الوعي المجتمعي العربي السائد يتوارث الذكورية- بنرجسيتها المفرطة- على أنها عادة محببة وعامة، بخاصة في الفترات الأخيرة. حيث امتزجت فكرة الرجل بذكوريته، سواء بقدرته على الإنجاب من بداية زواجه، ووصولاً لولايته على المرأة التي يُساء فهمها على أنها قوامة تشريف لا تكليف. وعليه فإن المجتمعات العربية تعاني من انحطاط خطير فيما يتعلق بالوعي المجتمعي الشامل وما يندرج تحته من الأخلاق ومعاملة المرأة. بل وتتمادى هذه الظاهرة بحصولها على تبريرات مُغلّفة بخطاب ديني مُساء فهمه.

وتعتبر جملة «النساء ناقصات عقل ودين» أصدق تمثيل على هذا الأمر. حيث تم اقتطاعها من الحديث وبناء تأويلات خطأ حولها. فالحديث أخرجه الشيخان في صحيحيهما: صحيح البخاري (1/68) وصحيح مسلم (1/86)، واللفظ للبخاري بسنده عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَ:

خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَضْحَى أَوْ فِطْرٍ إِلَى المُصَلَّى، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ» فَقُلْنَ: وَبِمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ»، قُلْنَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَلَيْسَ شَهَادَةُ المَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ» قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: «فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا، أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ» قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: «فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا».

يُبيِّن هذا الحديث أن الحوار بين الرسول (صلى الله عليه وسلم) والنسوة كان في مناسبة سعيدة، فهل الرسول الذي يتّبع الآية: «وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ» (سورة آل عمران: آية 159)، سيقوم بمحادثة النساء بطريقة اتهامية ويُنغِّص عليهن في هذه المناسبة؟! كما أنه من خلال الحديث يظهر المقصود بناقصات عقل ودين، من حيث تفسيرهن من قبل رسول الله، لا من قبل تأويلات أحد آخر.

علاوة على ذلك فإن الشيخ «ابن باز» يرفع الشبهة عن الإسلام في هذا المقام بقوله: لكن هذا النقص ليست مُؤاخَذةً عليه، وإنَّما هو نقص حاصلٌ بشرع الله، عزَّ وجلَّ، وهو الذي شرعه، سبحانه وتعالى، رفقًا بها وتيسيرًا عليها؛ لأنَّها إذا صامت مع وجود الحيض والنفاس أضرها ذلك. أي أنه نقص بالتكاليف الدينية لا بالدين نفسه.

وعلى الرغم من ذلك، فإن غالبية المجتمع تستند إلى «ناقصات عقل ودين» كقاعدة جوهرية في تعاملهم مع المرأة. فبالنسبة لهم هذه العبارة تُخوِّل لهم عدم أخذ رأيها أو حتى الاستماع لها، بل تُقنعهم أيضاً بأن المرأة فاقدة للأهلية ولا تستطيع اتخاذ قراراتها بنفسها. وعليه فإن المرأة إن نشأت مع عقلية ذكورية تتمسك بهذا المفهوم فستؤمن- في حالات كثيرة- به أيضاً، بل سيكون من السهل أن تدافع عن هذه الفكرة بشراسة وأن تَلُوم المرأة الأخرى، والأسوأ من ذلك أن تَلُوم نفسها.

وبهذا يكون السلاح الأقوى للرجل الذكوري بتداوله هذا الحديث وتبريره مجتمعياً باقتطاعه من الحديث نفسه، بل ووضع تأويلاته الخاصة حول أن المرأة لا تتساوى مع الرجل، وأن الرجل أعظم شأناً منها، وهذا أمر لم يُثبَت في الدين، ولم يُثبَت علمياً نقص القدرات العقلية للمرأة مقارنة بالرجل، بل العكس في أحيان كثيرة. فالقدرات العقلية تتعلق بالعقل نفسه لا بالنوع الاجتماعي للفرد.

ولعل الظاهرة الأخطر هي إيمان النساء بينهن بنقصان عقلهن ودينهن، وأن قوامة الرجل على المرأة قوامة تشريف لا تكليف. وبالتالي تميل المرأة إلى اعتقادها بأنها بحاجة ماسة إلى الحماية وإلى الرجل في حياتها. وعلى صحة هذا الاعتقاد، لكن لا بد من الاعتراض على دواعيه، فالمرأة لا تستطيع الاستمرار بحياتها دون الرجل من باب العاطفة والمشاركة في الحياة لا من باب التعنت والعنف واللجوء للحماية.

يستمر الوعي الذكوري في التجذر في المجتمع من خلال تنشئة الأبناء، فحين يرى الطفل أن أباه يضرب أمه أو أخته ولم يردعه أحد فسيعتقد أن تصرف أبيه تصرف طبيعي بل وحميد، وهو يحاول الحفاظ على شتات الأسرة وتأديبها. فبالتالي سيسلك الطفل نفس سلوك الوالد في حياته وفي زواجه. حيث إن الأطفال يستقون معرفتهم الأولى من البيت، أي الأسرة.

وزيادةً على ذلك، فمبدأ فصل الإناث والذكور في العملية التعليمية، بخاصة في المرحلة الأساسية والجامعية، يمنع الطرفين من التعامل مع بعضهما البعض، وبالتالي تكون هناك صعوبة في إيجاد قاعدة فهم مشتركة عن احتياجات الطرفين. فلا يستطيع الرجل التعامل مع المرأة لجهله بكينونتها، كما لا تستطيع المرأة التعامل مع الرجل من مبدأ فهمه لعدم تعاملهم مسبقاً من بعضهم البعض. وبالتالي إن تُوجت علاقتهما بالزواج فسيكون زواجًا لإنجاب الأطفال فقط لا غير، وغير متوافق مع الآية الكريمة «لتسكنوا إليها» في أحيان كثيرة. وهذا بدوره يضر المنظومة المجتمعية بشكل تراكمي ويكون أشبه بالركض في متاهة.

وبناءً على ما سبق، يُلاحظ في المجتمع العربي تزايد الاعتراف بتعرّض النساء للعنف في منازلهن، وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على مدى استفحال وتوغل هذه المفاهيم المغلوطة داخل المجتمع، والتي لا تمت بصلة إلى الدين الإسلامي، لكون المجتمعات العربية ذات أغلبية مسلمة.

والأسوأ من ذلك عدم اقتصار هذه المفاهيم على العنف، بل وتبريره وصولاً إلى تبرير جرائم قتل النساء وتسميتها بأنها جرائم الشرف. ومن المؤسف تمادي القوانين في المجتمعات العربية مع هذه الظاهرة وتقليل العقوبة على الجاني لكونها جريمة شرف. ولأنه ذكوري عليه أن «يُنظِّف شرفه بيده»، ومن ثَمَّ يحل الأمر بفنجان قهوة مرة، وهذا الأمر ليس من الدين بل من العادات والتقاليد التي تُشكِّل الثقافة السائدة في المجتمع.

كثيرٌ من النساء يتعرضن للعنف والتهديد والتحرش وسرقة أحلامهن وطموحهن، وذلك عن طريق استغلال الدين، وإلصاق مفاهيم سامة مجتمعيًا به، وإدماجها في إطار المجتمع الأبوي، ونبذ كل منْ يحاول الخروج من تحت هذه القلنسوة. وعليه فإن المجتمع العربي يحتاج إلى تأسيس وعيه مرة أخرى، بما يتناسب مع الفهم الدقيق للدين، كمنصة للتشريع وللحاجة الإنسانية.

مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير.