لا يزال مفهوم «الدولة» محاطًا بالغموض رغم قِدَمِه النسبي في الخطاب السياسي العالمي. فالدولةُ بالمعنى القانوني تشيرُ إلى شعب ووطن وسلطة عليا تحكمه. وهي بالمعنى الفلسفي: مشروع عام في خدمة فكرة مجردة. وهي بالمعنى الإداري: الحاكم والحكومة ورجالها. وقل غير ذلك من المعاني المتعددة بتعدد زوايا النظر في هذا الكائن العجيب الذي نسميه الدولة.

ولكن مهما تعددت معاني الدولة، ومهما كانت غامضة أو مطاطة، فإن ما يجب تأكيده مرة بعد مرة هو أن: الدولة الحديثة التي عرفتها أوروبا منذ عصر النهضة ثم انتشرت عبر العالم، هي دولة متعالية، ومفارقة للوجود الاجتماعي.

هي دولة «علمانية»، وتُعلن فصلَ الكنيسة ورجالها عن شئون الحكم والإدارة العامة، وتعلن كذلك عدم تدخلها هي في شئون الكنيسة والدين؛ لأن تدخلًا من هذا النوع، أو ذاك، ثبت بما لا يدع مجالًا للشك أنه يفسد الجميع: الدين والكنيسة والدولة معًا؛ حسب الفلسفة الحداثية. ولكن الواقع يشهد أن هذه الدولة الحديثة ذاتها هي: تجسيد لفكرة الحلولية الإلهية بحذافيرها، أو الثيوقراطية بعد أن غيرت ملابسها، وتخلصت من اللون الكهنوتي الأسود، وارتدت ملابس مدنية ذات ألوان زاهية ومتنوعة.

في أحسن الأحوال لم تتخلص الدولة الحديثة نهائيًا من وصمات مفهوم الدولة الإلهية، أو «مدينة الله» بمعناها في الفلسفة المسيحية الوسيطة. صحيح أن القديس «توما الإكويني» رفض هذا المفهوم، ولكن رفضه لم يمنع معنى الدولة الثيوقراطية من أن يتمدد ويتوسع.

ومن قبل «الإكويني» كان القديس «أوغسطين» قد ذهب إلى أن «الدولة تقوم بأمر الله وتستمد قوتها منه»، على حد ما ذهب إليه «جاك شوفالييه»، في كتابه «تاريخ الفكر السياسي من المدينة الدولة إلى الدولة القومية»، ترجمة «محمد عرب صاصيلا»، بيروت: د. ن،1985 (ص158). وإلى فترة طويلة من بعد توما الأكويني، ظلت صيحة «جريجوري السابع» هي الأكثر تأثيرًا، وذلك عندما أعلن أن «الدولة من صنع الشيطان والخطيئة»؛ أراد أن يقول:

إن شرَّ الدولة وثيقُ الصلة بالخطيئة الأولى الأزلية التي ارتكبها الإنسان، هو شر أصيل عميق الغور لا علاج له، وإن كان يعتبر شرًّا نسبيًّا[1].

وفي أحسن الأحوال، مرة أخرى لم تتخلص الدولة الحديثة من الروح الثيوقراطية الموروثة من ظلمات العصر الوسيط في أوروبا. وكانت الصيغة التوافقية التي توصل إليها توما الإكويني قد حلت الإشكالية المزمنة في الفلسفة القديمة والوسيطة بين الدولة المدنية من جانب، ومدينة الله من جانب مقابل؛ حيث برهن الإكويني ببراعة على أنهما متصلتان إحداهما بالأخرى ومتكاملتان.

ولم يَحد «نيقولا ميكافيللي» كثيرًا عن هذا الخط، رغم أنه أشنع الأسماء طرًا في سجل آباء الحداثة السياسية؛ فقد كان يكره الكنيسة بحق، ولكنه لم يدع أبدًا إلى فصل السياسة عن الدين، ولا الدين عن الدولة. وظل مقتنعًا بأن الدين من العناصر الضرورية في حياة الإنسان الاجتماعية.

كل ما في الأمر أنه نظر للدين نظرة واقعية، فوجده يصلح «أداة في يد الحكام»، وليس غاية في ذاته. وبهذا التصور أسهم ميكافيللي في أن تفقد الدولة حسها الإنساني والأخلاقي. وأضحت كيانًا مستقلًا بذاته، ومتعاليًا على الوجود الاجتماعي، وعلى الاعتقاد الديني، والاعتبار الأخلاقي في آن واحد؛ فكأن الدولة حلَّت محل هذا كله. ومن هنا مصدر خطرها الداهم، ومنبع شرها الذي لا يجفُّ بئرُه.

