الحقيقة هي تواضع الرياضة الإسرائيلية على المستوى الدولي. لكنها كانت مجرد منتج نهائي للتاريخ الذي شكَّل الشخصية العامة للمجتمع الإسرائيلي. 
حاييم كوفمان، الباحث المُهتم بتاريخ الرياضة الإسرائيلية. 

كانت كرة القدم أحد أكثر النشاطات التي ازدهرت في السنوات الأولى للحركة الصهيونية على الأراضي المحتلة؛ لأن اليهود لم يشعروا بالألفة تجاه غيرها من الرياضات البريطانية المنتشرة أثناء الانتداب البريطاني على فلسطين مثل الكريكيت والرجبي. 

بالتالي كانت اللعبة منذ البداية شاهدة على كل التغيُّرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية لهذا المجتمع.

لكن الأهم هو أن هذه اللعبة طبقًا للمؤلفات الصهيونية نفسها يمكنها أن تسرد لنا تاريخًا طويلًا من الادعاءات الزائفة لهذا الكيان. فما القصة؟

الادعاء الأول: اليهودي الجديد

منذ نشأتها، حرصت الحركة الصهيونية، التي تأسست عام 1897، على يد تيودور هرتزل، على تغيير الصورة النمطية المأخوذة عن اليهود في أوروبا، الذين وُصِفوا في الأدبيات اليهودية نفسها بأبشع الأوصاف. 

وقبل أن تبدأ الحركة في البحث عن وطن قومي حديث يضم يهود العالم دعا الطبيب اليهودي ماكس نورداو، صديق هرتزل المقرب، إلى العمل على تغيير هذه الصورة النمطية، عبر ما عُرف بمصطلح «اليهودي الجديد» أو مفهوم «اليهودية العضلية»، التي تهدف لتنشئة أجيال من اليهود الأصحاء بدنيًّا. 

لم تكن أهداف الحركة الصهيونية المُعلنة بمطلع القرن الـ 20، والمتمثلة في إقامة دولة حصرية لليهود ذات هوية مشتركة، محل قبول جماعي داخل الدوائر اليهودية لأكثر من سبب: الأول هو سبب ديني محض تشبَّث به المتدينون. والثاني هو رفض اليهود ممن تم استيعابهم داخل المجتمعات الأوروبية لهذه الفكرة من الأساس. 

بشكل ما، تقاطعت الرياضة مع المسألة اليهودية في أوروبا. في ظل محاولات حثيثة للترويج لسمو العرق اليهودي – إن صح التعبير – منحتنا الحركة الصهيونية دليلًا لدحض نفس الفكرة، عن طريق كرة القدم. 

اعتبرت الحركة الصهيونية نادي «هاكوا فيينا» النمساوي بذرة النجاح اليهودية في أوروبا، بجانب عدد من الأندية الأخرى التي انتشرت متأثرة بمفهوم اليهودي الجديد، التي كانت بمثابة أبواق دعائية غرضها الأسمى هو نشر الأيديولوجيا الصهيونية التي تبشر بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. 

في كتابه «كيف تفسِر كرة القدم العالم؟»، يجادل المؤلف «فرانكلين فوير» في هذه السردية؛ يرى فوير أن كل ما قام به هذا النادي لم يكن سوى تأكيد على شيء واحد وهو رفض الصهيونية من اليهود أنفسهم. لأن الفريق الذي كان مكونًا بالفعل من لاعبين يهود، وله اسم عبري يعني القوة، يرتدي زيًّا تتوسطه نجمة داود، لم يحقق أي نجاح إلا عندما أغرى مجموعة من اللاعبين اليهود الذين كان قد تم استيعابهم بالفعل داخل مجتمعات المجر والنمسا برواتب وصلت لثلاثة أضعاف رواتبهم. 

في سياق متصل، وعلى أرض فلسطين التاريخية، كانت الاتحادات الرياضية اليهودية تستغل المحافل الرياضية في مرات لفرض السيطرة على تاريخ فلسطين الرياضي عنوة عبر اللعب باسم فلسطين بالمنافسات الرسمية، وفي أخرى، عبر تنظيم مسابقات رياضية ضخمة مثل «ألعاب مكابي»، التي انطلقت عام 1932، كمسابقة رياضية يتنافس فيها اليهود من كل دول العالم، للتحايل على نظام الهجرة البريطاني لتوطين أكبر عدد ممكن من اليهود داخل فلسطين. 

 

طبقًا للياحث الإسرائيلي «حاييم كاوفمان» كانت هذه التطورات التي تفخَر بها المراجع الرياضية الإسرائيلية مجرد ستار للأنشطة الأمنية للحركة الصهيونية في فلسطين. 

