يشكّل انتشار تنظيم داعش خطرًا كبيرًا على الدول الخليجية، وتشير عدد من المؤشرات على أن التنظيم يضع الخليج ضمن استراتيجياته، وخططه الحالية والمستقبلية. فقد ظهرت الكويت ضمن حدود الدولة التي يرغب التنظيم في إنشائها قبل أن تنشَر خريطة جديدة لنطاق السيطرة المستقبلي للتنظيم، تضمّنت شبه الجزيرة العربية بأكملها، إلى جانب أجزاء من قارات آسيا وأفريقيا وأوروبا.

كما توسع التنظيم بشكلٍ كبير في العراق حتى اقترب من الحدود السعودية. وبالإضافة إلى ذلك؛ فإن التنظيم قد تبنى هجمات كثيرة داخل البلدان الخليجية، في الوقت الذي أعلنت فيه السعودية عن توقيف نحو 431 من التابعين للتنظيم داخل المملكة.

جعلت الإمارات محاربة أفكار الربيع العربي، وجماعات الإسلام السياسي التي استفادت من هذه الظاهرة بشكل كبير؛ في موضع مكافئ تقريبًا لمحاربة داعش.

يبقى دعم بعض دول الخليج للنظم الإستبدادية في الجوار العربي، ولعب أدوار مناوئة لرغبات فئة الشباب خصوصًا مهددًا لمستقبل دول الخليج، خصوصًا مع لجوء هذه الأنظمة الاستبدادية للقمع واسع النطاق، والقتل خارج إطار القانون، ومحاولة كسر إرادة الطرف المعارض.

غير أن حقيقة الأمر أن هذه الأفعال لا تؤدي سوى إلى تحويل هذه الفئات إلى قنابل موقوتة، وزيادة رصيد تنظيمات متطرفة كداعش لدى هذه الفئات بدافع الانتقام والثأر.

تتلقف هذه التنظيمات تلك الأفعال القمعية، وتعمل على جذب الفئات المتضررة إلى صفوفها، كما يفعل تنظيم «ولاية سيناء» التابع لداعش في مصر. ولكن يبدو أن دولًا -مثل الإمارات- قد جعلت محاربة أفكار الربيع العربي، وجماعات الإسلام السياسي التي استفادت من هذه الظاهرة بشكلٍ كبير في موضع مكافئ تقريبًا لمحاربة تنظيمات مثل داعش؛ أي أنها قد ساوت بين خطر كلتا الظاهرتين عليها.

وينذر ذلك الأمر بالأسوأ على مستقبل المنطقة بأكملها، خصوصًا أن من يتولى إدارة الإمارات فعليًا هو ولي العهد؛ أي أنه لا يُتوقع تغيير قريب في هذه السياسات التي يبدو أنها تشكل عقيدته السياسية، وهو ما يظهر في استمراره على نفس النهج تقريبًا بالرغم من أن حليفه الرئيسي -السعودية- قد اتخذت خطوات عديدة إلى الخلف في هذا المجال.


إيران؛ مخاوف الخليجيين

بالإضافة إلى الخطر الأمني الذي يمثّله وجود التنظيم في المنطقة على الخليجيين، فإن الخليجيين كذلك متخوفون من تنامي الدور الإيراني في المنطقة تحت ذريعة مواجهة داعش ومحاربته، كما يحدث في العراق من خلال المليشيات الشيعية.

وفي هذا الصدد أيضًا يجب الإشارة إلى تأثير الانتهاكات الطائفية التي تقوم بها المليشيات القريبة من إيران بحق العرب السُنّة في الأماكن التي كانت خاضعة لسيطرة داعش، وهو ما يؤدي إلى تأجيج مشاعر العرب السُنة، خصوصًا في الخليج الذي تنتشر فيه بعض الأفكار المتشددة. ومثل هذه الأعمال هي التي تجعل شبابًا خليجيين يقومون بتفجيرات ذات صبغة طائفية؛ كما حدث في الكويت والسعودية.


الولايات المتحدة وخطر داعش

وفي ظل تأكيدات الأمريكيين أن الحرب على تنظيم داعش سوف يستغرق سنوات، وهو ما يعني ضمنًا أن التنظيم سيبقى قويًا لفترة طويلة قبل أن يضعف ويتحول إلى جيوب وفلول على شاكلة تنظيم القاعدة قبل مقتل «بن لادن» بفترة قصيرة وبعد مقتله. فإن كل ذلك يرجّح استمرار مواجهة الخليجيين لهذا الخطر لفترة غير قصيرة من الزمن، قد تشهد تفجيرات مماثلة لتلك التي وقعت سابقًا.

