يبدو أن التداخل ما بين السياسة والدين لم يكن حكرًا علينا نحن العرب، فإسرائيل أيضًا توجد بها جماعات ذات مرجعيات دينية (سلفية) تمكنت من تكوين أحزاب دينية حصلت على مقاعد في الكنيست (البرلمان) الإسرائيلي ومن خلالها تحقق مصالحها إما بالابتزاز السياسي أو بتوظيف الدين.

ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المبكرة التي أعلن عنها، مؤخرًا، رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والمقررة في أبريل/ نيسان القادم، بدأ يعلو نجم الأحزاب الدينية (السفلية) اليهودية لاسيما ما تعرف بـ«الحريدية» منها، نظرًا للكتل التصويتية التي تستحوذ عليها، والعدد الكبير من المقاعد الذي تمتلكه داخل الكنيست والذي يقترب من ربع عدد مقاعد الكنيست، مما يعني أن هذه الأحزاب والجماعات السلفية اليهودية ستكون جزءًا لا يتجزأ من أي ائتلاف حكومي يتم تشكيله.

كما يزداد تسليط الأضواء على الحريديم وأحزابهم في هذه الفترة المفصلية في المشهد السياسي الإسرائيلي، نظرًا لأن معظم التقديرات السياسية في الداخل الإسرائيلي تقول بأن الأحزاب الحريدية هي التي أسقطت حكومة نتنياهو، وذلك بعدما انسحبت من ائتلافه الحكومي وخاصة حزب (ديجيل هاتوراة)، على خلفية موافقة الكنيست الإسرائيلي على مقترح قانون يُلزم بتجنيد كل فئات الحريديم بالجيش الإسرائيلي، وهو الأمر الذي يعارضه الحريديم لأسباب دينية وسياسية.

يحتل الحريديم – لكونهم من أهم الجاماعات السلفية اليهودية في إسرائيل وحتى في خارجها – مكانة مهمة في خريطة التحالفات الانتخابية وفي معركة الحصول على أصوات الجماعات الدينية اليهودية السلفية خلال هذه الانتخابات، لاسيما بعدما تقرر تجنيد أبناء هذه الجماعة في الجيش الإسرائيلي بعد عقود من رفضهم للخدمة العسكرية لكونها – وفق معتقدهم الديني- تتعارض مع طقوسهم الدينية ونمط حياتهم الديني المتزمت.


من هم الحريديم؟

هم طائفة يهودية أصولية/ سلفية تعود أصولها التاريخية إلى القرن السابع عشر الميلادي في مناطق شرق أوروبا، حيث تركزت الجماعات اليهودية قبل وإبان ظهور الحركة الصهيونية عام 1882، وأصل تسميتهم مشتق من اللفظ العبري «חרד» بمعنى الخوف أو الخشية ومنها جاءت الحريديم، أي الذين يخشون الله.

ينتمي الحريديم إلى الفكر الديني اليهودي الأرثوذكسي أي التقليدي أو المتشدد، إلا أنهم يعدون من الطوائف الدينية اليهودية ذات السمت المميز بهم، إذ إن لهم تراثًا دينيًا يهوديًا مستقلًا عن التراث الديني اليهودي التقليدي وهو التراث المسمى بـ(الكابالا) وهو فكر تصوفي/ سلفي يهودي روحاني.

يتسم فكر الحريديم الديني بتمسكهم الشديد بالتفاسير الأكثر غلوًا في التراث الديني، وبالتشدد في أداء العبادات والطقوس الدينية اليهودية، بما يدفعهم إلى الانعزال عن اليهود غير المتقيدين بحذافير التعاليم الدينية، واعتزالهم عن أطياف المجتمع اليهودي داخل إسرائيل، وبالتالي فإنهم إلى الآن في حالة صراع شديد مع العلمانيين داخل إسرائيل.

ونظرًا لكون فكرهم سلفيًا دينيًا متشددًا فإنهم ينعزلون اجتماعيًا في أحياء ومدن خاصة بهم داخل إسرائيل حاليًا، ولا يتزوجون من العلمانيين اليهود إضافة إلى أن لهم مدارسهم ووسائل مواصلاتهم الخاصة بهم، منعًا للاختلاط – الذي يحرّمونه بشدة – بين الإناث والذكور.