لنترك هذا الجذر الفلسفي اللاهوتي للدولة الحديثة وننحيه جانبًا، ولنخرج من متاهاته ويكفي ما أوردناه في الدلالة على ما أردناه. ولننظر الآن إلى الدولة وفق تصور سياسي حداثي آخر يؤكد أنها عبارة عن كائن معنوي مراوغ، ولديه قدرة خارقة على التخفي في صور وأشكال مختلفة؛ حتى أنه لا يكاد يراها أحد من مواطنيها، ولكن أحدًا لا يكاد يتخلص من شبحها أيضًا وفي الوقت عينه.

وأحذق من يقوم بتمثيل هذه الدولة في مواجهة المواطنين هم الناطقون باسمها، بغض النظر عن الطريقة التي وصلوا بها إلى مقاعد الحكم. أو هم المعبرون عن سيادتها والممسكون بأعنتها، أي طبقة الحكام. ولكن هؤلاء أنفسهم وبأشخاصهم سرعان ما يقعون ضحايا الدولة ذاتها، عندما تجد نفسها عرضة لخطر الزوال أو التفكك بسبب سوء إدارتهم لشئونها، أو لفشلهم في صون كيانها، أو لإخفاقهم في حفظ هيبتها في أذهان المحكومين.

لا تمتلك الدولة الحديثة تلك الكينونة المتعالية فحسب، بل تمتلك أيضًا لغة سياسية خاصة؛ هي التي تحدد مفرداتها المركزية، وهي التي تضع معايير الصواب والخطأ فيها. وعندما تتضح مضامين هذه المفردات، يتضح أيضًا جانبًا من جوانب غموض معنى الدولة الحديثة ومراوغتها للوعي العام في تاريخ البشر الحديث والمعاصر بصفة عامة. ويعتبر مفهوم «الوطن» من أهم مفردات خطاب الدولة، لأنه ببساطة هو بيتها الذي لا يستطيع الإفلات من قبضتها، ولا يمكنه البقاء بدونها.

الوطن هو بيت الدولة الحديثة وملكيتها الخاصة مثلما كان بالنسبة للدولة الثيوقراطية أو الإلهية. هو معبدها المقدس، هو عبدها ومعبودها في آن واحد. ولكن السؤال هنا هو: ما الوطن؟ وأين ولد معناه السياسي في الوعي الإنساني أول مرة؟ لنستشر قواميس اللغة ومعاجمها؛ لعلنا نظفر بإجابة تضيء إضاءات تزيح بعض هذا الغموض.

المصادر اللغوية العربية تقول إن لفظ «الوطن» يعني: «أرض الأجداد التي عاشوا ودفنوا فيها، وفيها أنتجوا المعالي والمفاخر». أما المصادر اللغوية الأجنبية ذات الأصل الإغريقي واللاتيني فتشير إلى أن لفظة patris بالإغريقية هي أصل لفظة patrie بالفرنسية، التي تحمل المعنى نفسه، وكذلك مرادفاتها في الألمانية vaterland أو في الإنجليزية father land وbirthplace. لهذا صارت كلمة وطن مُقدّسة في القاموس السياسي للدولة الحديثة. وصارت تدل على انتماء وجداني وحسّ بالارتباط الباطني بالمهد والقبر الثابتين في أرض الوطن.

حتى الآن، لم تولد علاقة مجردة أو غير شخصية تمامًا بين الفرد والمكان، كما يستنبط الباحث «خلدون النبواني»، وإنما هي علاقة على درجة ثانية ومستوى أدنى؛ فهي الأرض التي ولد فيها الآباء وماتوا، ومن هنا جاءت تسميتها الإغريقية patris. إن وطن كل أمة هو مفاخرها التاريخية التي تركها السلف للخلف، وقد تعينت زمانًا ومكانًا.

والوطن بهذا المعنى هو لُقيةٌ ثمينة للدولة الحديثة، تستطيع بها أن تستدر عواطف المواطنين، وتستنزف بها أموالهم وأنفسهم في سبيله، وغالبًا ما تطلب الدولة منهم أن يضحوا بأرواحهم وأموالهم في سبيل هذا الوطن ليبرهنوا على حبهم وولائهم له؛ وإن لم يفعلوا فهم مشكوك في ولائهم وانتمائهم لهذا الوطن.

