زلزالٌ جديد يتعرض له الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب». هذه المرة لم يكن سببه قيام ترامب بأي شيء. لم يُصدر تصريحًا، أو يرتكب فعلًا عدوانيًا، كما اعتاد الرأي العام العالمي. جاءت ضربة «نار وغضب: داخل بيت ترامب الأبيض» لترامب من العدم. فلم يكد الرجل يُنهي سجاله مع زعيم كوريا الشمالية حول من يمتلك «الزر النووي الأكبر»، حتى فاجأه «مايكل وولف» بالكتاب الذي تصدر قائمة الأعلى مبيعًا بالحجز المُسبق قبل صدوره.

مؤلف الكتاب «مايكل وولف» يبلغ من العمر 64 عامًا. عمل كفني طباعة في مجلة «نيويورك تايمز» أثناء دراسته في جامعة كولومبيا. ثم في عام 1974 نشر أول مقالة له في نفس المجلة. ثم بعد 5 سنوات، أصدر كتابه الأول «الأطفال البيض»، كان عبارة عن مجموع ما كتبه من مقالات. انتقل بعدها لكتابة رواية بدأها في أوائل الثمانينيات، ولم يُنهها حتى الآن.

قاطع كتابةَ الرواية دعوةُ أحد أصدقائه المستثمرين في «وول ستريت» له ليساعده في الاستثمار في مجال الإعلام. أنشأ شركته الخاصة لتعبئة وتغليف الكتب، لكن بعد عدة سنوات انهارت الشركة وطُرد منها «وولف». بعد عام عينّته مجلة «نيويورك» ليكتب فيها عمودًا أسبوعيًا. كتب فيها ما يُقارب الـ300 مقال. بنى أسلوبه فيهم على نقد الأثرياء والمشهورين. مثل «روبرت مردوخ» إمبراطور الإعلام العالمي. و«الخيال» في كتاباته يطغى على الحقائق.


مشهد البداية: لا أحد يهتم

اختار «وولف» أن يبدأ كتابه قبل أيام قلائل من إعلان نتائج الانتخابات.كانت البداية من مكانٍ في برج «ترامب». فقط بعض الملصقات هى ما يميز المقر الانتخابيّ للمترشح لرئاسة أكبر دولة في العالم عن باقي مكاتب البرج. في هذا المقر المتواضع نسبيًا تجلس مديرة الحملة «كيليان كونواي» مشغولة البال.

لم تكن مشغولةً بالرهان على فوز أو خسارة الشخص الذي تدير حملته . بل ما يشغلها هو على من يقع اللوم في خسارة «دونالد ترامب» المُؤكدة. كانت تتمنى أن تأتي الخسارة بفارق 6 نقاط لا أكثر. وأن يقع اللوم على «رينيس بريبوس»، رئيس اللجنة الوطنية للجمهوريين. لذا، تواصلت مع عدد من وسائل الإعلام لتخبرهم أن الهزيمة، التي لما تقع بعد، مسئولية «بريبوس» وليست مسئوليتها.

والشاغل الحقيقي لها كان أن تضمن لنفسها وظيفةً بعد انتهاء الانتخابات. وبالفعل بدأت في إجراء مقابلات عمل مع عدد من المنتجين والشركات الإعلامية التي تواصلت معها أثناء الحملة الانتخابية. استخدم «وولف» هذه المقدمة ليؤكد استهتار مديرة الحملة بعِظم المهمة التي تضطلع بها. ثم انطلق منها إلى استهتار «ترامب» نفسه بفكرة أن يصير رئيسًا للولايات المُتحدة.

قال «وولف» إن ترامب لم يكن يتوقع أن يصير الرئيس، بل لم يكن يريد ذلك. كان أقصى ما يتمناه «ترامب» أن يصير أكثر الرجال شهرة في العالم. مقتديًا بذلك بنصحية رفيق العمر، ومدير «فوكس نيوز» السابق، «روجر آيلز». لكي تستطيع العمل في مجال الإعلام، عليك الترشح للرئاسة أولًا. لهذا كانت الرئاسة هى آخر أحلام ترامب، والهدف الأساسي كان إنشاء «شبكة ترامب الإعلامية»، صاحبة أقوى علامة تجارية. ومن هذا المنطلق، فمهما كانت نتيجة الانتخابات فقد فاز ترامب بالتسويق لنفسه، ولاستثماره الجديد المنتظر.

