في شهر مارس/آذار من هذا العام، تحل الذكرى الـ56 لعيد النصر بالجزائر حيث وُقعت اتفاقية إيفيان في الـ18 من مارس/ آذار 1962. تتغير الأحوال وتتبدل لتتربع الجزائر بجيشها النظامي على قمة الجيوش العربية والأفريقية. ففي أبرز تقارير معهد ستوكهولم احتلت الجزائر المركز الأول أفريقيًا من حيث استيرادها للسلاح بنسبة بلغت 52% من قيمة واردات القارة السمراء، بينما حلت في المركز السابع عالميًا من حيث الاستيراد.

الجزائر بالرغم من التحديات الإقليمية التي تحدق بجيرانها إلا أنها تتبنى عقيدة عسكرية تقوم على عدم الانخراط عسكريًا في صراعات خارج حدودها، فهي لم تشارك في مجموعة «5 ساحل» المدعومة من فرنسا، كما أنها لم تشارك في «عاصفة الحزم» باليمن. ترفض المشاركة بأي عمل عسكري في جوارها الليبي، كما أنها تحفظت على المشاركة في «القوة العربية المشتركة» في 2015.

إذن وفي ظل عقيدتها العسكرية هذه، لماذا تسعى الجزائر إلى شراء نصف واردات السلاح في أفريقيا على الرغم من أزماتها الاقتصادية؟


سباق التسلح: البندقية ليست دائمًا للحرب

شيفي خير الدين – الأستاذ المحاضر في جامعة لندن

كانت «إيفيان» تتويجًا للرصاصة الأولى التي انطلقت من الأسلحة القديمة وبنادق الصيد وبعض الألغام في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 1954، لتتحول إلى ثورة شعبية مسلحة راح ضحيتها أكثر من مليون ونصف شهيد بعد سبع سنوات من المقاومة. لعبت مصر الناصرية وليبيا بقيادة محمد إدريس السنوسي الدور الأكبر في دعم الثورة الجزائرية ما مثل الأساس الذي انطلقت منه الجزائر في تحديث ترسانتها العسكرية.

في أعقاب الاستقلال وبالقرب من ضواحي تندوف وحاسي بيضة الحدودية مع المغرب عام 1963، شهدت الجزائر والمغرب مواجهة عسكرية مفتوحة سُميت بـ «حرب الرمال» في إطار النزاع على الصحراء الغربية. بالرغم من أن المواجهة لم تستمر سوى أيامٍ قليلة إلا أن النزاع ما زال يرسم يومًا بعد يوم تجاذبات لا تنتهي، من إغلاق للحدود إلى سباقات للتسلح ومرواغات دبلوماسية.

تعمل الجزائر على إدارة نزاعها مع المغرب بشكل غير مباشر عبر «البوليساريو» وتسعى للنأي بنفسها عن قضية الصحراء الغربية المتداولة دوليًا، وهو ما تحاول المغرب الالتفاف حوله بدعوة الأمم المتحدة لاعتبار الجزائر طرفًا في النزاع. على الطرف الآخر تعمل على تدعيم قدراتها العسكرية لتحقيق التوازن بينها وبين المغرب في ظل تطوير وتحديث القدرات الهجومية والدفاعية للقوات الملكية المغربية.

تتقاسم الجزائر والمغرب سوق السلاح في أفريقيا، ففي حين تعمل الجزائر على تحديث ترسانتها من روسيا فقط في الفترة (2007 -2015) بمخصصات بلغت 11 مليار دولار ، تتنوع وارداتها أيضًا من ألمانيا والصين. أما القوات الملكية المغربية فاستوردت من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في نفس الفترة ما يقدر بـ 6 مليارات دولار لتتربع خلال السنوات الماضية في المركز الثاني أفريقيًا بعد الجزائر والتاسع عشر عالميًا من حيث استيراد السلاح. فهل تنجح صواريخ إسكندر إم « SS-26» الروسية و سكودا وصواريخ S-400 بالإضافة إلى طائرات السوخوي الروسية في تحقيق هذا التوازن مع المغرب؟

اقرأ أيضًا:ربيع الجزائر الموءود قبل ربيع العرب

أكثر من 10 مليارات دولار تحتل بها الجزائر المركز ال 21 عالميا من حيث الإنفاق العسكري، في مقابل ما يقارب من 4 مليار دولار إنفاق مغربي على صفقات السلاح. محاولات التركيز على سباق التسلح بين البلدين ليست وحدها كفيلة لتفسير وتبرير الشراء الجنوني للسلاح من قبل الجيش الجزائري. فمنذ عام 1992 يحارب الجيش الجزائري جماعات مسلحة، ويواجه حدودًا برية ملتبهة بطول 7 آلاف كلم تقريبًا.


السوخوي والإرهاب: زاوية أخرى

كرد فعل على تدخل فرنسا في مالي، مجموعة تتبع القاعدة نفذت أكبر عملية اختطاف رهائن في الجزائر بمنشأة عين إميناس في 16 يناير/ كانون الثاني 2013. وقوع ضحايا من بين الرهائن بالإضافة إلى عدد من منفذي الهجوم، أثار الجدل حول عقيدة وإستراتجية القوات الخاصة للجيش في حربها على الإرهاب.