ويأتي إصرار الإدارة الأمريكية على عدم مواجهة التنظيم بشكل مباشر من خلال القوات البرية، ليمثل خيبة أمل خليجية أخرى، ويبقى الأمل لدى الخليجيين مُعَلّقا بوصول رئيس أمريكي جديد يتبع سياسات مغايرة لتلك التي اتبعها «باراك أوباما» تجاه المنطقة، ومن بينها حسم المواجهة مع داعش، بل وأكثر من ذلك حسم الأزمة السورية التي كانت المنبع الرئيس لخروج تنظيم داعش بهذه القوة.


مستقبل العلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا

تعرّضت العلاقات الخليجية الأمريكية خلال حقبة «أوباما» لعديد من الهزّات القوية التي أثّرت على العلاقات بينهما بشكلٍ ربما لم يحدث من قبل الطرفين بدءًا من الانسحاب الأمريكي من العراق، والذي ترك البلاد مجالًا مفتوحًا للنفوذ الإيراني، مرورًا بالموقف الأمريكي من الربيع العربي.

ثم مؤشرات التحول نحو آسيا وتراجع دور الولايات المتحدة في الشرق الاوسط، وكذلك الدور الأمريكي غير الحاسم في سوريا والعراق واليمن، وصولًا إلى توقيع الاتفاق النووي مع إيران.


مستقبل العلاقات مع إيران

وُقّع الاتفاق النووي مع إيران في يوليو/ تموز الماضي، ومع ذلك ظلّ الشد والجذب بين إيران والخليجيين حاضرًا لا يغيب دون أن توجد أي إشارات على تحقيق تقدُّم قريب في هذه العلاقات.

بالرغم من أن بداية عهد الرئيس «روحاني» قد شهدت محاولات لتهدئة الأجواء بين البلدين وفتح صفحة جديدة في العلاقات من خلال دعوة وزير خارجية إيران لزيارة السعودية، وكذلك محاولات إيران بعد الاتفاق بعث رسالات طمأنة إلى دول الخليج وقيام وزير الخارجية بزيارة عديد من الدول الخليجية، إلا أن الأمور لم تتغير وبقيت على حالها.

يعود ذلك بالأساس إلى الأدوار المتعارضة التي يقوم بها كل طرف في تفاعلات الشرق الأوسط، والتي ساهمت في الإبقاء على مباعث القلق الخليجية في عهد «روحاني» كما كانت في عهد نجاد. هذه بالإضافة إلى لعبة الأدوار التي يتبعها الطرف الإيراني من خلال البعث برسائل التطمين من خلال المؤسسة الدبلوماسية، ثم بعد ذلك برسائل التهديد والوعيد من خلال المؤسسة العسكرية والدينية.

وبالرغم من أن درجة وحدة الخلافات بين الدول الخليجية المختلفة وبين إيران ليست واحدة على اعتبار أن السعودية والبحرين لديهما مخاوف أكبر بكثير من الدول الأخرى، فإن ذلك لا ينمّ عن تفكك في الحلف الخليجي في مواجهة إيران في المستقبل.

فكثيرًا ما تمتعت بعض دول الخليج بعلاقات هادئة مع إيران خصوصًا في الجانب الاقتصادي، ولكنها ظلت سياسيًا منضوية تحت لواء الموقف السعودي بشكلٍ كبير. فالدول الخليجية تبقى في حاجة إلى بعضها البعض لمواجهة التحديات التي تمثل طهران سببًا أساسيًا في وجودها.

فعديد من دول الخليج، حتى تلك التي توصف علاقاتها مع إيران بالهادئة، كشفت عن شبكات تجسس إيرانية. وفي هذا الإطار يمكن تفهُّم أن الخليجيين، بقيادة السعودية، قد سرّعوا بشكلٍ كبير من عملياتهم في اليمن بعد توقيع الاتفاق النووي، وهو ما أدّى إلى تحرير مناطق كبيرة من قبضة الحوثيين و«صالح».

وفي ظل استمرار التوتر بين إيران والخليجيين، وعدم وجود مؤشرات على أي تقدم إيجابي في العلاقات بينهم منذ توقيع الاتفاق، فإن تسريع العمليات في اليمن وسط أنباء تزايد الانخراط في البلاد ينبئ بأن الخليجيين يرغبون في التخلص من الخطر الإيراني في اليمن من خلال إضعاف حليفهم الحوثي حتى يتم التفرغ للأزمة السورية.

وحتى بالرغم من المحاولات الأخيرة لتحريك الوضع السياسي في سوريا، فإن الرؤى تبدو أنها لا تزال بعيدة جدًا بين الخليجيين والإيرانيين. ولمركزية القضية السورية في نظرة كل من الخليجيين والإيرانيين، فإن سوريا قد تتحول إلى الميدان الأبرز للصراع فيما هو قادم.

