طباع الناس مختلفة، بيد أنها تبقى واحدة في سعيهم إلى بلوغ الحظوة والدرجة الرفيعة. ولعل ميزة الإنسان تكمن هنا، في سعيه نحو تحقيق حاجِيّاته، وعناده من أجل الوصول إلى أهدافه، لكن فعل المطالبة بمقعد بين زحام من البشر قد يتجاوز المبادئ الأخلاقية والشروط القانونية، بل وقد يتحول الإنسان إلى لص ومحتال، بل إلى كائن بشري همّه إشباع غرائزه الأنانية على حساب حرية الآخرين، وهنا، قال هيغل: «الجزئية بذاتها، إذا ما أطلق لها العنان في كل اتجاه لإشباع حاجاتها، ونزواتها العارضة، ورغباتها الذاتية –فإنها تدمر نفسها، وتقضي على مفهومها الأساسي، في عملية الاستمتاع هذه». [1]

والحال، أن «مبدأ الجزئية» (أنا ومصالحي الخاصة في مواجهة الكل) لن يستقيم، ولن يتطور، وسيظل ناقصًا -حتى يتحد مع «مبدأ الكلية» (الاعتماد المتبادل). وهذا ما دفع هيغل إلى القول:

أن المبدأ البسيط الذي ترتكز عليه [أي الجزئية] تنقصه القوة الحقيقية «اللا متناهية» التي لا توجد إلا في تلك الوحدة التي تجمع بين جانبي التناقض وتسمح لهما بتطوير نفسيهما في العقل، كلٌ على حدة وبكامل قوته… [2]

فها هو إذن يُلمِّح إلى وجود قوة حقيقية «لا متناهية» في هذه الوحدة؛ إنها قوة «الفكرة الشاملة».

هنا، يسأل سائل، وكيف ينطبق هذا الكلام المجرد في الحياة الواقعية الحسية؟ للإجابة عن هذا السؤال نعود إلى هيغل الذي يقول: «وكلُّ فرديّ يظنّ فعلاً في هذه اللّحظة أنّه يمْترسُ (Handel) لصـالحه الخاصّ (Eigennützig)… فإنه يتّضح أنّ كلّ واحد في متعته إنّما يعطي الجميـعَ ما يتمتّعون به، وأنّه في عمله كذلك إنّما يعمل للجميع مثلما لذاته، وأن الجميع يعملون لأجله». [3] لقد تحصّل من هذا أن هناك نظام مترابط بالضرورة بين حياة الفرد، وحياة جميع الأفراد الآخرين، سيدفعنا لطرح السؤال التالي: كيف «يتربى» الفرد على الانتقال إلى لحظة الكلية؟

الثقافة أمثل وسيلة لتربية شعب ما، أو أمة من الأمم، إنها بالمجمل تُحرر الإنسان من «البساطة الطبيعية» وتقوده إلى «العقلانية»، حيث قال هيغل: «إن الغاية النهائية للثقافة هي التحرر، والكفاح من أجل تحرر أعلى». [4] ومنه، نطرح سؤالين مهمين: التحرر من ماذا؟ ولماذا؟

إن الإنسان الذي لا يبحث عن الحق، ولا يفكر أو ينتقد، كأوراق الشجر، أينما تذهب به الريح يذهب، فضلاً عن ذلك تجده بعيدًا عن ذاته مُعاد لها، هذه هي «التقبلية السلبية» التي قال بها هيغل. وعلى نفس المنوال، هذا الإنسان قد تحكمه معرفة غير ناضجة في العقل، دائمًا ما تسحبه بعيدًا عن الاعتداد بذاته، حيث لا مجال له لتحقيق مصيره وسط إرادته القاصرة عن طلب الحق. ويتجلى ذلك كما أورد هيغل في استبعاد «المباشرة والفردانية»، اللتين تجعلان الفرد يتفاعل مباشرة مع ذاته، وتتضح له في نفس الوقت «صورة الكلي»، كما قدم هيغل في مؤلفه: «أصول فلسفة الحق»، والذي قال فيه أيضاً إن جميع هذه المزالق يتم تجاوزها عبر: «إضفاء العقلانية»، ومعرفة «طبيعة الروح».

هنا، سأنتقل مباشرة للحديث عن طبيعة الروح، لأن إضفاء العقلانية على الفهم؛ يعني طرد ما ذكرناه سابقًا؛ أي «التقبلية السلبية» واستبعاد «المباشرة والفردانية». ولتعريف طبيعة الروح، يقول هيغل إن:

سطوة الفرد إنّما ترجع إلى كونه يجعل من نفسه طبْقَ الجوهر، أعني أنّه «يتخارج» على «الهو» الذي له، فيستوضع ذاتَه إذا كأنّها جوهر كائن وموضوعي. لذلك ثقافته وحقيقُه الخاصُّ إنّما هما تحقّق الجوهر ذِاتِه. [5]

هنا، نطرح سؤالاً مُهمًا، كيف يستوضع الروح ذاته؟
للإجابة عن هذا السؤال سوف نقسم الجواب إلى قسمين اثنين:

أولاً؛ أن تُخْضِعَ الروح البشرية نفسها لحاجز ما هو: (جزئي فيزيقي – كلي خارجي)؛ وبالتالي تفرض عليها هذا التناهي، وهذا الحد الحاجز.

ثانيًا؛ أن تعمل على التغلب على هذا الحاجز لتبلغ واقعها الموضوعي؛ وهو: «عندما تصبح الروح في بيتها كما ذكرنا سابقًا».

لقد تحصّل من هذا بيان غاية الثقافة، لكن عملية الانتقال هذه صوب العقلانية ليست بالأمر الهين، بل تحتاج إلى عزيمة وإرادة قوية في التحرر، وفي هذا السياق قال هيغل إن: «الإرادة الذاتية نفسها تبلغ موضوعيتها في هذا الصراع أو الكفاح الثقافي، وعن طريق هذه الموضوعية وحدها تصبح قادرة من جانبها، وجديرة بأن تكون معبرة عن واقع الفكرة». [6] هو ذا سر الانتقال من مبدأ الجزئية إلى مبدأ الكلية، لكن في خضم هذا، المجتمع المدني «يتحدد بنظام الحاجات من حيث هو ينهض على خلق وسط من الاحتياج المتبادل، فقيامه على أنانيات الأفراد الخاصة أمر متحصل». [7]

مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير.

المراجع
  1. هيغل، أصول فلسفة الحق، ترجمة إ.ع.إ. مكتبة مدبولي، 1996، ملحق الفقرة 185، ص 433.
  2. المصدر نفسه، ص 434.
  3. هيغل، فنومينولوجيا الروح، ترجمة وتقديم ناجي العوْنلّي، ط1. مركز دراسات الوحدة العربية، 2006. ص 523.
  4. هيغل، أصول فلسفة الحق، ترجمة إ.ع.إ. مكتبة مدبولي، 1996، ص 438.
  5. هيغل، فنومينولوجيا الروح، ترجمة وتقديم ناجي العونلِّي. ط1. مركز دراسات الوحدة العربية، 2006. ص 520.
  6. هيغل، أصول فلسفة الحق، ترجمة إ.ع.إ. مكتبة مدبولي، 1996. ص 438.
  7. محمد الشيخ، فلسفة الحداثة في فكر هيغل. ط1. الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2006. ص 300.