كل يوم إضافي في الحرب الدائرة بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني يؤدي إلى تعقد المشهد أكثر. كما يؤدي صراع العاصمة الخرطوم إلى نشوب صراعات أخرى في مناطق ذات قابلية للاشتعال، أو كانت تعيش هدوءًا حذرًا في الأسابيع الماضية. إقليم دارفور واحد من تلك المناطق. فقد عادت التوترات فيه للظهور بعد شهور قليلة من التهدئة.

الجماعات المسلحة في دارفور بدأت في استغلال الأزمة عبر تنفيذ عدد من الحوادث ذات الطابع القبلي والجنائي. فقد فرضت حكومة غرب دارفور الطوارئ لمدة شهر قابل للتجديد بسبب مقتل 5 أشخاص في اشتباكات بين مسلحين. كما اشتبك عدد من المواطنين مع ميليشيات مسلحة بالقرب من مدينة الجنينة، عاصمة غرب دارفور. ونزح المئات من العاصمة بسبب هذه الاشتباكات.

 كذلك قامت مجموعات مسلحة بمهاجمة أماكن مدنية، وإطلاق النار عشوائيًا على من فيها، بهدف الضغط على المواطنين للنزوح وترك المنطقة. أما نيبالا، عاصمة جنوب دارفور، فلم تكن أحسن حالًا. فقد شهدت مقتل عقيد بالجيش على يدي مجهولين حاولوا سرقة سيارة عسكرية كانت تُقلّه. وقُتل ضابط برتبة مُقدم في الجيش السوداني في منطقة زالنجي، عاصمة ولاية وسط دارفور.

 أعمال العنف تلك تخلط الأوراق السياسية، وتضع العراقيل أمام أي محاولة لتسوية الأوضاع في الخرطوم، إذ إن بؤرة جديدة للصراع قد تفجّرت، ويجب أن تكون مشمولةً في التفاهمات. كما أنها لا تبدو عفوية، ولا خارجة عن الخطة. وأن الهدف هو إحداث فوضى لإرباك المشهد.

حشود ضخمة في دارفور

https://www.youtube.com/watch?v=EeegLv-m8N8

قوات الدعم السريع رغم انشغالها بما يحدث في الخرطوم فإنها لم تنس دارفور. فقد صرّح قائد قطاع جنوب دارفور بالدعم السريع بأن تردي الأوضاع في الإقليم مسئولية والي الجنوب. كما أعلنت قوات الدعم سحب سياراتها المقاتلة من الإقليم بسبب تجاهل إدارة الإقليم دعم حميدتي في حربه الدائرة حاليًا. انسحاب الدعم السريع النسبي من الإقليم يخلق مزيدًا من الفوضى، إذ كانت حالة الأمان النسبي في الإقليم بسبب سيطرة الدعم السريع عليه.

لكن حرص الدعم السريع على توضيح أنهم انسحبوا من دارفور يثير الشك حول تلك النقطة. فليس من الصحيح عسكريًا أن تكون في حرب في العاصمة، ثم تتخلى بإرادتك عن منطقة تعتبر الملاذ الآمن، والمنبع الذي يتدفق منه جنودك. يزداد الشك حين أُشيع عن مقتل قائدي الدعم السريع بشمال وغرب دارفور. لكن نفت الصفحة الرسمية لقوات الدعم على موقع «تويتر» أن يكونا قتلا، مؤكدةً أنهما بصحة جيدة.

 والأهم أنهما يشرفان بأنفسهما على معركة العزة والكرامة، بحد وصف الصفحة، في منطقتيّ الفاشر والجنينة. ما يعني أن اشتباكات الخرطوم قد امتدت إلى شرق وغرب السودان، أي وصلت دارفور. لهذا لا تتوقف حصيلة القتلى المعلنة من قبل إدارة غرب دارفور. خصوصًا أن الانتقام يكون قبليًا. القتيل الأول قاوم سرقة هاتفه فأردته المجموعة المسلحة قتيلًا. تعقب ذووه، المنتمون لقبيلة التاما، المهاجمين حتى وصلوا لبلدة تويندي حيث القبائل العربية، فأخذوا منهم واحدًا وقتلوه. من الجلي أن هذه الدائرة لن تنغلق قريبًا.

إذن، دارفور انضم للحرب، بشكل أو بآخر دخل في معادلة الصراع الحالي. لهذا يشهد حشودًا عسكرية ضخمة غير مسبوقة. الولايات الخمسة للإقليم باتت في قلب الصراع. خصوصًا أن معظم المكوّن البشري للدعم السريع يأتي من دارفور. الإقليم الذي يحاذي منفردًا 4 دول، ليبيا من الشمال الغربي، وتشاد من الغرب، وإفريقيا الوسطى في الجنوب الغربي، ودولة جنوب السودان في الجنوب. وهذه الدول الأربع مشتعلة داخليًا في الأصل.

الإقليم ممزق بين الطرفين

الإقليم البالغة مساحته قرابة 190 كيلو مترًا مربعًا، ويقطنه قرابة 9 ملايين ونصف المليون فرد، شهد نزاعات مباشرة بين طرفي الصراع. مثلًا في ولاية جنوب دارفور، بعد ساعات قليلة من اندلاع الأحداث في الخرطوم، بدأت اشتباكات في محيط القيادة العامة للفرقة 16 مشاة التابعة للجيش النظامي. ثم انتقلت إلى قيادة المدفعية، التي سيطر عليها الدعم السريع، ثم استردها الجيش في اليوم التالي.

