جزيرة كوس اليونانية، تلك الجزيرة الساحرة التي تعتمد على عائدات السياحة في الأعوام الماضية، منذ ثلاثة أعوام نجدها مثقلةً بأعدادٍ غفيرةٍ من اللاجئين الذين أتوْا من المناطق المنكوبة إنسانيًّا؛ وخاصة سوريا والعراق وغيرهما من البلدان، ينتظرون أوراق ثبوتهم الشخصية في المدة المتاحة لهم للبقاء على الجزيرة، وهي 6 أشهر، ليلحقوا بحلم الانتقال للعيش في بلدان أوروبا الغنية.

اشتباكات بين شرطة اليونان ومجموعة من اللاجئين
اشتباكات بين شرطة اليونان ومجموعة من اللاجئين

الحكومة اليونانية في الجزيرة اكتفت بالإجراءات الإدارية، أي عملية الفي طلبات اللجوء، أما الناحية الإغاثية فقد تم الاهتمام بها من قبل المتطوعين والجمعيات المهتمة بشئون اللاجئين.

السلطات اليونانية قامت مؤخّرًا بتسريع عملية التحقق من الشخصية بالنسبة للاجئين السوريين؛ نظرًا لأنهم يشكّلون 80% تقريبًا من مجموع المهاجرين، وللاعتراف الدولي الذي حازه هؤلاء كأبناء بلدٍ منكوبٍ بالحرب، وبعد احتجاجاتٍ قاموا بها قوبلت بتدخّل الشرطة اليونانية؛ مما أثار ردود أفعالٍ أوروبيةٍ ودولية.

10 مليون نسمة هم سكان اليونان، الذى يعاني في الآونة الأخيرة من أزماتٍ اقتصاديةٍ واجتماعيةٍ طاحنة، وعبءٍ جديدٍ تحدق مخاطرُه بذلك البلد الصغير.


ممر العبور

يتخذ اللاجئون وخاصة السوريين ممراتٍ عديدةً للعبور إلى أوروبا؛ واحدٌ من أهمها عن طريق اليونان، وهو يعدّ الأكثر في استقبال اللاجئين، حيث أظهرت (فرونتكس) أن عدد المهاجرين لليونان في الفترة ما بين يناير إلى يونيو 2015، هي 132240 مهاجرًا أغلبهم سوريّون وعددهم 78190، يليه طريق غرب البلقان (المجر وهنغاريا) فمن 102342 مهاجرًا، هنالك 28729 مهاجرًا سوريًا في نفس الفترة.

وحسب المنظمة الدولية للهجرة، فأكثر من 430 ألف لاجئ وصلوا عبر المتوسط إلى أوروبا خلال عام 2015 بينهم 309 آلاف دخلوا القارة العجوز عبر اليونان.

وفي أغسطس 2015، أفادت المفوضيّة السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين بأن 124,000 لاجئٍ ومهاجرٍ وصلوا إلى اليونان عن طريق البحر حتى يوليو؛ ما يمثل ارتفاعًا بنسبة 750 % مقارنةً بالفترة نفسها من عام 2014.

بحسب مفوّضيّة الأمم المتحدة لشئون اللاجئين، فإنه في شهر يوليو/تموز وحده، بلغ عدد الوافدين الجدد إلى جزر ليسفوس، وخيوس، وكوس، وساموس، وليروس، 50,000 شخص
أي أكثر بـ 20,000 شخص مقارنةً بالشهر الماضي -؛ ممّا يشكّل زيادةً بنسبة 70 % تقريبًا.

تعتمد اليونان في ظل تتابُع تلك الموجات، على تمويل الاتحاد الأوروبيّ بشكلٍ كبيرٍ لإدارة الهجرة، والسيطرة على الحدود، وتسيير نظام اللجوء فيها من خلال صندوق اللجوء والهجرة والاندماج، الذي تم إنشاؤه في 2014، المقرر أن يحصل على ما يقرب من نصف مليار دولار من الاتحاد الأوروبي بين عام 2014 إلى عام 2020 من الاتحاد الأوروبي، بالإضافة للاتفاق على أن تستقبل الدول الأعضاء في الاتحاد 40 ألفًا من طالبي اللجوء من إيطاليا واليونان في الوقت الحالي في إطار نظام الحصص الذي تم إقراره أوروبيًّا.

وعلى الرغم من تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه أثينا؛ إلا أن الحكومة اليونانية بقيادة تسيبراس تحاول الوقوف في وجه التدخلات الألمانية الفرنسية، الأكبر مساهمةً في ميزانية الاتحاد الأوروبي، واللتين ع رضتا إنشاء قوة عسكرية أوروبية لحراسة الحدود اليونانية لمواجهة اللاجئين المتدفقين إلى أثينا؛ لكن الأخيرة أعربت عن رفضها لذلك الاقتراح.

على الجانب الآخر سعى تسيبراس لتمرير قانونٍ لتنظيم الهجرة واللجوء؛ إلا أن المعارضة اليونانية رفضت، مما أفشل مساعيه في الوصول لاتفاقٍ جديدٍ يخص اللجوء ويدعمه، لذا فالحكومة اليونانية تواجه عملية إحراجٍ سياسيّ قويّ خلال مساعيها لحل تلك الأزمة على ضوء خلفيّتها اليساريّة الراعية لحقوق اللاجئين؛ ولكن يظل جهدا محدودا فهل تستطيع التعلم من الاتفاق التركي الأوروبي فيما يخص قضية اللاجئين؟


الاتفاق التركي

يعتبر البعض ذلك الاتفاق الذي وقعته تركيا مع الاتحاد الأوروبية مساومة غير أخلاقية، وهناك من رآه رغبة من الدول الأوروبية لإبعاد خطر اللاجئين عن القارة الأوروبية، وينص الاتفاق الذي أبرمته تركيا مع الاتحاد على حصولها على 3 مليار يورو مقابل تحسينها لوضع اللاجئين داخل البلاد، إلى جانب استناف المحادثات بشأن عضويتها في الاتحاد الأوروبي، وإعفاء الأتراك من التأشيرة لدخول الاتحاد بدءا من أكتوبر 2016.

