محتوى مترجم
المصدر
Small Wars
التاريخ
2016/03/05
الكاتب
ديفيد رودمان

يؤكد المحللون العسكريون عادة على نوعين أساسين من الحروب، وهما حرب المناورة الهجومية maneuver war والاستنزاف أو الإنهاك attrition، ويُشير النوع الأول إلى الشكل الأفضل للقتال، ولذلك فهو الخيار الطبيعي للجيوش المُتمرسة. ولكن هذا الادعاء يتجاهل نقطة هامة، وهي أن أكثر الجيوش خبرة تختار أحيانًا الاستنزاف كعقيدة قتالية في مقابل خيار المناورة الهجومية لأن البيئات الاستراتيجية لدولهم تبرر مثل هذه القرارات. فقد تحول جيش الدفاع الإسرائيلي بشكل مطرد، وهو أحد الجيوش المتمرسة على حرب المناورة في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، إلى الاستنزاف كعقيدة قتالية على مدار العقود القليلة الماضية نتيجة لتغير البيئة الاستراتيجية الإسرائيلية.*


شكلان للحرب

يُشكل الاستنزاف وحرب المناورة النوعين الأساسيين للحروب. تعتمد حرب المناورة أساسًا على التحركات الميدانية. فالجيوش التي تعتمد هذا النوع هي التي تحاول اختراق الأراضي الداخلية للعدو – سواء كان ذلك من خلال هجمات أمامية مباشرة أو تحركات التفافية – بقصد إحداث انهيار سريع للعدو من خلال إلحاق الدمار بخطوطه الخلفية. وفي المقابل، تعتمد حرب الاستنزاف أساسًا على القدرات والقوة المتاحة. فالجيوش التي تعتمد هذا النوع تحاول شن هجمات تتسم بتحركات بطيئة جدًا أو توجيه ضربات للعدو دون أي تحركات واسعة، وذلك بقصد إنهاكه ودفعه نحو حافة الفناء.

كل الجيوش باختلاف الزمان والمكان تعتمد عقيدة قتالية تجمع بين النوعين، فلم تشهد سجلات التاريخ العسكري حضورًا منفردًا لأحدهما.

وعادة ما يُصوَّر نوعا الاستنزاف والمناورة على أنهما قطبان متقابلان يستبعد كل منهما الآخر، ولكنّ هذا التناقض الصارخ مُضلل إلى حدٍ بعيد. فكل الجيوش باختلاف الزمان والمكان تعتمد عقيدة قتالية تجمع بين النوعين. فلم تشهد سجلات التاريخ العسكري حضورًا منفردًا لأحد النوعين. ورغم ذلك، يُمكن بالتأكيد تصنيف العقائد القتالية تبعًا لنوعي الاستنزاف أو المناورة، ويعتمد ذلك التصنيف على مدى ميل العقائد القتالية لأحد النوعين على حساب الآخر. فالعقائد القتالية التي تؤكد على التحركات الميدانية أكثر من عنصر القدرات والقوة المتاحة تُصنّف ضمن قطب المناورة، والعكس بالعكس.

وتكفي بعض الأمثلة لتوضيح هذا التأكيد. فالجيش القرطاجي الذي غزا ودمر إيطاليا خلال الحرب البونيقية الثانية اعتمد أساسًا على التحركات الميدانية. كما حطم أيضًا عددًا من الجيوش الرومانية في معارك واسعة النطاق، وخطط بإحكام للحملة، ولا ينفي ذلك حقيقة تفضيل جيش قرطاجة حرب المناورة على حرب الاستنزاف.

وبالمثل، فإن هجمات الفيرماخت (جيش ألمانيا النازية) في بولندا والبلدان المنخفضة وفرنسا والنرويج والاتحاد السوفيتي في السنوات الأولى من الحرب العالمية الثانية، شهدت قوات متحركة تخترق بسرعة أو تطوّق دفاعات خصومها وتخترق عمق أراضيهم الداخلية، مما أدى إلى فوضى بخطوطهم الخلفية وهو ما تلاه انهيار حتمي لجيوشهم (وإن كان هذا الانهيار أتى مؤقتًا في حالة الجيش السوفيتي). ولا ينفي خوض قوات الفيرماخت للعديد من المعارك واسعة النطاق تزامنًا مع الاستخدام الضخم لعنصر القدرات والقوة المتاحة مما ألحق ضررًا هائلا بالعدو، حقيقة تفضيلهم لحرب المناورة في مقابل الاستنزاف.

وعلى العكس من ذلك، اعتمد جيش الاتحاد أساسًا على عنصر القدرات والقوة المتاحة لسحق جيش الولايات الكونفدرالية خلال السنوات الأخيرة من الحرب الأهلية الأمريكية. وبالمثل، لا تنفي محاولة جيش الاتحاد بالدفع إلى عمق أراضي خصمه خلال هذه السنوات نفسها، حقيقة أن حملته فضلت حرب الاستنزاف على المناورة. كما أن الجيوش التي قاتلت على الجبهة الغربية خلال الحرب العالمية الأولى (الجبهة بين القوات البريطانية والفرنسية من جهة والقوات الألمانية من جهة أخرى، شمال غرب أوروبا)، اعتمدت بشكل واضح على القدرات المتاحة أكثر من اعتمادها على التحركات الميدانية لتحقيق أهدافها خلال معظم مدة الحرب. ويذكر كذلك أن تغيّر السيادة على الأراضي في بعض الأحيان خلال القتال لا ينفي حقيقة أن قوات التحالف ودول المركز فضلت حرب الاستنزاف على المناورة على مدار الحرب العالمية الأولى.


المناورة عقيدة للجيش الإسرائيلي

يزعم المحللون العسكريون عادة، أن حرب المناورة في مستوى «أعلى» من حرب الاستنزاف ذات المستوى «المتدني». والسبب وراء مثل هذا التفكير هو كما يلي: يُنظر إلى الجيوش المُتمرسة باعتبارها تميل إلى اعتماد حرب المناورة كعقيدة قتالية، وذلك لأن التحركات الميدانية تعتبر بمثابة نوع من «مُضاعفة القوة» ضد الخصوم. ومن ناحية أخرى، تميل الجيوش الأقل مهارة إلى اعتماد حرب الاستنزاف كعقيدة قتالية، وذلك لأنها تفتقر إلى الوسائل اللازمة لتنفيذ تحركات ميدانية، وبالتالي يجب أن تتراجع مرة أخرى لتعتمد على عنصر القدرات والقوة المتاح لديها لمواجهة خصومها.

وباختصار، فإن الجيوش المُتمرسة تعتمد على مهارتها في محاولة التغلب على أعدائها، في حين أن الجيوش الأقل مهارة تعول على قوة غاشمة في محاولة تحقيق نفس الأهداف.

ومهما كان هذا التفكير جذابًا، إلا أنه يفتقد إلى نقطة مهمة: تختار الجيوش المُتمرسة أحيانا التأكيد على حرب الاستنزاف في مقابل المناورة، لأن بعض الظروف تستدعي مثل هذه القرارات. يُمثل جيش الدفاع الإسرائيلي مثالا على ذلك، فهو أحد أكثر الجيوش كفاءة وتمرسًا في حرب المناورة في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. بدأ جيش الدفاع الإسرائيلي تدريجيًا، وربما بفعل الأمر الواقع لا القانون، يتبنى على نحو متزايد أسلوب حرب الاستنزاف على حساب حرب المناورة خلال العقود القليلة الماضية. ويعود التحول في عقيدة جيش الدفاع الإسرائيلي إلى التحول في البيئة الإستراتيجية لإسرائيل خلال هذه العقود نفسها.

إذا وضعنا جانباً تلك الصراعات الثانوية المستمرة التي تورطت بها إسرائيل منذ نشأتها، نجد أنها قد خاضت تسع حروب. يشمل هذا العدد ست حروب ضد دول عربية مجتمعة أو منفردة؛ حرب الاستقلال 1947-1949، حملة سيناء عام 1956، حرب الأيام الستة عام 1967، حرب الاستنزاف 1969-1970، حرب يوم الغفران عام 1973، حرب لبنان عام 1982. ويشمل هذا العدد أيضاً ثلاث حروب غير متماثلة asymmetric war، ضد المنظمات العربية غير الحكومية، حرب لبنان الثانية عام 2006 ضد حزب الله (والميليشيات المتحالفة معه)، حرب غزة 2008-2009 (أو عملية الرصاص المصبوب) ضد حماس (والميليشيات المتحالفة معها)، حرب غزة عام 2014 (أو عملية الجرف الصامد ) ضد حماس (والميليشيات المتحالفة معها).