يصح القول نظريًا: إنّ أَثبتَ ما في عناصر الدولة الحديثة هو الوطنُ بمدلوله الجغرافي. هو الأثبت عند مقارنته بالشعب الذي يتغير بالزيادة والنقصان، وبالعادات والأعراف. والوطن هو الأثبت من باب أولى عند مقارنته بالسلطة العليا، أو بالجماعة الحاكمة، التي لا تني تتغير وتتلون وتظهر وتختفي. ومع هذا فإن التحولات السياسية في أنظمة الحكم والسلطة على مر الزمن قد أَمْلت تحولاتٍ مفهومية على معنى الوطن كما يقول النبواني؛ حيث ضاق واتسع حسب حجم مضارب إبل القبيلة العربية أحيانًا، أو حجم إقطاعيّة النبيل أحيانًا أخرى في عصور أوروبا الوسطى.

وصار يعني حدود الإقطاعية سواء أكانت إقليمًا أو مدينة أو حتى قرية، أو واحة في بيداء. ثم تحول مفهوم الوطن مرة أخرى في عصر النهضة ليتلاءم، بل ليتطابق مع مملكة الملك. وأضحى الوطن قيمة عليا ومثالًا أخلاقيًّا ساميًا لا يكون الدفاع عنه سوى دفاع عن أراضي الملك ومصالحه، حتى لو ضحى جميع المواطنين بأرواحهم في سبيل حمايته والدفاع عنه.

ومع صعود البورجوازية في عصر النهضة الأوروبية، وظهور تطلعات أممية إنسانية، كما في دعوة «كانط» لتحويل الأرض إلى ملكية عامة للبشر، أو في رؤية «ماركس» للأممية الشيوعية، أو في أحلام الشيخ «طنطاوي جوهري» في السياسة والسلام العام؛ أخذَ مفهوم الوطن يتحور من جديد في المخيال السياسي العالمي.

ولكن فكرة «هيغل» الموضوعية حول الدولة القومية هي التي اتخذت أشكالًا سياسية قانونية وفعلية في الغرب تحت أسماء الدولة/ الأمة. وصارت الدولة/ الأمة وطنًا بعد أن تخففت كثيرًا من التعصب للمكان والحدود الجغرافية. وفي هذا المنحى نفهم مقولة ماركس: «ليس لرأسمال وطن»؛ في إشارة إلى محاولة البرجوازيات والإمبرياليات الغربية ورغبتها في تمديد مفهوم الوطن ليترافق مع التوسع والامتداد وإخضاع أوطان أخرى واحتلالها، ومن هنا فإن الاحتلال والإمبريالية والسيطرة على شعوب أخرى تصير مفاهيم وطنية سامية، من منظور الدولة القومية الحديثة في أوروبا.

وقبل أن يدخل مفهوم الوطن بمعناه السياسي في الثقافة العربية الحديثة، كان قد تعرض لهجمات نقدية كاسحة على يد عدد من كبار أنصار الحداثة والتوسع الاستعماري في أوروبا ذاتها، ومنهم على سبيل المثال: «آرثر دي جوبينو»، مؤلف كتاب «مقال في تفاوت أجناس البشر»، وكتاب «الرينسانس». وجوبينو هذا هو الشخص نفسه الذي أرسى أبشع نظرية عنصرية في العالم الحديث، وذهب إلى أن الجنس الأبيض، والآري تحديدًا، لا يشترك مع بقية الأجناس في أصل واحد، وأن أبناء الرجل الأبيض/ الآري وحدهم هم الأعلى والأرقى، وغيرهم أدنى منهم في كل شيء، وأن اختفاء العرق الأبيض النوردي بالذات من أوروبا معناه ببساطة زوال الحضارة الإنسانية واندثارها تمامًا.