صورة من قمة بروكسل 29 نوفمبر بين الاتحاد الأوروبي وتركيا
صورة من قمة بروكسل 29 نوفمبر بين الاتحاد الأوروبي وتركيا
وينص الاتفاق كذلك على فتح الفصل السابع عشر من مفاوضات الانضمام الخاص بالسياسات الاقتصادية والنقدية اعتبارا من 14 ديسمبر 2015، إضافة لعقد قمتين سنويا لتعزيز التنسيق بينهما.

بالإضافة إلى أن الاتحاد الأوروبي وعد تركيا بأنه سوف يوزع أربعمائة ألف من اللاجئين السوريين الموجودين على أراضيها على دولهِ الأعضاء، بموجب الاتفاقية الأخيرة بينهما، وفي حال أخلّ الاتحاد الأوروبي بوعوده فيما يخص إلغاء التأشيرة عن الأتراك في الموعد المتفق عليه، فإن تركيا ستلغي هذه الاتفاقية.

لذا ففي ضوء تلك المكاسب التي جنتها أنقرة باعتبارها المعبَر الأساسي للاجئين وبخاصة السوريين والعراقيين، فيمكن أن تساوم اليونان أيضا باعتبارها هى وهنغاريا الدولتين الملاصقتين لتركيا، وباعتبار اليونان أكبر مستقبِل للاجئين، وخاصة السوريين. لذا فيمكن بهذا الاتفاق أن تؤسس اليونان لنفسها مدخلا عظيما لكسب المزيد من الدعم الاقتصادي من الاتحاد الأوروبي مقابل إيقاف تمدد موجة اللاجئين لداخل أوروبا، بالإضافة لتقوية موقفها بعدم سحب عضوية اليورو منها لأن ذلك سيؤدى لسقوط دفاعات أوروبا الأولية، وهي اليونان، التي تحميها من موجة اللاجئين.


هل يصبح اللاجئون ورقة اليونان الرابحة في مفاوضاتها مع الاتحاد الأوروبي؟

عقب أزمة المفاوضات اليونانية الأوروبية حول الديون اليونانية ووصول تسيبراس إلى سدة الحكم وإجرائه استفتاءً على خطة التقشف المقترحة من قبل الاتحاد الأوروبي وبالذات مجموعة الترويكا، فإن تكهنات عدة بخروج اليونان عن منطقة اليورو، وبعد انتخابه للمرة الثانية رد تسيبراس على هذه التكهنات بأن هذا الأمر مستبعد في الوقت الراهن، وبعد التدفق غير المسبوق منذ الحرب العالمية الأولى لللاجئين إلى الأراضي الأوروبية عموما وتحوله إلى منطقة شرق المتوسط في منذ منتصف العام 2015، أصبح أمر الانفصال أكثر استبعادا من أي وقت مضى؛ إذ أن بقاء اليونان في الاتحاد الأوروبي هو خيار إستراتيجي لكليهما رغم الاعتراض على الإجراءات التقشفية القاسية.

كما رسخت أزمة اللاجئين لدى اليونانيين وخاصة اليسار أن بلادهم ليس لديها أي مقومات لتحمل كلفة هذا الخروج بسبب استمرار العجز الكبير في ميزانيتها، والمستويات المرتفعة لديونها والبطالة، وعجز صادراتها عن المنافسة من دون أوروبا.

ورسخت أيضا مقولات المكانة الجيوبوليتيكية لليونان التي تقع في جنوب شرق أوروبا وتعتبر بوابة أوروبا على البحر المتوسط، وأي فشل لليونان سيصب لصالح تصاعد نفوذ التيارات الشعبوية والمتطرفة في اليونان، ومزيد من عدم القدرة على السيطرة على تدفقات اللاجئين وربما قدرة المتطرفين على التسلل إلى أوروبا عبر موجات اللجوء، ما سيؤدي إلى تفاقم التوترات المتزايدة في جنوب شرق أوروبا.

اليونان تستطيع سواء باستخدام التوجهات اليسارية الحالية وتوظيف أزمة اللاجئين إلى قلب الوضع من عبء إلى مزيد من الربح، بما يصب لصالحها وصالح بقائها، حيث إن انسحابها من الاتحاد الأوروبي سيعني تصدير أزمة اللاجئين للاتحاد الأوروبي بشكل أكبر، وعدم وجود خطوط دفاع أولية للاتحاد الأوروبي في وجه موجة المهاجرين، بالإضافة إلى أن قراءة اليونان للموقف التركي ستوضح لها حاجة الاتحاد الأوروبي لتصدير أزمة اللاجئين بالحلول الاقتصادية، وهذا منبع المشاكل اليونانية، لذا فتستطع استعمال تلك الحاجة للمساهمة في زيادة دعم الاتحاد الأوروبي لاقتصادها لكي تساهم بشكل أكبر في حل أزمة اللاجئين.