ثلاثة متغيرات تحدد العقيدة القتالية الإسرائيلية

عند النظر في هذا التاريخ، تبرز على الفور حقيقة واحدة. فخلال العقود الأولى لإسرائيل، شكلت الحرب ضد الدول العربية التحدي الرئيسي للأمن القومي. وفي العقود القليلة الماضية، وعلى العكس مما سبق، شكلت الحرب غير المتماثلة التحدي الرئيسي للأمن القومي الإسرائيلي. وهنا تحديدًا يكمن تفسير تحول الجيش الإسرائيلي على نحو متزايد إلى التمسك بحرب الاستنزاف كعقيدة قتالية على حساب حرب المناورة. ونجد هنا ثلاثة متغيرات ذات أهمية قصوى في هذا الصدد وهي: الجغرافية، والأرقام، والحلفاء.

في العقود القليلة الماضية، شكلت الحرب غير المتماثلة التحدي الرئيسي للأمن القومي الإسرائيلي، وهنا يكمن تفسير التحول إلى التمسك بحرب الاستنزاف.

خرجت إسرائيل منتصرة من حرب الاستقلال، ولكنّ بقاءها ظل بعيد المنال على خلفية الأعمال العدائية اللاحقة، وفي ظل عالم عربي لا يزال ملتزمًا بتدميرها نهائيًا. ورغم أن إسرائيل وسعت أراضيها إلى حدٍ كبير خلال الحرب، إلا أن حدودها في فترة ما بعد الحرب تُعتبر مشكلة من وجهة نظر عسكرية. فأغلب حدودها تمتد طويلاً بشدة بالنظر إلى مجمل أراضيها، كما أنها مسطحة في معظمها وبالتالي لا يوجد أي عوائق طوبوغرافية في وجه غزو من الشمال أو الجنوب أو القلب. وعلاوة على ذلك، فإن جميع المدن الإسرائيلية الرئيسية، والقواعد الصناعية والعسكرية تقع بسهولة في مرمى الجيوش العربية. والواقع أن قلب الدولة – الذي يضم الجزء الأكبر من السكان، ومعظم الصناعات الثقيلة، والعديد من المرافق العسكرية – لا يتجاوز حوالي 14 كيلومترًا في بعض الأماكن. ولا تملك إسرائيل حدودًا لا يمكن الدفاع عنها بعد حرب الاستقلال فحسب، بل تفتقر أيضًا إلى العمق الإستراتيجي.

ثانيًا، تُضيف الأرقام بعدًا آخر من الغموض حول الأمن القومي الإسرائيلي. تُدرك إسرائيل بسبب محدودية القوى العاملة – إذ تراوح عدد السكان عند نشأة إسرائيل ما بين 600 ألف إلى 650 ألف نسمة – وبالتالي ضآلة القاعدة الاقتصادية، أن جيشها لن يستطيع في المستقبل القريب منافسة خصومه العرب فيما يتعلق بأعداد المواطنين والعتاد. وعلاوة على ذلك، فإن أغلب القوى العاملة التي يُمكن تكريسها للجيش الإسرائيلي ستستخدم بالضرورة قوات الاحتياط لبعض الوقت، حتى لا يقوَّض التقدم الاقتصادي. ونتيجة لذلك، قرر جيش الدفاع الإسرائيلي التأكيد على عنصر الكفاءة في مقابل العدد، بمنطق يرى ضرورة تنظيم وتدريب «القلة» الإسرائيلية حتى تتغلب على «الكثرة» العربية.

