لكل إنسان مكان يرتبط به، يصبح بمثابة الركن الذي يأوي إليه، وعندما يتقدم في العمر يصبح المنشأ هو المأوى.
«نجيب محفوظ» إلى تلميذه «جمال الغيطاني» حينما سأله عن علاقته بحي الجمالية. [1]

حتّى فترة قريبة كنت أؤمن تمامًا أن أعظم طفولة في الريف. لا شيء يسد أفق الطفل، مساحات شاسعة ومهولة من الأراضي الزراعية تتخللها بيوت طينية أو حتى مسوخ من الحجر الأحمر كما هو موجود الآن. يخرج الطفل منذ الصباح ولا يعود إلى البيت إلا عند المساء.

مساءً؛ يعود أطفال الريف إلى البيت وذاكرتهم مُكدسة بالحكايات التي ستصير بعد سنوات ذكريات لا أجمل منها. يأكلون طعام الغداء والعشاء معًا ثم يخرجون للعب في الشارع، عسكر وحرامية والغميضة وبلطج بلاطج والبطنجانة، وهناك ألعاب كنّا نلعبها ونحنُ صغار لم أجد لها أثرًا في كتاب أو ثقافة أخرى غير ثقافة عزبة الحفر.

في اللّيل، نجوم السّماء واضحة، فمن يقدر على إضاءة هذا الأفق المظلم غير النجوم! تنشط حكايات العفاريت التّي لا يكفيها كل ورق العالم. الطفل الذي ينمو ويكبر في هذا الأفق المفتوح ووسط هذا الكم من الحكايات والخرافات بالتأكيد سيكون طفلًا مختلفًا.

إلا أنني اكتشفتُ مؤخرًا أنّ طفلًا آخر ينافس طفل الريف في مضمار الطفولة السعيدة، هم الأطفال الذين نشأوا وتربوا بين أزقة وحارات وآثار «مصر القديمة».

في تُحفته التلفزيونية والورقية «تجليات مصرية» يسرد الكاتب الكبير «جمال الغيطاني» طفولته في حي الجمالية وهو يمشي ويُسافر بين الأماكن ليسرد حكاية كلّ مكان، كلّ حجر، وحكاية الحجر هي حكاية منْ حملوه ومنْ مرّوا من أمامه، ومنْ اشتكوا الدنيا إليه، ومنْ آواهم حينما كان جزءًا من بيت أو مقبرة. حكاية كلّ حجر أكبر مما نظن، ومنْ قال أنّ الأحجار لا روح فيها؟

وجدتُ تشابهًا كبيرًا في أن أطفال أحياء مصر القديمة كانوا يخرجون ويسيحون في الشوارع، يسرد الغيطاني أن والديه كانا يأمرانه ألّا يتجاوز شارع الأزهر، فكان شارع الأزهر هو الفاصل بين عالمه وعالم آخر يود ويشتهي معرفته.

الطفل الذي ينشأ بين الآثار الإسلامية ومساجد المماليك وحكاياتهم الدموية ومآذن مساجد العثمانيين النحيلة والخالية من الزخارف ومحمد على باشا وأولاده والمسافر خانة والأسبلة والقلعة وأبواب القاهرة وسور مجرى العيون، ورأس الحسين التي طارت من كربلاء إلى مصر في أربعين ليلة حتّى سقطت بين يدي سيدة فقيرة اسمها أم الغلام، لأنها افتدت رأس الحسين برأس غلامها الذي كان يجلس بجوارها وهي تبيع في السوق. الطفل الذي نشأ بين المجاذيب حول مسجد الحسين، مثل المرشال علي، هذا الطفل بالتأكيد سيكون مختلفًا عن الطفل الذي نشأ وتربى بين أربعة جدران وسجن اسمه الشقة، فأين الذكريات؟!