وفي سياق برهنته على شرعية استعلاء الجنس الآري وحقه في التوسع على حساب الآخرين: تساءل جوبينو عن معنى الوطن؟ وقال:

إن فكرة الوطن مجرد كلمة لا تناظرها أية ظاهرة طبيعية أو واقعة تاريخية. وقال متهكمًا: إن الوطن لا يستطيع أن يتكلم، وليس له أي صوت جهير يعتمد عليه في الأمر والنهي. وبناء على ذلك خلص إلى أن: الوطنية (حب الوطن) ليست من الفضائل الجرمانية، ففي العالم الجرماني؛ الإنسان هو كل شيء، أما الوطن فلا يعني الكثير. وواصل انتقاده المرير لهذه الفكرة ليمهد للقوى الإمبريالية كي تدعي أن لها حقًّا مشروعًا في غزو أراضي الغير وضمها بالقوة، وانتهى إلى أن الوطن: «فكرة مريعة من صنع آل كنعان»[2].

وكأنه يشير إلى أحد جوانب المعنى اللغوي للوطن، في القاموس العربي دون بقية معانيه، وهو الجانب الذي يصور الوطن بأنه يعني فحسب: مربط البقر، ومأوى الغنم،كما في لسان العرب والقاموس المحيط وغيرهما.

لم تكن آراء جوبينو ونظرياته في عبادة الأجناس وخرافة الأوطان مبنية على أسس قوية، ومع هذا فإنها لم تكن استثنائية؛ إذ تكرر ظهورها على يد علماء أوروبيين آخرين، منهم الأنثربولوجي الفرنسي «فاشيه دولابوغ»؛ الذي أصدر في العام 1899م كتابًا بعنوان «الإنسان الآري ودوره الاجتماعي»، وتوقع فيه أن القرن العشرين سيشهد مذابح مروعة، يقتل فيها الناس بعضهم بعضًا، بسبب بعض الاختلافات الطفيفة في شكل الرأس ومقاييس الجمجمة.

وتحققت توقعاته على أيدي الأوروبيين أنفسهم، وبسبب ادعاءات عنصرية، وكان من آخرها حرب الإبادة الجماعية في البلقان، والتطهير العرقي التي شنها الصرب ضد ألبان كوسوفو ومسلمي البوسنة في منتصف تسعينيات القرن العشرين. ويرى كثيرون أن دولابوغ تأثر في آرائه بسلفه الفرنسي آرثر جوبينيو الذي يعتبرونه مسئولًا بشكل مباشر عن قيام النزعات العنصرية المتطرفة في أوروبا الحديثة. وانتشرت آراؤه في سائر بقاع العالم الأوربي المتحضر بمعايير الحداثة. وتوطدت أفكارُه عن الاستعلاء العنصري؛ خاصة أنها لم تجد أفكارًا قوية مناهضة لها.

ولما كان مفهوم الوطن مثله مثل غيره من المفاهيم السياسية الرحالة بين الحضارات والثقافات المختلفة، فقد حملته إلى البلدان العربية رياح التثاقف الحضاري، ونشرته وقائع الصدام والمواجهات بين الغرب والشرق خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.

ولكن هذا المفهوم وفد إلى الثقافة السياسية العربية في سياق بناء الدولة الحديثة، ومن ثم فإنه لم يصادف فراغًا مفاهيميًا، وإنما هبط على مفهوم الوطن؛ بمعنى محل الإقامة والراحة، وهو معنى مجرد عن أي دلالة سياسية في الموروث الجماعي العربي/ الإسلامي منذ الأزمنة الوسيطة. واصطدم المفهوم الوافد بهذا المعنى المستقر في الوعي الجمعي، أو اللا وعي الموروث.

إن قواميس اللغة العربية ومعاجمها الكبيرة مثل القاموس المحيط، ولسان العرب، والصحاح، كلها تشير إلى تعدد معاني الوطن وتباين دلالاته الحقيقية والرمزية، ومنها أنه: منزل الإقامة، ومأوى الإنسان الذي يجد فيه راحته وسعادته، ومربط البقر والغنم الذي تأوي إليه.

ولكن الوطن في بعده المكاني الجغرافي، حسب التقليد لعربي الموروث، ليس ثابتًا ولا متبوعًا؛ إنما هو متحرك وتابع للإنسان حيثما يحل هو وأهله وماشيته، وكأن هناك توازيًا لا تفاضلًا في منزلة كل من الإنسان والوطن. وفي «الصحاح في اللغة»، ورد أن الوطن هو: «محلُّ الإنسان. وأَوْطانُ الغنم: مرابِضها. وأَوْطَنْتُ الأرضَ، ووَطَّنْتُها تَوْطينًا، واسْتَوْطَنْتُها، أي اتَّخذتها وَطَنًا».