الادعاء الثاني: فرض الهيبة 

في السنوات الأولى بعد النكبة وتهجير نحو 750 ألف فلسطيني من أراضيهم، استخدم الصهاينة الرياضة كأداة لكسب الاحترام والهيبة، وعلى الرغم من الفشل الرياضي الذريع، بخاصة في كرة القدم، لم يكن اللاعبون المتواضعون طبقًا للمؤلفات الإسرائيلية سوى سفراء للدولة التي تمت إقامتها غصبًا، هدفهم ليس لعب كرة القدم التي لم يكونوا مميزين فيها على أي حال، لكن العمل كسفراء، يحملون تذكارات وكتيبات عن إسرائيل بكل محفل خارجي، يدعون اليهود من كل حدب وصوب لزيارة بلادهم، ولمَ لا الإقامة فيها دائمًا. 

طبقًا لـ«رؤوفين دافني»، أول وزير رياضة إسرائيلي، فالرياضة أداة تعليمية، تمنع الجنوح وتوحد الأمة وتُعزز روحها القتالية. في الواقع، يتوافق مع هذا الزعم رياضي بارز آخر، يُدعى «إيمانويل خيل»، الذي ادعى بشكل أقل دبلوماسية أن الهدف من الرياضة في دولة إسرائيل كان تحمُّل الألم، التغلُّب على الخوف، وعدم التراجع للحظة عن قتال العدو وتكريس الروح والجسد لتحقيق غايات الأمة. 

بغض النظر عن المفردات المستخدمة أعلاه، والتي تُحمِّل الرياضة ما لا تحتمله؛ تظل هذه العبارات مؤشرًا على نظرة الصهاينة للرياضة كهدف للقتال وليس تهذيب النفس. وربما يرجع ذلك للطبيعة السياسية التي نشأت عن طريقها الرياضة في ذلك البلد، حيث سيطرت الأحزاب السياسية على الرياضة، لتحقيق أجنداتها كافة. 

لكن الحقيقة أن هذا المجتمع الذي نبت من العدم، وإن بدا متحدًا، يظل متفككًا. ومجددًا، تكشِف لنا كُرة القدم الاختلاف الجذري بين ادعاءات المسئولين العريضة وبين الحقيقة على الأرض الواقع. 

في ورقة بحثية نشرت عام 2023، سرد الباحثان الإسرائيليان «موشيه ليفي» و«عُدي كارمي»، تعارُض الآراء حول الهدف من الرياضة داخل المجتمع الإسرائيلي خلال السنوات الـ 30 الأولى من تأسيس الدولة. 

حتى السبعينيات من القرن الماضي، كانت الرياضة تعمل بنظام الهواية، حيث حُظر حصول أي رياضي على مقابل مادي عبر ممارستها. وكان ذلك التوجُّه مدعومًا من الحزب العمالي الذي سيطر على الحياة السياسية منذ النكبة وحتى تلك اللحظة. ويعود رفض فكرة الاحتراف لرغبة المسئولين في الحفاظ على مبدأ المساواة، الذي اتخذه الحزب كأهم قيمة. 

في الخمسينيات، كان لاعبو كرة القدم الإسرائيليون مثل معظم دول العالم ينحدرون من طبقات متوسطة، لم تمكنهم ظروفهم الاجتماعية من إكمال دراستهم، بالتالي فشلوا في الحصول على وظائف تضمن دخلًا ثابتًا بجانب كرة القدم كهواية. 

مجددًا، يبدأ التحايل، حيث دفع رؤساء الأندية الأموال لهؤلاء اللاعبين من تحت الطاولة، على شكل نفقات للسفر، مكافآت … إلخ. لكن ذلك لم يكُن كافيًا بالنسبة للاعبين، الذين يبدو أنهم لم يكونوا مؤمنين بفكرة الرياضة التي تهدُف لحماية الوطن، وفضلوا الرياضة التي يجني المرء المال من خلالها. 

في ذلك الوقت، كانت قد ظهرت شركة «Egged» للنقل، التي كانت شريكًا استراتيجيًّا للحركة الصهيونية، والتي عملت بمثابة مُعوِّض مثالي لاحتراف كرة القدم في إسرائيل، حيث ضمنت وظيفة السائق، للاعب محدود التعليم، أجرًا، وساعات عمل تتناسب مع لعبه لكرة القدم، دون الحاجة للتحايل على القانون. 

مع الوقت، اتضح أن هذه الفكرة أيضًا ليست كافية بالنسبة للاعبين، وبالمناسبة يبدو هذا الطرح منطقيًّا جدًّا، فهجرة اليهود إلى أرض فلسطين ابتداءً كانت مرهونة بحصولهم على دفعات ضخمة من الأموال. لذا، كان منطقيًّا أن يطالب اللاعبون – إضافة لأجورهم من شركة النقل – بحصص من أسهم الشركة، أو يغادرون إسرائيل للعب بأي دوري آخر. 

ولأن الفكرة من قيام هذه الدولة هي الحشد، رضخ رؤساء الأندية لطلبات اللاعبين، ليس بسبب تفرُّدهم، بل لأن هجرة أعداد كبيرة من اليهود لخارج إسرائيل أيًّا كانت الأسباب، لم تكن فكرة مطروحة على طاولة النقاش من الأساس. 

