خرج المتحدث الرسمي باسم «الجيش الوطني الليبي» التابع للواء خليفة حفتر، ليعلن ما أسماه «الانسحاب التكتيكي» من قاعدة الوطية الجوية، جنوب غربي طرابلس. قاعدة الوطية الجوية هي المعقل العسكري الرئيس لقوات حفتر غربي ليبيا، وتعتمد عليها قواته في مهاجمة طرابلس من الناحية التكتيكية العسكرية. أما مدينة «ترهونة»، جنوب شرقي طرابلس، فتمثل الخزان البشري والقاعدة التي تسهم في هجوم حفتر المستمر منذ أكثر من عام على العاصمة طرابلس.

عند بداية هجوم حفتر على العاصمة الليبية طرابلس في أبريل/نيسان 2019، كان عزمه هو على إنجاز نصر سريع وخاطف؛ بينما تمثلت استراتيجية قوات «مصراتة» المتحالفة مع حكومة السراج في الدخول في حرب استنزاف وصمود طويلة.

الميزة العسكرية التي كانت لقوات حفتر هي سيطرته على سماء الغرب تقريبًا، سواء عبر طيران خارجي، أو من خلال منظومة الدفاع الصاروخية التي هددت الطائرات التابعة للسراج. إذن، كيف دخلت قوات حكومة الوفاق إلى القاعدة؟

الإجابة بالطبع هي تركيا، واتفاق الدفاع المشترك الذي أُبرم بين تركيا وبين ليبيا متمثلة بحكومة الوفاق الوطني بقيادة فايز السراج، منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2019. قضى هذا الاتفاق بإرسال معدات منها 12 طائرة درونز «بيرقدار تي بي 2»، وبعض المدرعات التركية، بالإضافة لخبراء عسكريين لتدريب قوات الوفاق.

حرب استنزاف

اعتمد التحالف التابع لقوات حفتر على أن يكون هجومه خاطفًا وانتصاره سريعًا. وعندما استُنزفت قواتهم في معركة طويلة جنوب وغرب طرابلس، بدا أن هذا التحالف الجهوي والقبلي يتهاوى. ظهر ذلك ببروز الخلاف بين حفتر وعقيلة صالح رئيس برلمان طبرق، وانحاز بعض شيوخ المداخلة (تيار سلفي يشكل كتائب مسلحة في ليبيا واليمن، موالية للسعودية والإمارات أو لأحدهما، والنسبة هي لمؤسس التيار ربيع المدخلي) إلى عقيلة.

في ظل ذلك وجد حفتر قبضة الوفاق تخف قليلًا عن بعض المدن، فأحكم السيطرة على سرت مطلع العام الجاري. ولكن مع خسارة حفتر لغريان قبل ذلك، وبالتحديد في صيف 2019، تحولت خطته إلى محاولة الالتفاف على طرابلس من الغرب. وبالفعل، استمر تقدمه غربًا في مارس/آذار 2020 حتى معبر رأس جدير مع تونس.

كانت استراتيجية الوفاق منذ البداية هي الدفاع عن طرابلس، وصد الهجمات من الجنوب أو الغرب؛ وأحيانًا، عمل بعض الكمائن، مثل فخ مدينة «الزاوية»، غرب طرابلس، الذي دبّرته قوات الوفاق في أبريل/نيسان 2019، وأدى إلى هروب قوات حفتر إلى ورشفانة.

كل ذلك، وتقوم القوات الجوية المساندة للواء حفتر بضرب إمدادت الوفاق بين الفينة والأخرى، مما يعيق أي تحقيق نصر حاسم لهم، إلا في بعض الجبهات الهامشية قليلًا، حتى جاءت الإجابة من تصدع تحالف حفتر، كما حدث في غريان وغيرها.

الموقف العسكري لحفتر غربًا

في منتصف عام 2019، انقلب اللواء التاسع، ذو التوجه السلفي والقائم بترهونة، على حكومة الوفاق، وانضم للقتال إلى جانب قوات حفتر. يبعد اللواء 90 كيلومترًا فقط عن العاصمة الليبية، ويخترق اللواء طرابلس من محور ثالث، هو محور عين زارة حتى صلاح الدين، غير المحورين الذي كان حفتر يشن هجومه عبرهما بالفعل.

كانت ترهونة خزان الإمداد لقوات حفتر سواء من جهة جنوب طرابلس، أو في إطلالتها على خطوط الإمداد بين مصراتة وطرابلس، بالإضافة لوجود الدعم المدخلي فيها مدعومًا من السعودية. أما قاعدة الوطية الجوية، والموجودة جنوب غربي طرابلس، فتمثل نقطة الانطلاق العسكري لقوات حفتر، كما أنها تربط بينها وبين قاعدة الجفرة التي يسيطر عليها حفتر أيضًا.