ويصعب تخيُّل تحسّن قريب في العلاقات بين إيران والخليجيين؛ فالخلافات كثيرة وعميقة، منها مثلًا الموقف الإيراني من الأزمة البحرينية، والأزمة في سوريا، والأزمة في اليمن، والدور الإيراني في العراق، والدور الإيراني في لبنان. كل هذه الملفات يصعب تخيُّل أن يتم تسويتها، أو حتى تجاوزها، بين الطرفين في المستقبل القريب، بل إن الإفراج عن أموال إيران يهدد بتحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة للمواجهة بين الطرفين لأن كل طرف لن يقبل بأن يخضع للطرف الأخر، خصوصا العملاقين؛ السعودية وإيران.

كما أن رفع حظر توريد الأسلحة لإيران خلال السنوات القادمة سيُدخِل المنطقة في سباق تسلح محموم، وهو ما بدأت مؤشراته بالفعل بمجرد اقتراب توقيع الاتفاق، بل وقبل ذلك.

إيران؛ المشكلة الأبرز

مثّل الموقف الأمريكي من إيران وبرنامجها النووي أكبر مباعث القلق الخليجية؛ إذ أن هذا الاتفاق قد تم في الوقت الذي تدير فيه واشنطن وجهها عن الشرق الأوسط باتجاه المحيط الهادي. وفي حين لم تنجح مساعي الخليجيين في أن يصبحوا جزءًا من المفاوضات النووية مع إيران، بدا أوباما غير مقتنع برؤيتهم ومخاوفهم من إيران حين تحدث عن أنه لا يعتقد أن الخطر الأكبر على الخليجيين يأتي من إيران، بل من الداخل الخليجي.

وقد بذلت الولايات المتحدة جهودًا كبيرة لتهدئة مخاوف الخليجيين قبل الاتفاق وبعده، كما حدث في «كامب ديفيد»، وكما يحدث من زيارات لا تنقطع للمسئولين الأمريكيين عن المنطقة وكما سيحدث في المستقبل أيضًا.

وبالرغم من تعهد الولايات المتحدة في أكثر من مناسبة بأنها ستدافع عن أمن الخليج، إلّا أن تعهدها جاء ليقتصر على التهديدات الخارجية؛ أي أن الولايات لن تدافع عن النفوذ الخليجي في المنطقة، أو على الأقل لن يكون لها دور في مواجهة النفوذ الإيراني المتزايد وهو التخوّف الذي يدعّمه مواقف الولايات المتحدة من أزمات المنطقة.

فحتى وإن كان التواجد العسكري الكبير للولايات المتحدة في المنطقة يضمن للخليجيين عدم قدرة إيران على زعزعة استقرارهم بشكلٍ مباشر، فإنه لا يضمن ذلك في مواجهة حلفاء إيران من غير الدول، بما في ذلك الأقليات الشيعية المتأثرة بإيران في الداخل الخليجي، كما في البحرين.

ومشكلة أخرى عالقة في العلاقات بين الجانبين هو عدم رغبة الولايات المتحدة في التدخل ضد تنظيم الدولة بشكلٍ مباشر والاكتفاء بالضربات الجوية، في حين أن التنظيم يبقى قادرًا على التمدد على الأرض. بالإضافة إلى غضب الخليجيين من تركيز الولايات المتحدة على الإرهاب السُنّي، في حين يتم تجاهل الإرهاب الشيعي الذي يُمارَس في العراق وسوريا واليمن.

وبعد أن اتضح للولايات المتحدة أنها لم تستطع تهدئة مخاوف الخليجيين، حاولت الولايات المتحدة التأكيد على وقوفها إلى جوار الخليجيين ضد إيران من خلال تأكيد «جون كيري» على أن الولايات المتحدة تنسق مع الخليجيين حول استراتيجية لصد تحركات إيران غير المشروعة في المنطقة، بالإضافة إلى تسريع بيع بعض الأسلحة والتي استغرقت وقتًا طويلًا في الماضي.


أوروبا؛ عودة من جديد

وفي ظل تراجع الدور الأمريكي في المنطقة وتوجهه نحو آسيا، وهو الأمر الذي أكّدت عليه الإستراتيجية العسكرية الجديدة في 2015، فإن أوروبا يبدو أنها عائدة من جديد إلى المنطقة، لكن هذه المرة من خلال البوابة الفرنسية خصوصًا. وهو الأمر الذي يتضح من خلال عديد من الدلائل والمؤشرات.