الادعاء الثالث: الصهيوني الذي يحب الجميع

بالطبع، كانت آخر ادعاءات هذه الدولة المزعومة هي قبول الآخر داخل مجتمع متجانس يعيش الجميع داخله سواسية. وتسوق القيادة السياسية هذه الكذبة كدليل نفي لسجلها الدموي مع حقوق الإنسان في فلسطين على مدى نحو 75 عامًا. 

في الواقع، لم نأتِ بهذه الاتهامات من أي أرشيف عربي، بل هذا ما كتبه جوناثان ليو، كاتب جارديان البريطانية في مقاله الذي جاء بعنوان: «يرتبط الغسيل الرياضي بدول معينة – لماذا لا يرتبط بإسرائيل؟». داخل المقال، أشار جوناثان لحقيقة أن الاستثمار الرياضي في رياضة الدراجات الهوائية مؤخرًا، أو محاولة جلب منتخب عالمي مثل الأرجنتين للعب في الأراضي المحتلة ليس سوى محاولة لتشتيت انتباه العالم عما يحدث من جرائم داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة. 

المثير، بالنسبة لليو، كان أن الإعلام الغربي لم يملَّ من الحديث عن غسيل السمعة عبر الرياضة في بلاد مثل: المملكة العربية السعودية، قطر، والصين، على الرغم من أن جرائم إسرائيل وسجلها السيئ مع حقوق الإنسان موثق بشكل جيد. 

في الواقع، ربما لن يحصل ليو على أي إجابة، سوى تحذيرات ضمنية بعدم الحديث مجددًا عن هذه المساحة الحساسة، بخاصةً أن جهود غسيل السمعة الرياضية الإسرائيلي قائمة بالأساس على الاستثمار في رياضة مثل ركوب الدراجات الهوائية؛ والتي تعد رياضة بلا جماهير قادرة على التعبير عن آرائها السياسية، على عكس رياضة كرة القدم، التي يمكنها بكل بساطة تفنيد سجل إسرائيل السيئ مع الفلسطينيين، والأهم مع من يحملون جنسيتها من العرب. 

من السهل جدًّا الوصول لعشرات حوادث العنصرية التي يتعرَّض لها لاعبو كرة القدم الأجانب داخل الدوري الإسرائيلي، لكن الجديد هنا أن الأمر ليس حكرًا على مشجعي نادي «بيتار أورشليم» المتطرفين، الذين يعلنون رغبتهم في فناء أي عربي مسلم صراحةً داخل أرض الملعب، لكن الحقيقة أكثر سوءًا من ذلك. 

في 2023، نشر الباحثان الإسرائيليان «جادي هيتمان» و«أميخاي ألبيروفيتش» ورقة بحثية بعنوان: «الإقصاء والإدماج والهويات المتعددة للأقلية القومية: لاعبو كرة القدم الإسرائيليون في المنتخب الوطني». 

أجرى الباحثان مقابلات مع ستة من لاعبي كرة القدم الإسرائيليين العرب خلال الفترة بين ديسمبر/كانون الأول 2019 وفبراير/ شباط 2020. وشملت المقابلات سؤال اللاعبين عن عدة نقاط محددة مثل: كيفية التعامل مع اليهود في الفرق المحلية والمنتخب الوطني، مدى استيعابهم داخل المجتمع الإسرائيلي، موقفهم من الجماهير. 

أولًا، عرَّف كل اللاعبين أنفسهم كعرب في البداية ثم فلسطينيين، ثم مواطنين إسرائيليين. وتفسير هذا الترتيب سهل جدًّا؛ لأنهم، كعرب، محرومون من بعض الحقوق مثل: حق انتخاب أعضاء البرلمان وغيرها من الحقوق التي لا زالت تُقدَّم بشكل حصري لليهود. بالتالي فهم جزء من الدولة داخل أرض الملعب فقط، أما بعد المباريات فليسوا سوى جزء من أقلية محرومة. 

ثانيًا، اعترف الجميع أنهم سبق لهم أن تعرضوا لهتافات عنصرية داخل الملاعب أثناء مباريات المنتخب والأندية، بل إن الأمر يصل أحيانًا لتعرضهم لحوادث عنصرية من قِبل زملاء بنفس الفريق. 

في الواقع، نعلم جميعًا أن كل ادعاءات الصهاينة زائفة، وأن هذه الدولة المزعومة أقيمت عن طريق إغراء مجموعة من أشباه البشر بالمال لاستيطان أرض لا يملكونها، وأن إسرائيل الحديثة المتسامحة ليست إلا حملة دعائية يروَّج لها بشكل رديء، بينما لم تكن كرة القدم سوى مساحة جديدة لفضح كذبة عمرها أكثر من 100 عام.