الجزء الأول


(4) زواج المسلمة من الكتابي

يقول الدكتور الترابي رحمه الله في حوار مع الـ BBC:

كنت قد سُئلت منذ عشرات السنين حول نساء قادمات إلى الإسلام أزواجهن من النصارى، فقلت: لا بأس وألا داعي للتشديد عليهن بضرورة تطليق الزوج وتشتيت الأسرة على اعتبار أنه لا يوجد في القرآن ما ينهى عن زواج المسلمة بكتابي

وأقول ما أدين الله به أن الرجل لا يرى زواج المسلمة من النصراني ابتداءً، هذا عكس ما يروجه الناس، ولكنه يقول من كانت كتابية ودخلت الإسلام أو من كانت مسلمة وكان زوجها مرتدا فالشيخ لا يرى الطلاق وتقسيم الأسرة مهما حدث مستعينا بالقصة المذكورة في السيرة النبوية عن أم المؤمنين أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان، والتي كان زوجها قد ارتدّ في الحبشة إلى النصرانية ولكن ظلت على عصمته حتى مات، ثم بعد ذلك عندما ذهبت إلى المدينة تزوجها الرسول عليه الصلاة والسلام. وأما الآيات في سورة الممتحنة والتي تخاطب المؤمنات ألا يتمسكن بعصم الكوافر، فيُفهَم من سياق الآيات التي قبل والتي بعد أنها تتحدث عن المسلمات اللواتي تحت عصم المشركين في مكة ويرغبن في الهجرة إلى المدينة بعد صلح الحديبية، ولا تتحدث عن المسلمات اللواتي في عصمة الكتابيين من اليهود والنصارى.

يروي الأستاذ المحبوب عبد السلام في مقاله الأشهر «اجتهادات الترابي: عود على بدء»:

ما يعرف بموضوع (زواج المسلمة من الكتابي) جاء في سياق رد على سؤال لمسلمة أميركية حديثة عهد بالإسلام، أسلمت دون زوجها وهي تطمح في إسلامه، وبينهما الأولاد والأموال والبيوت والشركات، وكان ذلك في محاضرة في مؤتمر حول الأسرة بمدينة «لارسنغ» بولاية «ميتشيغن» العام 1980، ولم يقطع الشيخ فيها برأي ولكنه قلـَّب لها وجوه فقه المسألة كما يعرفها جيدا ودعاها للتفكير المستقل في قضايا مجتمع جديد يشبه مجتمع الإسلام الأول الذي كان ينتقل نحو الإسلام وليس مثل حاضر مجتمعات المسلمين المستقرة في الإسلام أبًا عن جد.

فالترابي لا يحيط رأيه بأية قداسة ولا يسميه فتوى، بل هو يعتبر كل فتوى اجتهادًا أو وجهة نظر، ورأيه للمسلمة الأميركية هو نفس الاجتهاد الذي أقره المجلس الإسلامي الأوروبي في العام 2003م، وطلب الشيخ يوسف القرضاوي أن تذيل الفتوى بتقديره الشخصي وشكره للدكتور حسن الترابي الذي سمع منه هذا الرأي قبل عقدين، وأنه عثر عليه بعد ذلك في كتاب «إعلام الموقعين» لابن القيم


(5) كيف يفهم دكتور الترابي القرآن الكريم؟

وفهم الآيات القرآنية في إطار سياقها القرآني من الأمور المهمة لفهم فكر حسن الترابي. فحسب النظرية التوحيدية في التفسير، والتي دونها الشيخ في تفسيره التوحيدي، أن كلمة سورة في تصوره لا تعني العلو والارتفاع كما فهمها المفسرون الأوائل اعتمادًا على قول النابغة الذبياني:

ألمْ ترَ أنّ اللهَ أعطاكَ سورة .. ترى كلّ مَلْكٍ، دونَها،يتذَبذَبُ

بل إن الشيخ رحمه الله يعتقد أن سورة بمعنى سور يحيط بالآيات ولا يمكن أن تفهم أي آية في كتاب الله إلا إذا قرأت كل السورة التي وردت فيها الآية، وموضع الآية من السياق، لأن النص القرآني هو نص موحد. وكذلك فإنك لا تستطيع أن تفهم سورة من القرآن الكريم إلا إذا قرأت السورة التي تسبقها؛ فلن تفهم سورة الناس ما لم تقرأ الفلق، ولن تفهم سورة البقرة ما لم تقرأ سورة الفاتحة، وهو بهذا يمنع كل فلاسفة اللغة من الحداثيين وما بعد الحداثيين ممن يحاولون استخدم مناهج التفكيك والهيرمنيوطيقا من أن يقتربوا من كتاب الله، محصنا النص الخالد من أي تشويه لمعانيه أو أي تفسير سيء لمقاصده، كالتفسير القبيح الذي انتهى إليه صاحب كتاب «الكتاب والقرآن»، أو التفسير القبيح الذي كتبه صاحب «دوائر الخوف»ـ، والذي قال فيه أن الحجاب ما هو في الحقيقة إلا تغطية الجيوب في جسد المرأة والجيوب هو مكان التقاء العضوين، وهذا يعني أنه مباح للمرأة المسلمة حسب ما زعم نصر حامد أبو زيد أن تكشف على ما فوق ثدييها وما تحت فخذيها وأن تكشف ظهرها ولا تغطي شعرها، وبهذا تكون المرأة محجبة حسب ما توصل إليه ذهنه مستخدما في ذلك المناهج الحداثية وتاريخية النص ومفهوم القطيعة الإبستيمولوجية. ولذلك أمثال نصر حامد أبو زيد ومن تبعه من السوفساطئيين فلن يهدمهم إلا تصور التفسير التوحيدي لحسن الترابي، والذي يمنعهم تماما من التلاعب بالنص القرآني وتفسيره على مقاسهم العلماني.


(6) قضايا هامشية في فكر الترابي، ولماذا يكرهونه؟

ما أقصده بالقضايا الهامشية هي الأمور التفصيلية التي تنسب للشيخ رحمه الله:

أ. يُروى عنه أنه قال: لا يوجد ما يسمى بحجاب وأن الحجاب هو لزوجات النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا من الكذب على الرجل، فهو صاحب قانون النظام العام في السودان، والذي يحمي الحجاب والحشمة، إنما المقصود بقوله ذاك الساتر الذي كان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي هو خاص بنساء النبي بحسب سياق الآيات في سورة الأحزاب. وأما الشيخ فيتحدث عن ما يسميه بالخمار، وهو غطاء يغطي جميع البدن ما عدا الوجه والكفين كما هو مفهوم جمهور العلماء، ولكن الصحفيين للإثارة والبلبلة كذبوا عليه وزعموا أنه ينكر الحجاب الذي يسميه خمارا، وهذا غير صحيح.

ب. إنكار نزول سيدنا عيسى بن مريم، وكما تقدم وقلت، الشيخ يعتقد أن أحاديث الآحاد لا يثبت بها في العقائد عنده لأن العقائد لا تثبت لديه إلا باليقين الناتج من القرآن والأحاديث المتواترة، والسبب الإضافي لإنكاره نزول عيسى بن مريم هو الرد على الشيعة الروافض الذين يستدلون على إمكانية بقاء إمامهم المزعوم ألف سنة في سرداب سامراء ببقاء عيسى بن مريم ألفي سنة في السماء، ويستدل الشيخ بقوله تعالى على لسان عيسى: «وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم». فمسألة نزول عيسى عند الترابي من أخبار الآحاد التي لا يثبت بها اعتقاد.

ج. كلام الترابي عن الرقص والغناء: فهذه مسألة خلافية بين العلماء، ومن قرأ كتاب «نيل الأوطار» للشوكاني سيجد أنه جاء بعدد كبير من العلماء أجازوا الغناء والموسيقى كابن حزم والإمام أبي حامد الغزالي وبعض علماء المذهب المالكي وبعض التابعين، وهناك عدد كبير أيضا حرم الغناء والموسيقى، وكل هذه المسألة من الفروع التي يجوز فيها الاختلاف والاجتهاد، والتي لا إجماع عليها كما يزعم السلفيون الوهابيون ومن مال إلى مذهبهم. وللإمام الشوكاني رسالة رائعة في هذا الموضوع بعنوان «إبطال دعوى الإجماع على تحريم مطلق السماع».

وأما الرقص فحكمه حكم الموسيقى والغناء، فهو من الأمور المختلف عليها. وقد ثبت أن النبي (صلى الله عليه وسلم) سمح للأحباش أن يرقصوا في المسجد بالسيف، والسيدة عائشة تشاهد متكئة عليه حتى أشبعت وملّت من المشاهدة، وسيدنا الفاروق أراد زجرهم فقال النبي: «دعهم، أمّنا بني أرفدة»، ودعاه لتركهم. والمفهوم أن الرقص إن كان بهدف الترويح عن النفس كرقص السيف فلا بأس به، ولو كان في المسجد النبوي، أما الرقص المعاصر الغربي والذي يغوص فيه الرجال في أحضان النساء الأجنبيات فهو محرم بلا شك دون النظر لاختلاف الآراء في حرمة الرقص.

د. وأما كلام الترابي عن تولي المرأة جميع المناصب بما فيها منصب الولاية العظمى، فأرى فيه تجاوزا من الشيخ، وإن كان هو يرى أن السنة لا تستقل بالتشريع مطلقا، ولذلك فإن حديث «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» لا يُلزِمه، فمنصب الإمامة العظمى في الإسلام يترتب عليه مسائل كثيرة من إعلان الجهاد، وقيادة الجيوش وإمامة الناس في الجمع والعيدين، والبعد عن الأهل والأقارب والأولاد، والسفر لدول أجنبية، وهذا كله لا تقدر عليه النساء لطبيعتهن؛ وإن كانت مسألة طبيعة المرأة هي محل خلاف حتى في الفكر الأوروبي. فمثلا جان جاك روسو المفكر الكبير يرى في كتاب إميل أن المرأة طبيعتها تخالف طبيعة الرجل، وأن المرأة تميل للشعر والأدب والخيال، وأنها عاطفية، وتحب العمل اليدوي في البيت، والرجال بطبيعتهم يميلون للرياضيات والعلوم والفلسفة، ورد عليه الفيلسوف النفعي الإنجليزي العظيم جون ستيوارت ميل في كتاب «استعباد النساء»، وقال مهاجما كلام جان جاك روسو بقوة:

طبيعة المرأة، إنها أسوأ دليل لتبرير إخضاع المرأة. عليك يا من تدعي الطبيعة المختلفة للمرأة أن تكون قادرا على أن تثبت أن النساء لم يكنّ قادرات على شغل المناصب السياسية، وإذا قامت بعض النساء بذلك حينها، فلا يكون غير ذلك من طبيعتهن

وفي العموم، فإن الغربيين بدأوا في إعطاء النساء فرصة تشكيل الحكومات بعد الحرب العالمية الثانية، وذلك بهدف ألا تشن الحروب من جديد، لأن النساء في رأيهم هن ضمانة ألا تشن الحروب، هذا بالرغم من أن في تاريخ أوروبا ملكات قويات حكمن بالحديد والنار وقمعن معارضيهن بكل قسوة، فحتى من ينتظر الحكم الديمقراطي الرقيق من النساء ربما لا يحصل عليه، بل ربما تحل ديكاتورية أنثوية محل الديكتاتورية الذكورية.

وما أميل إليه وأدين الله به أن الرئاسة والإمامة العظمى يجب أن تكون احتكارا رجاليا احتراما لحديث: «لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»، وأما مناصب القضاء فالأمر خلافي بين العلماء فمنهم من أجاز توليهم القضاء بإطلاق كابن حزم، ومنهم من أجاز توليهن أمور الشؤون المالية كالطبري، وأكثرهم قالوا لا حاجة بالقضاء للنساء.

ولتغير ظروف الزمان والمكان فلا بأس بتولي النساء جميع المناصب القضائية، وليكن عمر بن الخطاب قدوة لنا عندما عيّن الشفاء أم عبدالرحمن العدوية على الحسبة في السوق .

هنالك من المواضيع الهامشية والتي تثار عن الشيخ الترابي ما لم أكن لأذكره، لولا أنني استمعت لفيديو مؤسف للداعية الإسلامي وجدي غنيم فيه كثير من الظلم والتعسف بحق الترابي، وفيه نقل عن مصادر كاذبة وانتقائية للسلفية الجامية والتي تتحرك بمخابرات بعض الدول العربية التي ساءها من الترابي أن استضاف أسامة بن لادن، ولذلك فهي تسيء إليه عبر أذرعها الدينية والتي رأيها في الشيخ وجدي غنيم نفسه أنه إرهابي وخارجي وقاتل و… ومن هذا الفيديو تبين لي أن الشيخ وجدي لم يكلف نفسه أن يقرأ كتابا لحسن الترابي أو يسمع له محاضرة أو حتى يتحرى دقة وصحة الكلام الذي ينقله، وهل الأشخاص الذين يستدل بهم لهم عداوة مع الترابي أم لا؟ وهل دوافعهم لتكفير الترابي هي دينية بحتة أم فيها من حظ النفس الكثير؟ فالشيخ جعفر شيخ إدريس حفظه الله له عداوة مع الترابي عمرها 50 عاما، وينسب للترابي أقوالا شنيعة، غير أنه لا شاهد معه عليها، كزعمه أن الترابي قال له: «أنا أعلم من النبي، فأنا أتحدث الفرنسية والنبي لم يعرف الفرنسية»، وهذا القول شنيع جدا ولا يشهد به على الترابي إلا جعفر منفردا.

وقديما كتب الإمام ابن عبدالبر النمري في كتاب «جامع بيان العلم وفضله»، وعقد في ذلك الكتاب بابا بعنوان: حكم قول العلماء بعضهم في بعض، وملأ هذا الباب بالأخبار العجيبة والتي تحكي عن الغيرة التي كانت بين العلماء الكبار كالغيرة بين عامر الشعبي وإبراهيم النخعي رحمهما الله، والغيرة بين الإمام مالك بن أنس والإمام محمد بن إسحاق رحمهما الله، والغيرة بين الإمام أبي حنيفة والإمام الأعمش رحمهما الله.