يقول محفوظ في «أولاد حارتنا»:

يروق لي اللعب في الساحة بين القبور والتكية. ومثل جميع الأطفال أرنو إلى أشجار التوت بحديقة التكية. أوراقها الخضر هي ينابيع الخضرة الوحيدة في حارتنا. وثمارها السود مثار الأشواق في قلوبنا الغضة. وها هي التكية مثل قلعة صغيرة تحدق بها الحديقة، بوابتها مغلقة عابسة، دائمًا مغلقة، والنوافذ مغلقة، فالمبنى كله غارق في البعد والانطواء والعزلة، تمتد أيدينا إلى سوره كما تمتد إلى القمر. وأحيانًا يلوح في الحديقة ذو لحية مرسلة وعباءة فضفاضة وطاقية مزركشة فنهتف كلنا: «يا درويش… إن شا الله تعيش». ولكنه يمضي متأملا الأرض المعشوشبة أو يتمهل عند جدول ماء، ثم لا يلبث أن يختفي وراء الباب الداخلي…
«من هؤلاء الرجال يا أبي؟»
«إنهم رجال الله..» [2]

في «تجليات مصرية» يُخصِّص الغيطاني حلقات لـ «قاهرة نجيب محفوظ»، يُشبهّه بـ «كولومبوس»، فكما اكتشف كولومبس الأمريكيتين اكتشف محفوظ القاهرة وأزقتها وحواريها. لنكتشف نحنُ أنّ محفوظ كان يسرد لنا القصص التي رأتها عيناه في الحارة المصرية، مثل «زقاق المدق» و«قصر الشوق»، وكلها أماكن ما زالت إلى اليوم، بل إن الغطياني قابل بعض أحفاد أبطال روايات نجيب محفوظ.

محفوظ كان يُخبرنا بما رآه وهو طفل صغير، ثم وهو شاب.

ثلاثة عشر عامًا أمضاها في الجمالية، مُطلاً على العالم من نافذة البيت في ميدان بيت القاضي، مُتابعًا ما يجري في الميدان، في قسم البوليس المواجه. في درب قرمز الذي لعب فيه مع أصحاب الطفولة، في حارة الكبابجي التي يقع فيها الكُتّاب الذي تعلم فيه تمييز الحرف من الحرف قبل التحاقه بمدرسة بين القصرين الابتدائية. [3]

قدّم الغيطاني أستاذه وصديقه «نجيب محفوظ» أفضل ممّا قدم محفوظ نفسه خلال لقاءاته التلفزيونية، ففي «تجليات مصرية» قدّم الغيطاني محفوظ إلى فئة كان محفوظ يُسميها «المتعلم غير المثقف».

يُخبرنا الغطياني أنه حينما أبصر محفوظ نائمًا فوق سرير المرضى في مستشفى الشرطة في المرض الذي مات فيه، كان ينظر إليه على أنه تاريخ فوق سرير المرض.

بموت محفوظ مات الكثير من التاريخ، فكما تقول فيرجينيا وولف: «لا شيء يحدث ما لم يُدوّن». ونجيب محفوظ عاصر تاريخ مصر منذ ثورة 1919، وذاكرة الكاتب تختلف عن ذاكرة الإنسان العادي، فهي كاميرا ترصد أدق التفاصيل ثم تُعيد صياغتها في قصّص مُسلية.

وكما قال في عيد ميلاده الأخير: «عشنا وشفنا العجب».

نقتل أطفالنا، كما قتلتنا المدينة، وكأننا ننتقم منهم ونُذيقهم من نفس الكأس؛ سجن المدينة. حتّى وإن أفرجنا عنهم، لم تعد الشوارع مُزدحمة بالحكايات كما كانت.

المراجع
  1. جمال الغيطاني، “تجليات مصرية جوالات في القاهرة القديمة: قصائد الحجر”، دار نهضة مصر للنشر، ص58.
  2. نجيب محفوظ، “أولاد حارتنا”، مكتبة مصر، ص3.
  3. “تجليات مصرية”، مرجع سبق ذكره، ص57.

مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير.