اختلفت المسميات والنتيجة واحدة، عنفٌ كان أو إرهابا، أحداث عنف وشغب يثيران الذعر في نفوس الناخبين وتؤثر على خياراتهم وإقبالهم على صناديق الاقتراع.

فالعنف المقترن بالانتخابات وإن اختلف فاعلوه وأسبابه، يقوّض أبسط معايير الانتخابات الديمقراطية ويعرقل سيرها على النحو المطلوب، فكثيرًا ما شهدت القارة السمراء، ذات التجربة الديمقراطية حديثة العهد، قلاقل وأحداث عنف وشغب قبل أو أثناء أو بعد إعلان نتائج الانتخابات، حتى أصبح العنف الانتخابي السمة السائدة المرتبطة بالانتخابات في عدة دولٍ أفريقية، ولهذا السبب يعمد المراقبون الدوليون إلى مراقبة الانتخابات محاولين بذلك ضبط الأمن والاستقرار أثناء العملية الانتخابية.

اقرأ أيضًا:في كينيا: صراع الورثة يرهب الشعوب

غير أن العنف المرتبط بالانتخابات ليس حكرًا على الدول الأفريقية، بل تعاني منه دول أوروبية كذلك، إذ أصبح «الإهاربيون» يترصدون موعد الانتخابات تحديدًا، حتى يشنوا هجمات إرهابية، ولهم في ذلك أسباب وغايات نتناولها في المقال.


بين العنف والإرهاب

كثيرًا ما يحدث نوع من اللبس في تحديد المصطلح الأنسب، فهل نسمي أعمال العنف التي تقترن بالانتخابات عنفًا انتخابيًا أم إرهابًا؟ لذا وجب الإشارة هنا إلى أن العنف عنصر أساسي للعمل الإرهابي، ولكن ليس كل سلوك عنيف يُعد عملاً إرهابيًا.

فالعنف الانتخابي يُعرف بأنه استخدام للقوة، أو التهديد باستخدام القوة، بأي شكل من الأشكال، للإساءة إلى أشخاص أو ممتلكات ضمن إطار العملية الانتخابية، وقد تقع أعمال العنف تلك قبل أو خلال اليوم الانتخابي، أو حتى بعد إعلان النتائج، وهذا هو غالبًا ما يحدث في الدول الأفريقية.

بينما الإرهاب السياسي عرّفه «توماس ثوزتون» على أنه فعل رمزي يتم لإحداث تأثير سياسي بوسائل غير معتادة مستلزمًا استعمال العنف والتهديد به، فالإرهاب يعد الصورة الوحيدة من صور العنف السياسي التي يحرص الفاعلون من خلال قيامهم بالعمل العنيف على تجاوز نطاق وحدود الهدف المباشر للعمل العنيف ليصل تأثيره إلى أفراد أو طوائف أخرى مستهدفة بالعمل الإرهاب، وذلك عبر رسالة أو إيحاء ما ينطوي عليه الفعل الإرهابي، وهو بالفعل ما يحدث في الدول الأوروبية.


العنف الانتخابي في القارة السمراء

للعنف الانتخابي في الدول الأفريقية أسباب كامنة تقف وراءه، وتتمثل تلك الأسباب في أوجه القصور الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تعاني منها الدولة، والانقسامات الناشئة عن أسباب ثقافية وإثنية وقبلية ودينية، وندرة الموارد والخلافات الدائمة حولها، واختفاء المساواة على نطاق واسع، فضلًا عن ضعف المؤسسات الأمنية وحكم القانون.

وعلى الرغم من تراجع نسبة الصراعات المسلحة الواسعة النطاق على مدى الخمسين سنة الماضية إلا أن الدراسات بينت أن حدة العنف السياسي قد ارتفعت نتيجة تفاقم النزاعات طويلة الأمد واشتداد المنافسة سواء على الموارد أو الحكم.

ولعل كينيا مثالًا على الدولة الأفريقية التي عانت من العنف الانتخابي، فقد شهدت كينيا خلال فتراتها الانتخابية منذ عام 1991 وحتى 2013، مقتل نحو 4.433 شخصًا على الأقل، ونزوح نحو 1.8 مليون عن مناطقهم. وهذا العنف كان نتاجًا لعوامل متداخلة من فساد وعدم خضوع لحكم القانون وصراعات إثنية ومركزية الحكم، فالانتخابات في كينيا قائمة على مبدأ «المنتصر هو من يسيطر على كل شيء»، فبمجرد انتصاره تعود المنافع عليه وعلى قبيلته العرقية دون الباقي .

فقد تمكنت الانتخابات الرئاسية في عام 2007 تحديدًا من تهديد مسار الديموقراطية في كينيا، إذ كانت الأجواء مشحونة بالعداء والصراع القبلي، ومع انتصار «كيابي» المرشح عن الحزب الرئاسي «حزب الوحدة الوطني» على «أودينغا» المرشح عن المعارضة «الحركة الديموقراطية البرتقالية»، والذي كان من المتوقع فوزه بجدارة، وفقًا لاستطلاعات الرأي التي تمت قبيل الانتخابات، اندلعت أعمال الشغب والعنف، وكانت قوات الأمن شريكة هي الأخرى في أحداث القمع والقتل، حتى بلغ عدد الضحايا لأكثر من 1200 قتيل ونزح أكثر من 300 ألف شخص من مناطقهم من بينهم 80 ألف طفل.

وظلت أعمال العنف مستمرة وامتدت الخسائر من ديسمبر/كانون الأول 2007 إلى فبراير/شباط 2008، وكان الخلاف والصراع عرقيا وإثنيا أكثر منه سياسيا بين جماعة «الكيكويو» الحاكمة والمعارضة التي تنتمي إلى عرق جماعة «اللوو».


العمليات الإرهابية في الدول الأوروبية

إن كان ما يحدث من أعمال شغب وعنف في الدول الأفريقية مرتبط بالأساس بأسباب داخلية متعلقة بالإثنية والتنافس على الموارد والفساد، إلا أن الأمر مختلفٌ تمامًا في الدول الأوروبية، إذ إن العمليات الإرهابية هي أحداث دخيلة على المجتمع الأوروبي.

هناك ثمة اتجاه عالمي يؤكد أن هناك علاقة بين توقيت شن الهجمات الإرهابية وقرب موعد الانتخابات، ففي عام 2006، قدم الباحثان «كلود بيريبي» و«استيبان كلور» نموذج نظري لدراسة مدى تأثير الهجمات الإرهابية على السلوك الانتخابي في الدولة المستهدفة، وكيف يؤثر الإرهاب على مخرجات العملية الانتخابية، ووضعا فرضية مؤداها أن الأحزاب اليمينة أقل في عددها من الأحزاب اليسارية في الدولة محل الدراسة، وخرجوا بنتيجة من بحثهما، أن الدعم النسبي للأحزاب اليمينية من المتوقع أن يزداد في الفترات التي تشهد فيها الدولة هجمات إرهابية، وينخفض الدعم في الفترات التي تشهد هدوءا نسبيا. كما توصلا إلى أن احتمالية زيادة الهجمات الإرهابية سيكون أعلى عندما يملك حزب يساري زمام الحكم.

وفي دراسة قدمها «هودلر» و«روهنر» في عام 2010، تناولا فيها العلاقة بين الهجمات الإرهابية والانتخابات، وخرجا بنتيجة مفادها أن خطر الهجمات الإرهابية يكون في أعلى مستواياته في بدايات العملية الانتخابية أكثر من نهايتها، كما أشارا إلى أن «الإرهابيين» غالبًا ما يحاولون الضرب مبكرًا قبل موعد الانتخابات أو في بداياتها كمحاولة لجذب الرأي العام، ولتجنب أي ردود فعل انتقامية من قبل الحكومة، لأنه من المعروف أن الحكومة قبيل الانتخابات تكون منشغلة بحملاتها الانتخابية وبالتالي تركيزها في الرد يكون أقل.