خريطة غرب ليبيا

قاعدة الوطية التي أنشأتها الولايات المتحدة في الأربعينات، هي إحدى أكبر القواعد الجوية التي تسهم في حماية طرابلس، كما تؤمّن الحدود الليبية مع جيرانها في الغرب. سقطت القاعدة بيد حفتر قبل أكثر من عامين، واستخدمتها قوات حفتر في هجومها الكثيف والضاري على طرابلس منذ عام تقريبًا.

أدى توسع قوات حفتر غربًا إلى إنهاكها، وكان ذلك عاملا حاسمًا في المشهد، حيث أعلن المسماري في مارس/آذار من هذا العام أنه سيتم إنهاء الهجوم على طرابلس قبل رمضان، وتحقيق النصر. كانت تلك رسالة للداعمين، كمصر والإمارات، ومن خلفهما فرنسا وروسيا المتململة.

كانت أهم ميزات قوات حفتر هي: أولا، وجود غطاء جوي لتحركاتها، وقدرتها على قطع إمدادات الوفاق جويًا؛ وثانيًا، وجود أسلحة دفاع جوي مثل بانتسير S1 الروسية؛ بالإضافة إلى قوات غير ليبية تسهم في استمرار القتال على المحاور. أما استراتيجية حفتر العسكرية في هجومه على طرابلس فكانت تقوم على وجود الإمدادت من مدينة ترهونة وقاعدة الوطية العسكرية، كما أن هجماته تستمر من جنوب طرابلس وصولًا إلى عين الزارة وصلاح الدين. لكنه كان يفتقر لقدرات تأهله لشن هجوم من أربعة محاور مختلفة، أي من جنوب وغرب وشرق طرابلس، لينهي معركته الطويلة.

اقرأ أيضًا: الموت المقبل من الشرق: كيف وصل حفتر إلى أبواب طرابلس؟

استراتيجية تركية

في المقابل، كانت الاستراتيجية التركية تقضي التالي:

أولًا، تحييد سلاح الجو التابع لحفتر قدر المستطاع.
ثانيًا، استخدام غطاء جوي لقطع الإمداد العسكري عن قوات اللواء حِفتر.
ثالثًا، استهداف قلب الإمداد في مدينة ترهونة، ثم قطع الإمداد بينها وبين جنوب طرابلس.
رابعًا، شن هجوم يحول دون استمرار قاعدة الوطية في تقديم دعم لوجيتسي وعسكري لقوات حفتر.

سابقًا، كانت قوات السراج تدافع ضد الهجوم من جنوب وغرب طرابلس، ثم تطور دفاعها إلى شن هجوم مضاد على الوطية، لكنها لم تحرز تقدمًا عسكريًا لوجود الإمداد البشري من ترهونة لقوات حفتر.

في الوقت الذي كانت فيه قوات حفتر تحقق انتصارات صغيرة في أبو سليم وعين زارة منتصف شهر أبريل/نيسان، كانت طائرات بيرقدار تدك قاعدة الوطية. تبع ذلك هجوم بثلاثين سيارة على القاعدة من محاور جادو والرحيبات وكابو. منذ ذلك الوقت، استهدف طيران الوفاق أي إمدادات تصل إلى القاعدة. وقد ظلت القاعدة تحت حصار جوي خانق حتى سقوطها.

في تلك اللحظة، سيطرت قوات السراج على زوارة، ومن قبلها صبراتة والعجيلات، وأمّنت غرب طرابلس تمامًا؛ قبل أن تكثّف ضرباتها نحو قاعدة الوطية لتحييدها.

تبع ذلك هجوم نوعي واستراتيجي على ترهونة، قلب الإمداد لقوات حفتر في الغرب، وذلك من اتجاهين: الأول، من مدينة «القرة بوللي» الساحلية، ونجح الهجوم من هناك في السيطرة على معسكر الحواتم، شمال ترهونة. والاتجاه الثاني، من مسلاتة، إلا أن قوات حفتر استطاعت رد الهجوم.

هنا أصبحت استراتيجية الوفاق في مواجهة هجوم حفتر واضحة:

  • تحييد الطيران التابع لحفتر وتأمين سماء طرابلس، من خلال إسقاط طائرات وينج لونج الصينية بدون طيار التي دفعت بها الإمارات لحفتر، ومن خلال استهداف قاعدة الوطية الجوية.
  • ضرب إمدادات حفتر من مدينة ترهونة.

الظرف الدولي الذي تراهن عليه تركيا هو جائحة كورونا التي حيدت العنصر الأوروبي في الأزمة، وخصوصًا فرنسا التي كانت تقف في معسكر السراج صوريًا، وتقدم خدمات جليلة في الخفاء لحفتر. مكّن انشغال روسيا وفرنسا وإيطاليا بالجائحة الاستراتيجيةَ التركيةَ من أن تسير قدمًا في خطتها.