ثالثًا، ساهم غياب التحالفات مع إسرائيل في زيادة معضلة أمنها القومي. فقد سعت دول الكتلة الغربية والشرقية إلى تعزيز صداقتها مع الدول العربية التي تسيطر على جزء كبير من إمدادات النفط العالمية، بسبب اشتداد الحرب الباردة آنذاك. وكجزء من جهودها الرامية إلى إقامة علاقات صداقة مع الدول العربية، سعت دول الكتلة الغربية والشرقية على حد سواءٍ إلى النأي بنفسها عن إسرائيل. وهذا الواقع الاستراتيجي منع إسرائيل من الانضمام إلى أي اتفاق دفاع ثنائي أو متعدد الأطراف، وبالتالي لا يمكنها الاعتماد على المساعدة الأجنبية في أي مواجهة عربية إسرائيلية. صحيح أن فرنسا وبريطانيا العظمى انضما إلى إسرائيل في الهجوم على مصر خلال حملة سيناء عام 1956، ولكن هذا التطور نشأ في ظل مجموعة فريدة من الظروف لم يكن من الممكن توقعها عندما صيغت العقيدة القتالية لجيش الدفاع الإسرائيلي في أوائل الخمسينيات.

دفعت هذه المتغيرات الثلاثة مجتمعة، جيش الدفاع الإسرائيلي إلى اعتماد حرب المناورة كعقيدة قتالية. بُنيت هذه العقيدة في البداية استنادًا إلى شن حروب وقائية واستباقية. وقد تحتم على الجيش الإسرائيلي خوض الحرب على الأراضي العربية، نظرًا لغياب حدود يمكن الدفاع عنها وغياب العمق الاستراتيجي، ولأن السماح بغزو عربي لإسرائيل يمكن أن يؤدي إلى تدمير الدولة. ولا يجب أن تجري الحروب على الأرض العربية فحسب، بل يجب أن تكون قصيرة أيضًا لمنع العالم العربي من الاستفادة بأفضليته العددية في الرجال والعتاد، وأيضًا لمنع انهيار الاقتصاد الإسرائيلي ولمنع القوى الأجنبية من التدخل في الأعمال القتالية نيابة عن العالم العربي. ومن خلال حرب المناورة بتركيزها على الضربات السريعة في الأراضي الداخلية للعدو وتسببها في انهياره، ضمن الجيش الإسرائيلي أفضل إمكانية لكسب الحروب بسرعة وبأقل تكلفة ممكنة.

التجربة التاريخية لإسرائيل

أثبتت تجربة جيش الدفاع الإسرائيلي في الأشهر الأخيرة من حرب الاستقلال فعالية هذا النموذج. فلم يُلحق جيش الدفاع الإسرائيلي الهزيمة بالجيش المصري خلال هذه الشهور ويدفعه خارج الأراضي الإسرائيلية تمامًا فحسب، بل إن وحدات إسرائيلية استولت مؤقتًا على جزء من شبه جزيرة سيناء، في عمليات شهدت تحركات ميدانية عمودية لقوات المشاة الميكانيكية داخل عمق القوات المصرية أو بالالتفاف حولها موجهة ضربات سريعة.

وفي عام 1956، عندما شرعت إسرائيل في حرب وقائية ضد مصر من أجل السيطرة على التهديد المتزايد لأمنها القومي من ذلك الاتجاه، شن جيش الدفاع الإسرائيلي حملة مناورة. وبدأت إسرائيل الحرب بهجومٍ رأسي من خلال عملية إنزال لكتيبة من المظليين في عمق سيناء، وهو ما تسبب بقطع الاتصال الرئيسي بين القوات المصرية في سيناء وعزلها عن باقي وحدات الجيش. بعد ذلك، شُن هجومً بقيادة لواء مشاة ميكانيكي داخل عمق القوات المصرية في سيناء أو بالالتفاف حولها موجهًا ضربات سريعة، مما أدى إلى انهيار القوات المصرية هناك في غضون أيام قليلة. ولم يقاتل الجيش الإسرائيلي سوى في عدد صغير من المعارك واسعة النطاق خلال الحملة، وكانت الخسائر الإسرائيلية في الرجال والعتاد محدودة جدًا بالمقارنة بالخسائر التي تكبدها عدوه المصري.

على النقيض من حملة سيناء التي أعقبتها تهديدات أمريكية وسوفيتية لإسرائيل، أدت إلى استعادة مصر لسيناء، ظل الجيش الإسرائيلي متحكمًا في الأراضي التي استولى عليها خلال حرب الأيام الستة.

وسيتكرر النمط نفسه في عام 1967، عندما انخرطت إسرائيل في حرب استباقية ضد تهديد عربي وشيك لأمنها القومي. وفي الوقت الذي دمرت فيه القوات الجوية الإسرائيلية بهجوم مفاجئ، كلاً من القوات الجوية المصرية والأردنية والسورية في قواعدها عند بداية الأعمال الهجومية، حطمت ثلاث فرق مدرعات تابعة للجيش الإسرائيلي سريعًا بعض الدفاعات المصرية في سيناء من خلال هجمات أمامية مباشرة، في حين طوّق جزء آخر من القوات من خلال عبور تضاريس زُعم أنها لا يُمكن تجاوزها. ثم تسببت مجموعة من القوات الجوية والقوات المدرعة بإلحاق دمار بالخطوط الخلفية المصرية، مما أدى إلى انهيار كامل للجيش المصري في سيناء خلال ثلاثة أيام، وذلك أثناء محاولته التراجع نحو قناة السويس. ومرة أخرى، بينما عانى الجيش المصري من خسائر فادحة في عدد الرجال والعتاد، كان عدد المعارك واسعة النطاق في هذه الجبهة قليلا. وقد دارت سيناريوهات مماثلة على الجبهة الأردنية (يهودا والسامرة) [هكذا يطلق الصهاينة على الضفة الغربية الفلسطينية] والجبهة السورية (الجولان)، وذلك رغم أن النتائج على هذه الجبهات لم تكن مساوية لما حدث على جبهة سيناء من حيث الخسائر.

وعلى النقيض من حملة سيناء التي أعقبتها تهديدات أمريكية وسوفيتية لإسرائيل، أدت في نهاية المطاف إلى استعادة مصر لسيناء، ظل الجيش الإسرائيلي متحكمًا في الأراضي التي استولى عليها خلال حرب الأيام الستة. إن السيطرة على كلٍ من سيناء ويهودا والسامرة والجولان، منحت إسرائيل لأول مرة في تاريخها، حدودًا يمكن الدفاع عنها وقدراً من العمق الاستراتيجي وخاصة فيما يتعلق بجنوب ووسط الدولة. وفي حين أن موقعها الجغرافي المُعدل أدى إلى تخفيف ميل إسرائيل لشن حروب وقائية واستباقية بعد عام 1967، إلا أن جيش الدفاع الإسرائيلي لم يتخلَّ عن إيمانه بحرب المناورة كعقيدة قتالية. واستنادًا إلى خبرته السابقة، رأى الجيش الإسرائيلي أن حرب المناورة لا تزال توفر أفضل إمكانية لتحقيق انتصار سريع بتكلفة مقبولة، بغض النظر عن الطرف الذي يبدأ الجولات المستقبلية من الأعمال العدائية.

عندما شنت مصر وسوريا هجومًا مفاجئًا على إسرائيل لتندلع حرب يوم الغفران [حرب السادس من أكتوبر/تشرين الأول 1973]، رد الجيش الإسرائيلي بدفاع متنقل على جبهتي الجولان وسيناء. وعلى جبهة الجولان، أوقف الجيش الإسرائيلي أولا الهجوم الذي شنه الجيش السوري، ثم شن هجومًا مضادًا متنقلا باستخدام ثلاث فرق مدرعات لطرد القوات السوريةمن المنطقة، ثم انخرط بالنهاية في هجومٍ مضادٍ متنقل داخل الأراضي السورية، لتصبح ضواحي العاصمة السورية داخل مرمى قوات المدفعية في غضون بضعة أيام.

وفي سيناء، شن الجيش الإسرائيلي هجومًا مضادًا متنقلا في اليوم الثالث من الحرب، ولم تتمكن دفاعات الجيش المصري إلا من صد فرقتين مدرعتين. ولكن بعد أقل من أسبوع، حطم جيش الدفاع الإسرائيلي هجومًا مصريًا على منطقة الممرات بسيناء في أكبر معركة للدبابات بعد معركة كورسك خلال الحرب العالمية الثانية. وعلى الفور، طوّر الجيش الإسرائيلي هذا الانتصار بهجوم مضادٍ متنقل شهد اختراقًا لكتيبتين تابعتين للجيش المصري، وعبَر الجانب المصري من قناة السويس، واستولى على جزء كبير من الأراضي المصرية. وفي نهاية المطاف حاصر أحد الكتيبتين المصريتين المشاركتين في القتال [حصار الجيش الثالث الميداني المصري]. وفي حرب يوم الغفران، كما هو الحال في حملة سيناء وحرب الأيام الستة، منحت ممارسة حرب المناورة التفوق للجيش الإسرائيلي على خصومه.