يتسمك الحريديم بنمط حياة ديني متشدد جدًا، فهم يحافظون على الصلوات اليهودية وعلى لباس ديني خاص بهم، تعود أصوله لمناطق شرق أوروبا وأهم ما يميزه اعتمار القبعة السوداء الطويلة وإطالة اللحى والسوالف والشوارب، علاوة على تمسكهم بطقوس يوم السبت الذي يحرم فيه وفقًا للشريعة اليهودية القيام بأي أعمال حتى غروب شمس هذا اليوم. كما ترتدي نساؤهم البرقع الذي يشبه النقاب إلى حد كبير.

تتميَّز عائلات الحريديم بزيادة العدد لأنهم لا يمارسون تحديد النسل، لذا فأعدادهم تتزايد بالنسبة للعلمانيين في إسرائيل الذين يحجمون عن الزواج والإنجاب، بالمقابل ليس من السهل الحصول على معلومات دقيقة عن هذه المجموعة تتعلق بأعدادهم، لأنه ليس من السهل الوصول إلى تعريف خاص بهم، إضافة إلى عدم وجود مصادر خاصة تعطي إحصائيات دقيقة تتعلق بهم.


المواقف السياسية المتناقضة

اشتهر الحريديم بمواقفهم السياسية المتناقضة والملتبسة، فهم لا يعترفون بدولة إسرائيل ويناهضون الحركة الصهيونية من أساسها، لأنه وفقًا لمعتقداتهم الدينية فإن مملكة الرب اليهودية على الأرض الذي سيقيمها هو المسيح المخلص من نسل داود والذي سيأتي آخر الزمان.

أما الحركة الصهيونية فقد أقامتها بوسائل سياسية وعسكرية دنيئة مما يعني مخالفة لإرادة الرب، ومع ذلك فإن اليهود الحريديم يعيشون في دولة إسرائيل ويحصلون منها على كامل الدعم والحماية والرفاه الاقتصادي والاجتماعي، ويبررون ذلك برغبتهم أن يكونوا بالقرب من الأماكن اليهودية المقدسة.

بالتالي لم يكن غريبًا أن تكون بعض الجماعات المنتمية لهذا المذهب الحريدي متعاطفة مع القضية الفلسطينية ومناصرة لها، ومن أشهرها جماعة (ناطوري كارتا) أي حراس المدينة، والتي يعيش معظم أنصارها والمنتمين لها في الولايات المتحدة الأمريكية، ويعارضون دولة إسرائيل وممارستها القمعية ضد الشعب الفلسطيني ويدعون لإقامة دولة فلسطينية، إذ يعتبرون أن قيام دولة إسرائيل خطأ ديني وتاريخي كبير.

بالنسبة للحريديم في الداخل الإسرائيلي فإن تناقضات مواقفهم السياسية لم تتوقف عند حد العيش في دولة لا يعترفون بها ويعتبرونها (كافرة) وفقًا لمعتقداتهم الدينية، بل إنهم ظلوا لعقود طويلة لا يتجندون بالجيش الإسرائيلي الذي يعتبرونه جيشًا علمانيًا لدولة كافرة، وكانت أحزابهم دائمًا ما تدافع عن حق أبناء الحريديم في ممارسة طقوسهم الدينية والتفرغ لها دون الانخراط في التجنيد العسكري.

ومع ذلك، فإنه مع مطلع عام 2000 تبدل هذا الموقف الديني والسياسي للحريديم من جيش الدولة، وذلك بعد أن تم إغراؤهم بحوافز مالية واقتصادية بل وسياسية في حال موافقتهم على التجند بالجيش، وذلك بعدما تفاقمت الأزمة الاقتصادية في أوساطهم بسبب تزايد عددهم نظرًا لتكاثرهم الكبير وعدم اعترافهم بتحديد النسل الذي يعتبرونه مخالفة لإرادة الرب، وعدم كفاية المعونات الاقتصادية التي تعطيها الدولة لأفرادهم مجانًا.

ففي عام 1999 تم تشريع قانون يعرف باسم (قانون طل)، يفرض الخدمة العسكرية الإجبارية على اليهود الحريديم لكن بشروط معينة ووفق ظروف تلائم نمط حياتهم وطقوسهم الدينية وهو ما تم تنفيذه عام 2000، إذ التحق شباب الحريديم بالجيش الإسرائيلي لكن لخدمة عسكرية قصيرة الأجل، وتم إنشاء كتيبة عكسرية خاصة بهم لا يتم تجنيد الإناث بها، كما تم تعيين عدد من الحاخامات الذين يرافقون هذه الكتيبة التي أصبحت لاحقًا جزءًا من سلاح حرس الحدود الإسرائيلي، وذلك لرعاية طقوسهم الدينية والسهر عليها.