في أيامنا هذه يمكنك تشبيه سلوك لاعب كرة القدم ووصفه بأنه قريب من سلوكيات وتصرفات الأطفال، فهو يسعى للدلال دومًا ويبحث عن المزيد من الأموال ولا يهمه عادة ما يحصل حوله في قضايا المجتمع، ولا يبدي رأيه فيما يحصل خارج نطاق اللعبة، وهذا التوصيف ينطبق على الغالبية العظمى من لاعبي الجيل الحالي، فهم يتجنبون الخوض فيما يمكن أن يؤثر على سمعتهم أو يعرضهم لبعض الانتقادات. لكن هناك دائمًا رجال ومواقف رجولية عبر التاريخ الرياضي، من محمد علي وموقفه الرافض للحرب على فيتنام، إلى سقراط الذي جابه النظام الديكتاتوري في البرازيل بتأسيسه لتجمع ديمقراطي في فريقه كورينثيانز، وانتهاءً ببطل القصة اليوم، وهو رود خوليت أحد رموز الكرة الهولندية والمعروف بـ « زهرة التوليب السوداء ». خوليت الذي عبر عن رفضه للتمييز العنصري بشكل علني ومن دون أي تردد من خلال مواقفه وأغانيه ضد نظام الفصل العنصري، دعمًا للحق ورفضًا للظلم.


مُعاناة مُبكِرة

ولد رود خوليت في أمستردام لأب سورينامي وأم هولندية بيضاء البشرة، وعانى خوليت من العنصرية في سن مبكرة، وكانت روتينًا في حياته اليومية داخل الملعب وخارجه. كان أول صدام له مع العنصرية عندما تعرض للاعتقال وهو في الثالثة عشرة من عمره، حيث تم اتهامه بسرقة بعض ألواح الشوكولاتة من أحد المتاجر، وذلك عندما حاول زميله صاحب البشرة البيضاء سرقة ألواح من الشوكولاتة، وقرر رجل الأمن اعتقال خوليت فقط، وذلك بسبب لون بشرته المختلف. الأمر كان صعبًا في البداية ولم يكن التعامل معه شيئًا سهلاً، ويعتقد خوليت أنه نضج وكبر بسرعة بسبب هذه الحادثة؛ لأنها جعلته يفهم ما هي طبيعة العالم وحقيقته.

لكن لاحقًا قرر خوليت أن يتعامل مع الأمر بشكل إيجابي وألا يشعر بالغضب أو الأسف كونه أسمر البشرة. وفي الوقت ذاته استمرت المضايقات والصدامات العنصرية، وخاصة عندما بدأ مسيرته المهنية الاحترافية، حيث تعرض للعديد من المضايقات من مدربه عندما كان لاعبًا لنادي فينورد الهولندي الذي ناداه بـ« blackie » أي الأسود. وفي مناسبة أخرى خلال مباراة ودية أمام نادي سانت مارين في أسكتلندا كانت الجماهير تقلد صوت القرود مع لمس خوليت للكرة، وأخيرًا في ميلان عندما تعرض بصحبة زميله ومواطنه ريكارد للعبارات العنصرية من جماهير ميلان والأندية الإيطالية عمومًا.

عندما تتعرض لهذه المضايقات البشعة عليك أن تظهر بشكل مختلف لكي تجذب الأنظار إليك، وتحول هذا الأمر لشيء إيجابي، لذلك قررت ان أطيل شعري، وأقول للناس انظروا إلى هذا الطفل الجميل صاحب الشعر الأجعد، لم أشعر بأنني مختلف عن أي شخص آخر
رود خوليت، عن تعرضه للعبارات العنصرية

لا للظلم، وفي صف الحق دومًا

خوليت ليس لاعبًا لكرة القدم فقط، فقد كان مهتمًا بالموسيقى منذ طفولته، حيث كان مولعًا بموسيقى الريجي التي أثرت به كثيرًا وجعلت منه شخصًا أكثر وعيًا بشأن قضايا الظلم والعنصرية، حتى أنه اتجه لغناء هذا النوع من الموسيقى وسجل العديد من الأغاني التي دافعت عن المضطهدين والمظلومين من قبل نظام الفصل العنصري.

https://www.youtube.com/watch?v=iDDHiJqsQas

جميع هذه المواقف والتجارب جعلت من خوليت شخصًا يبغض الظلم ويقف ضده، ومدافعًا عن الحق وفي صفه على الدوام، وأحد أشهر مواقفه على الإطلاق وأكثرها استثنائية وفجائية كانت لحظة تتويجه بالكرة الذهبية عام 1987. عند استلام خوليت الجائزة قام الهولندي بإهدائها إلى ماديبا «نيلسون مانديلا» تكريمًا لمسيرته النضالية ضد الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، في تلك الآونة كان مانديلا لايزال مسجونًا، حيث تم سجنه في عام 1962 -هو العام ذاته الذي ولد فيه خوليت- وأُفرج عنه عام 1990.