حتى في حروبه ضد البلاد العربية، عندما أُجبر الجيش الإسرائيلي وفقًا لظروف معينة، على شن حرب استنزاف على نطاق واسع – وهما حرب الاستنزاف ضد مصر وحرب لبنان – انخرط الجيش كذلك في حرب مناورة لمحاولة إنهاء هذه الحروب وفقًا للشروط الإسرائيلية. وخلال حرب الاستنزاف، شنت القوات الجوية الإسرائيلية غارات «اختراق عميقة» بالقرب من العاصمة المصرية، في محاولة لإجبار مصر على وقف الحرب دون الحصول أي مكاسب. ورغم أن هذا الجهد لم يفلح في تحقيق هدفه، فقد آلت الحرب بالنهاية إلى طريق مسدود بعد حملة استنزاف مكلفة، إلا أن ذلك لا ينفي حقيقة أن جيش الدفاع الإسرائيلي اعتمد على حرب المناورة في محاولة لتحقيق الانتصار.وخلال حرب لبنان، اعتمد الجيش الإسرائيلي على حرب المناورة لطرد الجيش السوري ووحدات منظمة التحرير الفلسطينية من جنوب لبنان، حيث سارت عدة فرق مدرعات بالانتشار سريعًا شمال البلاد. ولسوء حظ إسرائيل، تراجعت وحدات منظمة التحرير الفلسطينية لتدمج نفسها في بيروت، مما فرض على الجيش الإسرائيلي الدخول في حصار طويل ومدمر للمدينة من أجل إخراج منظمة التحرير الفلسطينية من هناك. في أعقاب حرب يوم الغفران، ظهرت أولى العلامات الخافتة على تحول العقيدة القتالية للجيش الإسرائيلي بعيدًا عن التركيز الشديد على المناورة وإعطاء تقدير أكبر لمزايا حرب الاستنزاف. إذ أقنعت الإخفاقات المبكرة التي عانى منها الجيش خلال الأعمال القتالية، بأن «العدد يعتبر كفاءة بحد ذاته ». ومن ثم، فإن الجيش الإسرائيلي لم يُقلل نطاق معركته فحسب، بل زاد أيضاً من اعتماده على القوة والقدرات المتاحة لتحقيق أهدافه. فعلى سبيل المثال، اعتمد الجيش الإسرائيلي إلى حدٍ بعيد خلال حصار بيروت على تطبيق هذه الاستراتيجية الجديدة للوصول إلى هدفه المتمثل في إخراج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان.ومع ذلك، فإن الانتقال من المناورة إلى حرب الاستنزاف بدأ يحصل على زخمه في العقد التالي، وقد تسارع خلال العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين. وبحلول التسعينات، كانت إسرائيل قد توصلت إلى اتفاقيات سلام شاملة مع كل من مصر والأردن، ولذلك لم يعد البلدان يُشكلان تهديداً على الدولة. ويُذكر أن العراق، الذي سحقه تحالف حرب الخليج عام 1991، قد غرق فى الفوضى منذ ذلك الحين، ومن ثم لم يعد يمثل تهديدًا كبيرًا لإسرائيل على مدى العقود الثلاثة الماضية. أما سوريا التي لم تنجح في تحقيق هدفها المعلن وهو «التكافؤ الاستراتيجي» مع إسرائيل قبل مطلع القرن، فقد تفككت ولم يعد لديها من الدولة سوى الاسم منذ عام 2011، لذلك لم تعد تمثل [هي أيضا] تهديدًا كبيرًا لإسرائيل.


حزب الله وحماس: الحروب غير المتماثلة

الانتقال من المناورة إلى حرب الاستنزاف بدأ يحصل على زخمه في العقد التالي لحرب لبنان، وقد تسارع خلال العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين.

رافق الأفول الشديد في الحرب ضد الدول كتهديد لإسرائيل، ارتفاع هام في الحرب غير المتماثلة كتهديدٍ مساوٍ. وقد أدت الانتفاضات الواسعة في كلٍ من يهودا والسامرة وغزة منذ منتصف الثمانينيات، إلى جانب الاحتلال المتنازع عليه لأراضي جنوب لبنان منذ منتصف الثمانينات وحتى مطلع القرن، إلى إقناع إسرائيل بأن الاستيلاء على أراض يقطنها سكان معادون قد أصبح مسعى إشكاليًا.

