلبها الداخل الإسرائيلي. لذا قدمت إسرائيل لإثيوبيا خبراء في الاقتصاد والزراعة والأمن، كما افتحت فيها سفارةً تُعد الأضخم بعد سفارة إسرائيل في الولايات المتحدة.

كانت زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق «سيلفان شالوم» في 2004 من أبرز محطات الود بين البلدين. وقتها أعلن شالوم أن إسرائيل ستتكفل بتطوير الصناعة والزراعة في إثيوبيا بتسخير كل ما تملك بلاده من تكنولوجيا لهذه المهمة. كذلك تتولى شركة الكهرباء الإسرائيلية إدارة قطاع الكهرباء في إثيوبيا.

حاجة إسرائيل لإثيوبيا تبدو شديدة إلى الحد الذي يدفع إسرائيل للحفاظ عليها حتى في الآونة التي تختار فيها إثيوبيا الانضمام للمعسكر المعادي لإسرائيل كما حدث في حقبة ميريام الاشتراكية. وربما كان الملف المائي هو إحدى تلك الرغبات الإسرائيلية من إثيوبيا. من جهة تضمن إسرائيل وفرةً مائية تردها من إثيوبيا، ومن جهة أخرى تضغط على القرار السيادي المصري عبر تحكمها في كيفية سير مفاوضات سد النهضة وفي الحكومة الإثيوبية عامةً.

الولايات المتحدة هي الأخرى دائمًا ما دعمت إثيوبيا عبر تاريخها. يأتي الدعم في صورة معونات للمزارعين ومراكز لعلاج الأمراض المنتشرة في المناطق الفقيرة. كما يأتي الدعم في صورة أخرى تتمثل في مراكز تجسس عديدة زاد عددها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001.

إن الحكومة الإثيوبية تستخدم المراقبة ليس فقط لمكافحة الإرهاب والجريمة، وإنما كتكتيك أساسي في جهودها التعسفية لإسكات الأصوات المعارضة في البلاد. إن أي شخص يعارض أو يعرب عن معارضته للحكومة يعتبر أساسًا عنصرًا مناهضًا للسلام أو إرهابيًا
تقرير هيومن رايتس ووتش

كشفت وثائق ويكيليكس أنه في فبراير/شباط 2002 أنشأت وكالة الأمن القومي الأمريكية مركزًا لعمليات التنصت تحت اسم «فخر الأسد»، بدأ المركز نشاطه بوجود 12 إثيوبيًا فقط ثم في 2005 بلغ عددهم 103 إثيوبيين بجانب 8 عسكريين أمريكيين موزعين على 46 محطة عمل للتنصت على السودان والصومال واليمن. دور الإثيوبيين في تلك المراكز هو توفير المكان واللغويين، ودور الولايات المتحدة توفير المعدات والتكنولوجيا.


طموح لا ينتهي

إثيوبيا تقتدي بالصين، هكذا يمكن تلخيص طموح إثيوبيا واستراتيجية عملها كذلك. يزداد عدد سكانها بنسبة 5% سنويًا مما يعني أنها بحاجة إلى توفير مليون وظيفة كل عام، لكنها لا ترى في ذلك عقبةً بل فرصةً عليها أن تستغلها عبر تحقيق نمو اقتصادي سريع. كذلك تعمل إثيوبيا على توفير بنية تحتية قوية تستعد بها لمواجهة المستقبل. كذلك فإن قوة الحكومة الإثيوبية تعد عامل جذب للاستثمارات الأجنبية، مثل شركة الملابس الشهيرة «كالفن كلاين» التي رأت في إثيوبيا المزيج المثالي من العمالة الرخيصة والسوق الطموحة والثبات السياسي.

لكن الطموح الإثيوبي يصل في نهايته إلى رغبةٍ في أن تكون هي قلب أفريقيا خاصةً مع غياب الدور المصري بصورة شبه تامة. في مايو/آيار الجاري حصل آبي أحمد من الرئيس السوداني عمر البشير على أكبر حصة من ميناء بورتسودان لتتغلب بذلك إثيوبيا على كونها دولة حبيسة بلا منافذ بحرية. الصفقة لا تمنح إثيوبيا حق الاستفادة فحسب بل تمنحها حق إدارة الميناء وتحديد أسعار الخدمات فيه.

اقرأ أيضًا: الشيخ تميم في إثيوبيا: هل تواصل قطر حصار القاهرة؟

قبل اتفاقها مع السودان بأيام كانت إثيوبيا قد حصلت على امتياز إدارة موانئ جيبوتي بعد أن فسخت الأخيرة عقدها مع شركة موانئ دبي. كما حصلت إثيوبيا على 19% من ميناء بربرة في صومال لاند لتنافس بذلك الإمارات التي تستحوز على 51% من الميناء. هذه الانتصارات الإثيوبية تأتي في وقت يتنازع فيه الجميع على القرن الأفريقي مثل تركيا والصين والولايات المتحدة واليابان.

وبحصول إثيوبيا على تلك الامتيازات تصبح هي بوابة أفريقيا وحارسها، وعلى من يرغب بالدخول إلى القارة أن يمر بأديس أبابا أولًا، لا بالقاهرة كما جرت العادة.