لم يكن ترامب مهتمًا بحملته إلى حد الاستغراب من قيام «روبرت ميرسر»، ملياردير يميني، بدعم حملة ترامب بـ 5 ملايين دولار. كان شرط «ميرسر» تثبيت وجود «بانون» و«كونواي» في الحملة. لم يُقاوم ترامب، بل استغرب من ذلك الخاسر الذي يدفع 5 ملايين دولار في أمرٍ كهذا. ولأن ترامب رجل أعمال ناجح، رفض استثمار أمواله الشخصية في حملته. حتى صهره «جاريد كوشنر» طلب تخفيض النفقات إلى 25 مليونًا فقط حين أخبره «ستيف بانون» بأن الحملة بحاجة إلى 50 مليون لتغطية نفقاتها. وانتهى الأمر بدفع ترامب 10 ملايين إلى حملته على سبيل القرض، تردها الحملة في أقرب وقت ممكن.

حتى «مايكل فلين» المتهم في قضية التدخل الروسي، لم يرَ حرجًا في تقاضي 45 ألف دولار من مسئولين روس. وأخبر أصدقاءه الذين نصحوه بعدم فعل ذلك بأنّ الأمر سيصبح مشكلة فقط إذا فاز ترامب، وهو ما يبدو أن «فلين» كان يستبعده بشدة هو الآخر. لكن كل هذه الثقة في خسارة ترامب تبددت حين ظهرت النتيجة بفوزه. يقول «وولف» إن «ميلانا ترامب» بكت كثيرًا، ليس فرحًا، بل رعبًا من أن اللعبة صارت جدية. وأن ترامب تحول مع عدّ الأصوات من المرتبك إلى غير المصدق إلى الخائف.


«أحمق» محاطٌ بثعالب

كان من الضروري أن نسرد هذا الجزء من الكتاب بهذا التفصيل، إذ إن تلك المقدمة التي ساقها «وولف» ستجعل القارئ لا يُنكر أي شيء يُورده لاحقًا في كتابه. فمهما أورد حول التخبط في الإدارة فلن يكون هذا بمُستغرب على رئيسٍ وصل إلى الرئاسة «صدفة». ولن يتعجب القارئ من قبول ترامب أن يصفه «مردوخ» بالأحمق في مكالمة هاتفية معه. «مرودخ» الذي انتظر ترامب لساعات لأجل لقائه، واصفًا إياه بالعظيم، وأعظم الأشخاص على الإطلاق.

كذلك لن يتساءل القارئ حول صدق «وولف» في قوله إن صراعًا كان يدور بين «جاريد كوشنر» و«ستيف بانون» و«بريبوس» لتحصيل أعلى استفادة من وراء عرش ترامب. هذا الصراع الذي حدا بامرأة مثل «كايتي ولاش» التي وصفها الكاتب بالنظيفة المتمسكة بالمبادئ إلى أن تستقيل.

نقل «وولف» عن «ولاش» وصفها لترامب بمن لا يفهم السياسات. وغير المهتم بقراءة ما يُطلب منه. ووصفت أن محاولة التعامل مع ترامب شبيهة بالتعامل مع الأطفال. ثم انتقلت من ترامب إلى كوشنر، واصفةً إياه بالمتردد. وأعلنت استياءها من الصراع الدائر بين الثلاثة، معلقةً أنّه عندما أتلقى أمرًا من أحدهم، فإني أعلم أنّ نقيضه سيأتي من الاثنين الآخرين.


«ترامب» يحب الوحدة، ويخشى الاغتيال

انتقل الحديث في الكتاب إلى أشد أمور ترامب خصوصية، كنومه في عرفة منفصلة عن زوجته. وطلبه لشاشتي تلفاز في غرفته، بالإضافة إلى واحدة موجودة بالفعل داخل الغرفة. كما حرص على إغلاق باب غرفته من الداخل دائمًا، ما أدى إلى مشاكل عدة مع طاقم الحراسة الخاصة به. وعنّف أحد الخدم في البيت الأبيض لتحريكه ملابسه المُلقاة على الأرض، قائلًا إنّه طالما كانت الملابس على الأرض، فهذا لأنّه يرغب في ذلك، ولأنّ هذا مكانها الصحيح.

كما كان يقضي معظم أوقاته في التحدث بهاتفه مع أشخاص عاديين من معارفه السابقين. وعادةً ما اشتمل حديثه على أسرار خاصة بالولايات المتحدة، وسياساتها الخارجية، وأحاديثه مع الرؤساء الآخرين. وذكر «وولف» أن أحاديث جرت بين ترامب وبين أحد المُقربين منه يتباهى فيها بعلاقاته المُتعددة بزوجات أصدقائه. وأنّه كان يُوقع بينهن وبين أزواجهنّ بجر أزواجهنّ لأحاديث يوافقون فيها على عروضٍ يقدمها لهم بمرافقة فتياتٍ يُحضرهن ترامب إلى غرف برجه الفخم.

ويقول «وولف» إن لدى ترامب هاجسًا من أن يتم تسميمه، لهذا يحرص دائمًا على الأكل من المطاعم، إذ يقول إنّه لا أحد يتوقع أن الطعام من أجل الرئيس، لهذا فالطعام الخارجي أكثر أمانًا. ثم انتقل إلى معلومات -لم يُسمِّ مصدرها- عن علاقة إيفانكا بأبيها. قائلًا إنّها ساعدته في أعماله التجارية، وفي حملته الانتخابية، لكنّها أيضًا لا تكن له احترامًا كثيرًا أمام أصدقائها. وكثيرًا ما سخرت من شَعره أمامهم. لكن ينتقل إلى أمر أكثر جدية بزعمه أن إيفانكا وزوجها كوشنر يخططان لأن تصير هي أول رئيسة أمريكية في حال توافر فرصة الانتخابات مرةً أخرى.

كما جاء «وولف» على ذكر «مُحمد بن سلمان» قائلًا إنّه بعد تنصيبه وليًا للعهد كان ترامب يجول البيت الأبيض مُتباهيًا بأنّه وضع رجله على القمة. و يُعرب عن سعادته بنجاح «الانقلاب» الذي هندسه هو وصهره «كوشنر». وذكر أيضًا أن العائلة المالكة أنفقت 75 مليون دولار على الحفلة التي أقيمت لترامب وعائلته،التي رقصوا فيها العرضة السعودية. كما ذكر عن ترامب قوله إنّه لديه من المفاجآت ما سيغير مسألة القضية الفلسطينية بالكامل. ومما صرّح به «بانون» أن السعودية ومصر على شفا الهاوية، وأنّهما يرتعدان من إيران.

اقرأ أيضًا:ترامب يرقص العرضة السعودية، والبيت الأبيض يبحث إجراءات عزله


كل هذه المعلومات: من أين؟

يقول «وولف» إنّه كان يمتلك دخولًا مفتوحًا إلى الجناح الغربي في البيت الأبيض. وإنّه على مدى 18 شهرًا أجرى محادثات مع الرئيس وكبار موظفيه، ومع الموظفين العاديين في البيت الأبيض. وأضحى تعامل موظفي البيت الأبيض مع «وولف» كشخص مألوف، يقيم على أريكة خاصة في الجناح الغربي. ولم يُعلق أحد على وجوده وتفاعله الدائم مع العديدين. كما لم يطلب منه «ترامب» أي ضماناتٍ حول الطريقة التي سيحكي بها ما شاهده.

واستغلالًا لهذه الصلاحيات الواسعة، أجرى «وولف» أكثر من 200 مقابلة مع شخصيات مهمة. استطاع في تلك المقابلات أن يحصل على معلومات كثيرة متعلقة بالشأن الداخلي للإدارة عامةً، ولترامب خاصة. إذ إن الأمور كانت تُدار بفوضى جعلت لا فرق بين العام والخاص. ولا اختلاف بين ما يجب إعلانه، وما يجدر إخفاؤه. حتى الآن، لم يصدر تصريح من أي من المذكورين في الكتاب يُؤكد أو ينفي ما ذكره «وولف» على لسانهم.

المصدر الأكثر أهمية كان «ستيف بانون»، العضو المهم في الحملة الانتخابية، وكبير استراتيجيي البيت الأبيض قبل إقالته في أغسطس/آب 2017، على ضوء خلاف مع صهر ترامب «جاريد كوشنر». وردت في الكتاب تصريحاتٌ كثيرة نُقلت عن «بانون»، أخطرها وصفه لاجتماع «كوشنر» و«ترامب الأصغر» مع مسئولين روس بالخيانة، والعمل غير الوطنيّ.

الأمر الذي استدعى ردة فعلٍ خاصة تجاه «بانون»، بجانب ردة الفعل العامة تجاه الكتاب. هاجمه ترامب في تغريدة شديدة اللهجة قال فيها إن «بانون» فقد عقله. ثم أتبعها تصريح «تشارلز هاردر»، المحامي الشخصي لترامب، بأنّ هناك إجراءات وشيكة لمقاضاته. يقودنا هذا إلى ضرورة رصد ردود الفعل حول الكتاب، و المقتطفات التي سُربت منه قبل أيام.