المصالحة التي مضت الجزائر في تطبيقها مع إسلاميي الجزائر الغاضبين بعد العشرية السوداء 1992، لم تعد كافية لكبح جماح تمدد الجماعات المتطرفة كالقاعدة وداعش خاصة بعد ثورات الربيع العربي وتنامي الإرهاب المنبثق من دول الأزمة أمثال ليبيا ومالي. لذا عملت الجزائر مؤخرًا على توسيع تحالفاتها وصفقاتها العسكرية لمواجهة الإرهاب العابر للحدود من تونس وليبيا ومالي خاصة مع ألمانيا وفرنسا.

لم تعد الحرب البرية أكثر نجاحًا في تحقيق نصر يُذكر في حروب العصابات التي تقودها تلك الجماعات لامتلاكها عناصر التفوق النوعي؛ من المفاجأة والمباغتة في صحراء لا يدرك شعابها إلا عناصرها. كان لابد من غطاء جوي وأحيانًا بحري لتلك العمليات البرية، لذا تغيرت إستراتيجيات حروب وتسليح الجيوش بتطوير أسلحتها الجوية والبحرية.

سعت الجزائر إلى تطوير سلاحها الجوي مع نهاية التسعينيات حيث تحولت مبيعاتها إلى شراء مقاتلات جوية من روسيا تحديدًا، حتى بلغت ترسانتها نحو 502 مقاتلة، لتحتل بذلك الترتيب التاسع عشر عالميًا والثاني أفريقيًا من حيث قدرات سلاح الجو. فهل تنجح طائرات «سوخوي» و «MIG-29» الروسية في تحقيق نصر يُذكر على القاعدة ببلاد المغرب؟ وهل تحقق تفوقًا نسبيًا على المغرب؟

تعمل الجزائر على تطوير ترسانتها البحرية أيضًا لتعدد مهامها في مواجهة الإرهاب ومكافحة الهجرة غير الشرعية ومراقبة السواحل ومحاربة التهريب وتجارة المخدرات جنبًا إلى جنب مع طائرات القوات الجوية. فإلى جانب حاملة طائرة الهليكوبتر «قلعة بني عباس» متعدد المهام، تسلمت البحرية الجزائرية من ألمانيا في عام 2012 اثنين من الفرقاطة (meko a200) لتصل فرقاطات البحرية إلى ثمانية، بينما تمتلك ستًا من الغواصات و ثلاث عشر ة من الطرادات.


مخافة الربيع الجزائري!

لا يمكن ربط ارتفاع كلفة صفقات السلاح الجزائرية بما يسمى سباق تسلح بين الجزائر والمغرب، لأن للجزائر متطلبات أمنية تفوق بكثير المتطلبات الأمنية للمملكة المغربية، وهي المبرر الحقيقي لارتفاع الكُلفة.

في الأحياء الشعبية المعروفة بالجزائر، ظهرت الاضطرابات في الرابع من أكتوبر/تشرين الأول عام 1988، وفي اليوم التالي خرج الشباب الغاضب مستهدفًا مؤسسات الدولة. الأيام التالية لم تكن بأفضل حال حيث توقفت مختلف مناحي الحياة العامة وتعطلت كافة المصالح والمؤسسات، تحركات شعبية ومظاهرات حاشدة تحاصرها قوات الجيش ودباباته، ضحايا كثيرون رسموا مستقبلًا مغايرًا لجموع الجزائريين.

على غرار بعض الدول العربية، ثمة مخاوف من توجيه السلاح الجزائري إلى صدور شعب الجزائر.

بعد أن توجت الثورة الجزائرية بالعديد من الإصلاحات السياسية والدستورية قادت إلى وصول جبهة الإنقاذ الإسلامية إلى منافسة الحزب الحاكم في 1989، تراجعت الحكومة عن تلك الإصلاحات وأجرت تعديلات على قانون الانتخابات، دفعت الإسلاميين إلى الدعوة لإضراب عام، أعقبه إعلان «الشاذلي بن جديد» للأحكام العرفية في يونيو/حزيران 1991، لتعايش الجزائر فيما بعد العشرية السوداء.

اقرأ أيضًا:الجزائر: غلاء المعيشة يصاعد من الاحتجاجات الشعبية

بعد أكثر من 30 عامًا حلت الجزائر بالمركز الأول على قائمة الدول المستوردة من ألمانيا بقيمة بلغت 1.3 مليار يورو، كما ذكرت صحيفة دير شبيغل أن ألمانيا تعاقدت على تسليم الجزائر 1200 دبابة خلال السنوات العشرة المقبلة، بدعوى مواجهة الإرهاب تقدم ألمانيا للجزائر أجهزة الاتصالات والمراقبة التي تستخدم في تطوير القدرات الاستخباراتية للجيش الجزائري. ذاكرة تاريخية ممتدة من القمع، انتهاكات حقوق الإنسان في تندوف ما زالت مستمرة حسب اتهامات مغربية، كبت للحريات لاسيما حقوق المرأة، أزمات اقتصادية طاحنة، تفريغ الحياة السياسية ورغبة في دورة خامسة للرئيس بوتفليقة، أجواءٌ دفعت إلى التخوف من توجيه السلاح الجزائري إلى صدور المدنيين، وتعقب المعارضين والتنكيل بهم على غرار ما يحدث في بقية دول المنطقة.