وفي محاولة لتخليص نفسها من تكاليف شن صراعات ثانوية، انسحبت إسرائيل بشكل أحادي من جنوب لبنان في عام 2000، وغزة في عام 2005. ولسوء الحظ، أدت هذه التحركات إلى زيادة احتمالات الحرب غير المتماثلة بدلا من تعزيز السلام، وذلك لأن حزب الله وحماس، على التوالي، قد شغلا الفراغات التي خلفتها عمليات الانسحاب الإسرائيلية. وبمجرد سيطرتهم على الأراضي، أثبتت هذه المنظمات قدرتها على تحسين كفاءتها العسكرية بشكل كبير.

ولّى عهد الضربات السريعة والعميقة في المناطق الداخلية للعدو، إذ أن ما كان يصلح لهزيمة الجيوش التقليدية لن يؤدي إلى الانتصار على القوات غير التقليدية.

تعمل الآن نفس المتغيرات الثلاثة التي وجهت جيش الدفاع الإسرائيلي نحو تبني المناورة كعقيدة قتالية في العقود الأولى، إلى دفعه نحو الاستنزاف كعقيدة قتالية جديدة. فقد ولّى عهد الضربات السريعة والعميقة في المناطق الداخلية للعدو من خلال تحركات عمودية. إذ أن ما كان يصلح لهزيمة الجيوش التقليدية لن يؤدي بالضرورة إلى الانتصار على القوات غير التقليدية. وعلاوة على ذلك، ونتيجة لتجربتها السابقة، لم تعد إسرائيل لديها أي مصلحة في الاستيلاء على الأراضي التي يقطنها سكان معادون.

ويبدو أن استغلال القدرات الضخمة المتاحة – وخاصة الدقة في توجيه الضربات جوًا – يوفر وسيلة أكثر فعالية لسحق المنظمات غير الحكومية مثل حزب الله وحماس. كما أن أعداد الرجال والعتاد، التي أصبحت الآن في صالح جيش الدفاع الإسرائيلي، تبشر بضرورة التوجه نحو الاستنزاف كعقيدة قتالية، كما ساهم في هذا التوجه غياب قدرة أي قوى أجنبية، بما في ذلك الدول العربية، على تقديم المساعدة الفورية لحزب الله أو حماس.

وتعني مواجهة هذه المنظمات لإسرائيل بمفردها، أن جيش الدفاع الإسرائيلي سيكون لديه بشكل عام المزيد من الوقت لتحقيق أهدافه مقارنة بما كان عليه الوضع في الحروب ضد الدول. ويمكن لجيش الدفاع الإسرائيلي الآن استخدام تفوقه العددي وتقدير الوقت الكافي للتغلب على خصومه.

عندما شرعت إسرائيل في حرب لبنان الثانية عام 2006، وبعد استفزاز حزب الله الشديد لها على طول حدودها الشمالية، اعتمد جيش الدفاع الإسرائيلي إلى حد كبير على القوة والدقة في توجيه الضربات جوًا لتحقيق هدفه الرئيسي المتمثل في تدمير الصواريخ التابعة للمنظمة وقواعدها العسكرية الأخرى. ولم تُنفّذ القوات البرية التابعة للجيش الإسرائيلي طوال معظم الحرب، سوى عمليات توغل متقطعة وقصيرة في الأراضي اللبنانية، اعتمدت أساسًا على مداهمات لتحطيم معاقل حزب الله الواقعة على مقربة من الحدود الإسرائيلية. وقد نُفذ توغل أكثر قوة إلى حد ما خلال الأيام الأخيرة من الحرب، لكنه كان قصير الأجل وسطحيًا، ناهيك عن تنفيذه بطريقة خرقاء جدًا. ولم يلجأ جيش الدفاع الإسرائيلي في أي وقت منذ ذلك الحين إلى حرب المناورة كعقيدة قتالية، تلك التي خدمته بشكل جيد في حملة سيناء وحرب الأيام الستة وحرب يوم الغفران.