والكثير من الدراسات الأخرى لباحثين سياسيين، أكدت على أن الإرهاب يفيد المرشحين المحافظين أكثر مما يفعله للمرشحين الليبراليين، إذ أشار «روب ويلز»، أستاذ علم الاجتماع في ستانفورد، في صحيفة «ستانفورد نيوز»:


هل يؤثر العنف الانتخابي أو العمليات الإرهابية على نتائج الانتخابات حقًا؟

إن مواقف المحافظين بشأن مجموعة متنوعة من القضايا، بما في ذلك الدفاع الوطني والتمويل العسكري والهجرة، أكثر شعبية خلال فترات التهديد الإرهابي المتزايد. وعلاوة على ذلك، فإن السياسيين المحافظين هم أكثر ميلًا لدعم مواقف سياسية خارجية متشددة من الليبراليين، في حين أن الليبراليين هم الأكثر ميلًا لدعم الحلول الدبلوماسية. لذا تسهم التوجهات السياسية المتشددة نوعًا ما للمحافظين في الحصول على دعم متزايد في أوقات القلق الأمني ​​المتواتر.

ربما تكون الصورة أكثر وضوحًا في الدول الأفريقية، إذ لا خلاف أن أحداث العنف الانتخابي الذي تشهدها الدول الأفريقية قبل أو أثناء أو بعد الانتخابات من شأنه إجهاض التجربة الديموقراطية أو على الأقل تعويق سيرها، كما أنه غالبًا ما تكون نتائج الانتخابات محسومة للحزب القادر على تزوير الانتخابات، أيًا كانت خيارات الناخبين.

إلا ان الأمر في الدول الأوروبية مختلف تمامًا، فإن كنا عرضنا في السابق، الفرضية التي تؤكد أن الهجمات الإرهابية تعزز موقف اليمينين، إلا أن هناك وجهات نظر مختلفة حيال الأمر، ففي دراسة لـ «كريشنادي كالمور» على موقع «ذي أتلنتيك» بعنوان «هل يؤثر الإرهاب على الانتخابات؟»، قدم الكاتب فرضية في بداية حديثه، أن تأثير الإرهاب على الانتخابات غير مباشر وليس بالقوة التي طرحها باحثون آخرون.

واستند في ذلك إلى أن الهجوم الذي وقع في فرنسا قبل الانتخابات الرئاسية بثلاثة أيام في أبريل/نيسان الماضي، جعل الصحف تتكهن بأن هذا الهجوم الإرهابي قد يكون مفيدًا «لمارين لوبان» اليمينية المتطرفة، لأنها الأكثر قدرة على إحكام قبضتها على الوضع الأمني في فرنسا، ولكن ما حدث عكس ذلك تمامًا، إذ فاز «إيمانويل ماكرون» ذو التوجهات الوسطية بالرئاسة الفرنسية بفارق أصوات كبير على منافسته «مارين لوبان».

في عام 2007، قدم الباحث السياسي «بالي» دراسة، قام فيها بتحليل تأثير التفجيرات التي تمت بواسطة «إرهابيين» في محطة قطار مدريد والتي أسفرت عن مقتل 192 شخصًا، قبل موعد الانتخابات بثلاثة أيام، على إقبال الناخبين الأسبان وخياراتهم الانتخابية في الانتخابات التي انعقدت عام 2004، وقد توصل إلى أن الهجمات الإرهابية لم تؤثر في قرارات التصويت لدى الناخبين الإسبان، إذ لم تُنقذ الهجمات الإرهابية «الحزب الشعبي اليميني» الحاكم من الهزيمة، الأمر الذي يدحض الفرضية الأولى. ولكن دعنا نشير إلى أن الفرضية الأولى أثبتت نجاحها في حالات وإخفاقها في حالاتٍ أخرى، لأن الأمر في مجمله أكثر من مجرد حسابات افتراضية يقدمها الباحثون، بل إنه يخضع لنفسية وخيارات الناخبين في أعقاب تلك الهجمات في المقام الأول.