ولم يخرج صاحب لسان العرب عن هذا المعنى، فالوطن هو: المنزل تقيم به، وأوطان البقر والغنم: مرابضها وأماكنها التي تأوي إليها[3]. ومن هذا يتضح أن الحمولة الذهنية للفظة وطن لم تشكل مفهومًا سياسيًا في الوعي العربي القديم، أو الوسيط، ولكنها شكلت موئلًا للحنين وآصرة للذكريات والعواطف الجياشة.

والرسول (صلى الله عليه وسلم) عبر عن حنينه إلى وطنه مكة وقال: «لولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت». و«الجاحظ» له رسالة بعنوان «الحنين إلى الأوطان» ومضمونها بالغ الدلالة في بيان علاقة الإنسان بموطنه وموطن آبائه وأسلافه.

ومن المعاني اللغوية لكلمة الوطن يتضح أيضًا أن رابطة انتماء العربي هي لقبيلته؛ فهي وطنه الأول الذي لا يفارقه حتى لو ارتحل بجسمه بعيدًا عن مضارب خيامها. وأن ولاءه ثابت لهذه القبيلة حيثما ارتحلت أو حلت. وهذه المعاني تفسر ولو جزئيًا: لماذا تأخر ترسيم الحدود الوطنية لكل دولة من الدول الحديثة في أغلب بلدان العالم الإسلامي، وبخاصة في البلدان العربية، إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى. وقد جرى الترسيم في نهاية الأمر وفق معايير سياسية استعمارية، لا وفق معايير قومية أو اجتماعية وسياسية وطنية.

عندما بدأ مفهوم الوطن يشكل أحد ثوابت الخطاب السياسي للدولة الحديثة في مجتمعات الأمة الإسلامية، بما فيها الأمة العربية، منذ ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، فإن هذا المفهوم، ومعه مفهوم القومية، كان في أزهى حُلَلِهِ الأيديولوجية التي اصطنعتها الأنظمة التوتاليتارية الفاشية والنازية والشيوعية في أوروبا، ولم توفر تلك الأنظمة وسيلة من وسائل التنشئة والتربية الوطنية إلا واستخدمتها لترسيخ الولاء للممسكين بأزمة السلطة، بدعوى أنه ولاء للوطن على نحو مبالغ فيه، ويتعالى على الأفراد، ويصبح أعظم ما يفعله هؤلاء هو أن يموتوا في سبيله ليحيا هو! وارتفعت شعارات تنادي بحياة الوطن لا بحياة الإنسان أو المواطن.

وبالفعل وقع الملايين قتلى في سبيل الوطن كما تصورته كل أيديولوجية من الأيديولوجيات المتصارعة في حروب القرون: التاسع عشر والعشرين وبدايات الحادي والعشرين، وما يقابلها من القرون الهجرية: الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر.

لستُ مع الفوضويين الذين يدعون إلى إزالة الحدود السياسية بين الأوطان؛ فهذه الحدود ذات وظيفة حمائية للإنسان، سواء كان مواطنًا أم عابر سبيل؛ ولكن يجب ألا تكون الحدود أسيجةً لظلم الإنسان، أو الاستبداد به، أو قهر المواطنين وإماتتهم. والوعي العربي المعاصر يعبر عن هذه المعادلة بالمثل الشعبي الذي يقول: «الجنة من غير ناس ما تنداس».

ولكي يكون الوطن آمنًا مستقرًا يجب أن تكون روح الإنسان فوق قيمة الوطن، وأغلى من طينه، وعكس ذلك لا يكون إلا في التوتاليتاريات الفاشية والنازية والقومية والشيوعية والثيوقراطية التي لا تنظر إلى الوطن في النهاية إلا كما قدمه لنا لسان العرب في أحد جوانبه بوصفه «مربط البقر ومأوى الغنم» فحسب، مع تجريده من أي مضمون معنوي أو عاطفي أو حقوقي أو أخلاقي.

مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير.

المراجع
  1. جريجوري السابع: نقلًا عن فون جيركه، الترجمة الإنجليزية لـ«مدينة الله» ص72، الكتاب الرابع، الفصل الأول.
  2. جاء في كتاب: آرنست كاسيرر، الدولة والأسطورة. ترجمة أحمد حمدي محمود، ومراجعة أحمد خاكي . القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1395هـ 1975م. ص321.
  3. ابن منظور، لسان العرب. بيروت: دار صادر، 2003م.جزء15، ص239.