انتهت الحرب بملاحظة مقلقة من وجهة النظر الإسرائيلية. فبينما انتصر جيش الدفاع الإسرائيلي بوضوح في المعركة ضد حزب الله بحساب النقاط، إذا ما استخدمنا استعارات الملاكمة، إلا أنه لم ينتصر بالضربة القاضية. أقنعت هذه النتيجة غير الملهمة جيش الدفاع الإسرائيلي بتعديل نموذجه العملياتي في الحربين اللاحقين غير المتماثلين من خلال إضافة «مناورة أرضية» بالطريقة الإسرائيلية إلى المعادلة. وفي حرب غزة الأولى والثانية، نفذ جيش الدفاع الإسرائيلي عمليات توغل واسعة النطاق في غزة بعد نحو أسبوع من القصف الشديد، ومعظمه كان قصفًا جويًا، لتحطيم قدرات وحدات حماس (والميليشيات المتحالفة معها).

في الحرب الأولى، كان الهدف الأساسي وراء التوغل البري هو دفع مرمى صواريخ حماس خارج نطاق المراكز السكانية الإسرائيلية الرئيسية. وفي الحرب الثانية، كان الهدف الأساسي هو تدمير أنفاق حماس الهجومية، التي يتوغل العديد منها داخل الأراضي الإسرائيلية. وفي الحربين، كان التوغل البري بطيئًا وسطحيًا. وفي أي مثال مما سبق، لا تشبه عمليات جيش الدفاع الإسرائيلي البرية، تلك التي نُفذت من منطلق حرب المناورة كعقيدة قتالية في الحروب العربية الإسرائيلية السابقة. وقد هزم جيش الدفاع الإسرائيلي حماس (وحلفاءها) بسهولة في كل المعارك، ولكنه تمكن من ذلك بفعل تبني حرب الاستنزاف كعقيدة قتالية، لا المناورة.

ولا شك في أن جيش الدفاع الإسرائيلي لا يزال يتبنى حرب المناورات، ولا يزال يحتفظ بوحدات متنقلة قوية لمثل هذا النوع من القتال. ومع ذلك، ما لم يتحول التهديد بالحرب مع دول عربية إلى تهديد حقيقي لإسرائيل مرة أخرى، فمن المرجح أن تبقى حرب الاستنزاف هي عقيدة جيش الدفاع الإسرائيلي.

وربما لا نجد أي تطورات حديثة تُفيد بأن الجيش الإسرائيلي قد اعتنق في الوقت الحاضر حرب الاستنزاف، أكثر من استثمار إسرائيل الهائل في الدرع الصاروخي الشامل. ويهدف نظام اعتراض آرو Arrow إلى حماية الدولة من الصواريخ الباليستية، بما في ذلك تلك التي يحتمل أن تكون مسلحة برؤوس حربية نووية، في حين تهدف أنظمة مقلاع داوود وأنظمة القبة الحديدية إلى حمايتها من الصواريخ متوسطة ​​وقصيرة المدى، وكذلك صواريخ كروز. وتهدف هذه النظم مجتمعة إلى تقليل الأضرار التي يمكن أن تلحق بالجبهة الداخلية لإسرائيل، بينما يدمر جيش الدفاع الإسرائيلي الممتلكات والقواعد العسكرية لخصومه بصبر ومنهجية. وإذا كان الجيش الإسرائيلي يتوقع أنه قادر على إلحاق انهيار سريع للخصم في ساحة المعركة اليوم، فإن إسرائيل بالتأكيد لن تحتاج إلى مثل هذه القدرات الدفاعية.


* لم نقم أثناء الترجمة بأي تعديلات في النص، سوى إضافة العناوين الفرعية، وذلك حفظًا لأمانة الترجمة من جهة، ولنقل الخطاب الصهيوني وروايته بدقة ليطلع عليهما القارئ العربي. لذلك نؤكد أن عدم التدخل في نص الكاتب ليس منبعه الاتفاق مع روايته المنحازة للصهيونية والمتغاضية عن الجرائم الإسرائيلية (وهو تأكيد صار ضروريا بعد أن صار نطاق واسع من الإعلام العربي يتبنى الخطاب الصهيونية للأسف)، لكننا تدخلنا لضرورة توضيح بعض التعبيرات الصهيونية للقارئ العربي، وتوضيحاتنا هي ما يرد بين قوسين معكوفين […].