مانديلا يعني الكثير بالنسبة لي وبالنسبة للعديد من الشباب حول العالم، ألقي القبض عليه في عام 1962 وهو نفس العام الذي ولدت فيه، ومن الصعب أن نتصور أن شخصًا ما كان في السجن طيلة الفترة التي كنت فيها على قيد الحياة
رود خوليت متحدثا عن مانديلا

من أجل الإنسانية

خوليت لم يعتبر أنَّ تحقيقه للكرة الذهبية بمثابة مجدٍ شخصي بالنسبة له، بل طمح إلى استغلال الهالة الإعلامية للحدث من أجل التعبير عن رفضه لهذه السياسات العنصرية التي تحدث في العالم، وأيضًا للوقوف بجانب المظلومين والمضطهدين. خوليت كان صادقًا ولم يتردد البتة في قول الحقيقة التي تغاضى عنها الجميع في أوروبا، بل إن الجميع تساءل حينها من يكون مانديلا؟

هذه اللفتة الإنسانية خلقت الكثير من الجدل الإعلامي، وخاصة في إيطاليا التي كانت وما زالت تعاني من هذه الأحداث العنصرية. خوليت كان لاعبًا لنادي أي سي ميلان في تلك الفترة، ولم تتقبل الأوساط الإعلامية موقفه بصدر رحب كونه رياضيا يتكلم في السياسة، وسخروا منه لأن لديه بعض المعتقدات والآراء السياسية، وبدَا الأمر أقرب إلى الفضيحة والعار من وجهة نظر الصحافة الإيطالية.

لم يكن الأمر سياسياً بالنسبة لي، لقد كان إنسانيًا، مانديلا كان مصدر إلهام للشباب ليس فقط في هولندا وأوروبا، بل في العالم أجمع، ولم أقف بجانبه «مانديلا» وأدعمه لأنه رجل أسود، فأنا معجب به لعديد الأسباب وليس بسبب بشرته، أمي من البشرة البيضاء، وأنا ابنها وفخور بذلك. قابلت العديد من الاشخاص البيض، وأنا معجب بهم كثيرًا، وقوفي بجانبه هو أمر إنساني يتعلق بالظلم ودفاعًا عن الحق
رود خوليت، دفاعًا عن موقفه

اللقاء المنتظر

التقى خوليت مانديلا في العديد من المناسبات، كان آخرها في عيد ميلاده الـ 89 عندما لعب مباراة أقيمت في جزيرة روبين، وهي المكان الذي سجن فيه مانديلا. والتقى خوليت أيضًا عددا من أصدقاء مانديلا في السجن، وحدثوه عن موقفه الداعم لمانديلا عام 1987.

قمت عام 2004 بزيارة جزيرة روبين، واجتمعت هناك مع ثلاثة أشخاص كانوا زملاء نيسلون مانديلا في نفس الزنزانة، وذكروا لي تلك اللحظة التي كرّستها لمانديلا في عام 1987، وقالوا إنهم لم يستطيعوا تصديق ما فعلت، وقالوا لأنفسهم بأنه من المؤكد سيتم سحب الجائزة من قبل السلطات المسئولة عن كرة القدم، وهذا ما فعله الفصل العنصري لهم، جعلهم يعتقدون أن الظلم جزء طبيعي من الحياة
رود خوليت عن لقائه بأصدقاء مانديلا في جزيرة روبين

لكن أهم لقاء كان بين خوليت ومانديلا حصل في عام 1994 بعد خروج الأخير من السجن بأربعة أعوام، التقاه خوليت في أمستردام خلال حفل خيري قدم فيه خوليت نسخة من كرته الذهبية التي أهداها لمانديلا في عام 1987، بالنسبة للكثيرين كانت أعظم لحظة تتويج للكرة الذهبية، تتويج صادق لجائزة فقدت قيمتها كثيرًا في عصر أصبح خاليًا من القيم الحقيقية، فكانت كرة ذهبية من أجل العدالة، وفي سبيل الكفاح ضد سياسة الفصل العرقي والعنصري.

الآن لدي الكثير من الأصدقاء وبعضهم يدعون ذلك، لكن فيما مضى عندما كنت داخل السجن، كنتَ من القلائل الذين حظيت بصداقتهم ودعمهم، كنتَ أحد المدافعين عني.
مانديلا مخاطبا خوليت عند لقائهما 1994

أما خوليت فعبر عن فرحته العارمة بتحقيقه للحلم الذي طال انتظاره وقال:

لقد كان الحلم الذي أصبح حقيقة، كنت عاطفيًّا جدًا عندما كنت معه، ولكن هذا لم يكن غريبًا، كنت أتطلع إلى الاجتماع معه لفترة طويلة