الدستور الأمريكي لا يمنع النشر

جاءت ردة الفعل الأولى من ترامب عبر تغريدة جاء فيها أن الكتاب مبنيّ على الأكاذيب، وأن الذين تعاملوا مع الروس هم منافسته «هيلاري كلينتون»، ومكتب التحقيقات الفيدرالي. ردة الفعل هذه، ارتدت سلبًا. فبعد أن كان من المُقرر طرح الكتاب الثلاثاء القادم، أعلن مُؤلفه «مايكل وولف» أن الكتاب مُتاح يوم الجمعة. وختم إعلانه بالشكر لترامب، إذ إن تصريحاته هى التي دفعت دار النشر للإسراع من طباعته وعرضه للرأي العام.

بينما يتولى ترامب الدفاع عبر «تويتر»، يقوم محاميه «هاردر» باتخاذ كل الإجراءات القانونية تجاه دار النشر «هنري هولت آند كو» لمحاولة منع صدور الكتاب في البداية. ومع صدوره أمس الجمعة، سيحاول «هاردر» وقف طباعة المزيد من النسخ. إلا أنّ منع النشر ليس من المحتمل حدوثه، نظرًا لمخالفته للدستور الأمريكي. حتى إن حدث، فقد عُرف مضمون الكتاب، ويبقى الحل الوحيد أمام ترامب هو مواجهة الكتاب، وتفنيد ادعاءاته.

كما قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض «سارة ساندرز»، إنّ الكتاب مليء بالمعلومات الكاذبة والمضللة من أشخاص ليس لديهم صلات بالبيت الأبيض أو تأثير فيه. ما يناقض قول «هاردر» بأن بانون ينتظره عقوبات نتيجة لإفشاء معلومات سرية، ولانتهاكه اتفاق عدم إفشاء المعلومات.

وأكدّت تقارير متخصصة خطأ بعض ما ذكره «وولف» في كتابه، ويظل التدقيق جاريًا في الأجزاء الباقية. لكن الطعنة الحقيقية التي تلقاها ترامب جاءت من «بانون»، لذا فإن البراءة الحقيقية لا بد أن تأتي منه أيضًا. فإما أن يُنكر أنّه صرح لـ«وولف» بشيء، أو يتراجع عن أقواله، لكن حتى تلك اللحظة يبقى ما ذُكر في «نار وغضب» حقيقيًا حتى إشعار آخر.


شبح العزل يلوح من جديد

من السطور الصغيرة التي ذكرها «وولف» أن ترامب كان يُعيد كلامه مرارًا وتكرارًا دون أن يدري بذلك. فربما تجلس أمامه 30 دقيقة، يطلب منك ما يريده في 5 دقائق، ثم يحكي لك في الـ 25 دقيقة الأخرى نفس القصة 3 مرات. من المُتوقع أن يتلقف ناقدو ترامب هذه النقطة ليضعوها تحت بند «الاختلال العقلي» الذي تنص عليه المادة 25 من الدستور الأمريكي؛ ومن ثم يُضاف سبب جديد إلى أسباب عزل ترامب.

هذا السبب قد يلجأ إليه أشد أعدائه موضوعيةً، أما الآخرون فليسوا بحاجة إلى ذلك. فالكتاب بأكمله يُهاجم أهم شيء يملكه ترامب، ويتطلبه منصب رئيس الدولة، الصورة الشخصية. فالكتاب وإن كان ينقل لنا ما نعرفه بالفعل عن ترامب، إلا أنّ انتشاره الواسع، ومصادره القريبة من البيت الأبيض، تنقل الانتقادات والسخرية إلى مستوى جديد يمكن للديمقراطيين استخدامه بأريحية شديدة.

وبإضافة الكتاب الأخير، وما فيه من معلومات صحيحة ومُتخيّلة، يكون قد اجتمع لترامب من أسباب العزل، وضياع الهيبة، وقلة التأثير داخليًا وخارجيًا، ما لم يجتمع لأحد الرؤساء من قبله. وتُلقي الأسباب بثقلٍ إضافي على عاتق أنصاره، وأعضاء حزبه في الكونجرس، وهم حائط الصد الوحيد والأخير أمام قرار عزله من الرئاسة.