مكسب لا يعني كل شيء

خلال 48 ساعة، ظلّت قاعدة الوطية تحت وابل من القصف الجوي. استقدمت قوات خليفة حفتر منظومة بانتسير الروسية لحماية الانسحاب الأخير من القاعدة. كان ذلك هو الحدث الأبرز خلال الأيام الماضية؛ إلا أن يوم 18 مايو/أيار 2020 كان نذير شؤم على قوات حفتر.

بدأ الانسحاب منذ أكثر من أسبوعين بانسحاب سرب مقاتلات إلى قاعدة الجفرة الجوية، ثم انسحب كبار قادة الضباط، ومنذ ثلاثة أيام انسحبت 1000 آلية باتجاه مدينة الزنتان. وأخيرًا، استهدف القاعدة صاروخ من بارجة تركية أدى لتسريع عملية الانسحاب.

استهدفت طائرات بيرقدار منظومتي بانتسير من أصل ثلاثة، وقُتل أكثر من 50 جنديًا يُقال إنهم من مرتزقة فاجنر الروسية، كما استحوذت قوات السراج على المنظومة الثالثة بعد هجوم بري أدى لانسحاب قوات حفتر من القاعدة.

سيصعّب هذا الانتصار للوفاق على قوات حفتر حماية ترهونة إذا ما تم مهاجمتها من شرقها وغربها كما هو متوقع، لكن قوات السراج ما زالت تستهدف تمشيط غربي طرابلس، ونجحت بالفعل في السيطرة على مناطق بدر وتيجي (جنوب غرب ليبيا).

يعني هذا الانتصار انهيار هجوم حفتر بعد أكثر من عام. ما يؤكد ذلك هو إعلان قوات حفتر الانسحاب من مواقع قرب طرابلس إلى مواقع تبعد 3 كم عنها، تحت مظلة إعادة التموضع؛ لكن ذلك لا يعني انتصارًا نهائيًا للوفاق.

ما تحتاجه الوفاق، بحسب الخبير العسكري والضابط السابق بالجيش العراقي عبد الجبار، هو هجوم على محاور ترهونة من الشرق والغرب، بالإضافة إلى هجوم عنيف باتجاه سرت، وذلك لتأكيد مكاسبها في الغرب.

يجب العلم، مع ذلك، بأن قوات حفتر تسيطر على أكثر من 62% من الأراضي الليبية بما فيها مناطق إنتاج وتصدير النفط كما في منطقة الهلال النفطي. كما يشير محللون عسكريون إلى صحة القول بأن الانسحاب معد له بشكل مسبق، وذلك لصعوبة انسحاب 1000 آلية من دون خسائر كبيرة، وعدد قتلى لا يتجاوز 50، من دون خطة معدة للانسحاب مسبقًا.

الحسم: بيرقدار

كانت الطائرة المسيرة بيرقدار التركية عاملًا حاسمًا في معارك الغرب.

بالرغم من التشكيك في قدراتها بحسب موقع نورديك مونيتور الاستخباراتي الذي نشر عن مشكلات تتعلق بالاتصال بالطائرة وقواعد التحكم، كما حدث عام 2016 مع قاعدة يوكسكوفا التركيا، إلا أن الطائرة أثبتت تفوقًا في تحديد الأهداف، واستهداف قادة تابعين لغرفة علميات قوات حفتر في أبريل/نيسان، كما جعلت ليل قاعدة الوطية نهارًا، بالإضافة طبعًا لقطع الإمداد عنها.

مع ذلك، تم إسقاط تلك الطائرة مرتين في سماء ترهونة هذا العام، من خلال دفاعات جو بانتسير الروسية، مما أحرج الصناعة التركية؛ إلا أن معركة الوطية الأخيرة حققت انتصارًا معنويًا للصناعة التركية باستهداف المنظومة قبل حتى نصبها.

يبقى السؤال الأخير والدائم: هل ستتدخل مصر عسكريًا بدعم مباشر من الإمارات وروسيا؟ الإجابة أن الواقع يشكك في إمكانية حدوث ذلك، فروسيا ذاتها أصبحت متململة من وضع حفتر غير الحاسم وإحراجه المستمر لداعميه.

أما الجيش المصري، فيشتغل في السياسة والاقتصاد، ومن الصعوبة الدخول في حرب استنزاف ستؤدي لتصدعه وانهيار مشاريعه، بينما بإمكانه تقديمه خدمات عسكرية ولوجيستية لحفتر مقابل المحاصصة في كعكة النفط. أما إذا انخرط في قتال، فإنه يخاطر بخسارة امتيازات الداخل، والتورط في حرب محفوفة بمخاطرة قد يكون تفاديها أمرًا يحفظ وجود الجيش المصري.