ثم دارت معركة في قيادة المنطقة الغربية التي تقع في الجزء الشرقي من منطقة نيالا، أكبر مدن السودان، وسيطر عليها الدعم السريع في النهاية. ثم في ثالث أيام الحرب انتقلت المعركة إلى مطار نيالا الدولي، انسحبت قوات الجيش تاركةً السيطرة لقوات الدعم السريع حتى الآن. ما يعني أن مقر عمليات قوات الجيش السوداني في مقر الفرقة 16 مشاة، وقوات الدعم السريع تدير أعمالها من مقر الفوج السابع، أي إن الفاصل بين الطرفين مسافة أمتار قليلة لا تتجاوز إطلاقًا كيلو متر واحد.

إذن فالوضع الراهن يتلخص في أن مدينة نيالا ممزقة بين الطرفين، الشمال الشرقي تحت سيطرة الدعم السريع، أما الجنوب الغربي فتحت سيطرة الجيش. أما مدينة الجنينة فمطارها الرئيسي تحت سيطرة الدعم السريع، ولا يسمح الدعم السريع لقوات الجيش بالتقدم فيها.

إضافة إلى ما سبق فإن هناك عملية ضبابية تستهدف كل من ليس تابعًا للدعم السريع، حتى لو كانت القوات المشتركة. هي قوات سودانية تشادية مشتركة، هدفها تأمين الحدود بين البلدين، ومحاربة تهريب السلاح. لكن هاجمت قوة مسلحة تلك القوات المشتركة، وأطلقت النار عشوائيًا على تجمعات من الأهالي مجبرةً إياهم على النزوح ناحية القوات المشتركة على حدود الإقليم.

ثم قام المسلحون بمهاجمة القوات المشتركة والأهالي، ما أجبرهم على دخول الحدود التشادية وإخلاء الإقليم. نزعت منهم تشاد سلاحهم، وقامت بإيوائهم. وشهدت الإقليم كذلك إجلاء كل موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الأجنبية التي كانت تُشرف على المساعدات الإنسانية التي تصل إلى الإقليم.

منشأ الجنجويد ثم الدعم السريع

أزمة دارفور بدأت منذ عام 2003، تسببت منذ ذلك الحين بمقتل 300 ألف إنسان، وتركت مليونين منهم لاجئين. تعود أصول النزاع إلى عام 1984 حين فتكت المجاعة بالإقليم ففقد سكانه كل ما يملكونه. لكن كان أكبر المتأثرين بالأزمة هم العرب، أما المجموعات الأفريقية فترك البداوة واتجهت للتجارة فتحسنت أحوالها سريعًا. ظل سكان الإقليم يعيشون النزاع الكبير الذي يعيشه السودان بين شماله وجنوبه.

لكن في عام 2003، حين وصلت الأزمة بين الشمال والجنوب إلى حل سياسي، وُجد سكان الإقليم أنهم مستبعدون تمامًا من المشاركة. لهذا أطلقت الجماعات المسلحة حركة تمرد ضد حكومة البشير، البشير ردّ بعنف ودموية على هذا التمرد. المعضلة أن البشير اعتمد في ذلك القمع على ميليشيات عربية بشكل أساسي، تحوّلت تلك الميليشيا راكبة الخيل إلى الجنجويد لاحقًا، الذين صاروا هم نواة قوات الدعم السريع الحالية.

الإقليم المسمى دارفور، نسبة إلى أكبر قبائله قبيلة فور، ودار تعني «بيت»، أي إنه إقليم الفور، يسكنه العديد من القبائل. ويتمتع بثروة حيوانية وزراعية ضخمة. لكن كانت تلك الثروة هي أصل النزاعات بين القبائل غالبًا، ويتم تسوية الخلافات بالطرق العرفية القبلية. لكن نزاع قبيلة الفور والعرب يتجدد مع أبسط الأحداث، ثم نشب صراع جديد بين العرب وقبيلة المساليت.

ورغم احتواء النزاعين باتفاقيات سلام، فإن تجارة السلاح التي راجت في الإقليم جعلت الخلافات تصبح أكثر دموية وأطول أثرًا.

الانفصال كشرط للتهدئة

ما يعيد دارفور للواجهة الآن، أنه قد يكون محل نزاع جديد، والأهم أنه قد يكون الهدف الحقيقي من وراء اشتباكات الخرطوم الحالية. قوات الدعم السريع تتخذ نهجًا تراجعيًا في اشتباكاتها مع قوات الجيش. التراجع نحو غرب السودان لا يبدو عفويًا، فهناك يقع دارفور. الذي وقف فيه حميدتي وسط جنوده يتباهى بعددهم وبامتلاكه سلاح مدرعات متكامل.

 كما أن الإقليم يشهد إقامة شبه متواصلة لحميدتي فيه، يقوم حميدتي فيها بحضور اجتماعات وزراء الولايات، وأنشطة أخرى كسباقات الخيل، وزيارات تفقديّة لمناطق منكوبة من الحرب. فالرجل حرص طوال الفترة الماضية على إظهار نفوذه وسلطاته في دارفور. كما أنه غالبًا ما يرافقه مسئولو النيابة العامة، في إشارة إلى أن حميدتي هو المتحكم في الجهاز العدلي للإقليم.

فإذا آلت الأحداث الراهنة إلى انتصار الدعم السريع على الجيش السوداني، فيعني أن السودان باتت كلها في قبضة حميدتي. لكن حتى لو لم ينتصر الرجل، فقد يجعل دارفور، الإقليم الغني بالذهب، هو شرطه كي يقبل بإنهاء النزاع دون إزهاق مزيد من الأرواح أو التسبب في مزيد من القلق للجيران المتوجسين من أن تمتد إليهم الأزمة السودانية. هذا إذا لم تُظهر الأيام القادمة الرجل متحصنًا في الإقليم بعد أن طرد منه القوات الدولية والسودانية، ويعلن انفصاله بقوة السلاح والأمر الواقع.