التواجد الفرنسي

حضر الرئيس الفرنسي «فرانسوا أولاند» القمة التشاورية الخليجية في الرياض في الـ5 من مايو/ أذار الماضي كأول رئيس غربي يحضر قمة خليجية، ويمثل هذا الأمر في حد ذاته دلالة واضحة على رغبة الخليجيين على تعزيز التعاون مع فرنسا.

ويزيد وضوح تلك الدلالة إذا ما ذكرنا أن الزيارة قد تمت في وقت كان الاتفاق النووي على وشك الخروج فيه، وكذلك قبل سفر قادة دول الخليج إلى كامب ديفيد للقاء الرئيس الأمريكي على خلفية مخاوفهم من الاتفاق النووي.

ويبدو أنه قد جاء اختيار فرنسا خصوصًا نتيجة تقاربها مع الخليجيين في عديد من قضايا المنطقة، وعلى رأسها الملف النووي والأزمة في سوريا.

وقد جاء تصريح الرئيس «أولاند» بأن الاتفاق النووي يجب أن يضمن عدم زعزعة أمن المنطقة أو تهديد جيران إيران، و تصريحه أيضًا بأن التهديدات التي تواجه مجلس التعاون الخليجي، تواجه باريس أيضًا، ولن نقف متفرجين إزاء الفوضى التي تحدث في المنطقة؛ ليؤكد مثل هذا الأمر.

لم يقتصر الدور الفرنسي في الخليج على الدور السياسي فقط، بل تجاوزه كذلك إلى التواجد العسكري من خلال قاعدة عسكرية فرنسية في الإمارات في مواجهة «مضيق هرمز» في العام 2009 لتكون تلك القاعدة هي الأولى لفرنسا في الخليج.

وقد جاءت تصريحات «ساركوزي» في افتتاح القاعدة بأن فرنسا تظهر استعدادها لتحمل كل مسئولياتها لضمان استقرار هذه المنطقة الضرورية للتوازن العالمي، لتشير إلى أن توجه «أولاند» نحو الخليج ليس بجديد على السياسة الفرنسية، بيمينها ويسارها.

اللافت للانتباه في الأمر أن القاعدة قد تم إنشائها بطلب إماراتي وليس برغبة فرنسية. وقد قامت فرنسا كذلك بتوقيع عقود بيع 24 طائرة رافال إلى قطر، ومن المتوقع أن يتم توقيع عقود أخرى لتوريد هذه الطائرات إلى دول خليجية أخرى كالإمارات.

عودة بريطانية

في العام 1968 أعلن رئيس الوزراء البريطاني نية بلاده في مغادرة المنطقة الواقعة شرق قناة السويس. وبالفعل تم هذا الأمر في العام 1971، وقد كانت بريطانيا هي القوة المهيمنة على الخليج. ومنذ ذلك الحين، بل ويمكن القول منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وتراجع النفوذ الأوروبي بشكلٍ عام في العالم، أصبحت الولايات المتحدة هي القوة التقليدية في هذه المنطقة.

ولم تعد بريطانيا إلى المنطقة إلّا في بداية العام 2015 من خلال إنشاء قاعدة عسكرية في البحرين، اللافت للانتباه في الأمر أن إنشاء القاعدة قد تم بناءً على طلب بحريني وليس رغبة بريطانية. وقد صرّح وزير الدفاع البريطاني أن بلاده ستعود إلى التمركز في الخليج من جديد ليكون لها وجودها الدائم وبعيد المدى لاهتمامها بالأمن والإستقرار، ومواجهة التحديات التي تواجه المنطقة.

ويبدو أن هذه العودة البريطانية قد جاءت بسبب التنافس مع فرنسا؛ إذ أن منطقة الخليج كانت منطقة نفوذ بريطاني بشكلٍ تقليدي فجاء تزايد الدور الفرنسي فيها ليدفع بريطانيا إلى العودة مرة أخرى للمنطقة.

وبالرغم من أنه يتم اعتبار بريطانيا دائمًا تدور في فلك السياسات الخارجية للولايات المتحدة، فقد كانت مؤيدة لوجهة النظر الأمريكية في المفاوضات مع إيران مثلًا، كما كانت قبل ذلك شريكة الولايات المتحدة في حربها على العراق، إلّا أن بريطانيا لا تستطيع تقليل اهتمامها بالشرق الأوسط، والتركيز على التوجه الآسيوي كما تفعل الولايات المتحدة.

فالشرق الأوسط هو المجال الحيوي بالنسبة لبريطانيا، بل لأوروبا كلها. وإذا كانت أهمية الشرق الأوسط الاستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة قد تراجعت، فإنه لا يمكن أن تتراجع للدول الأوروبية، خصوصًا أنها مرتبطة به جغرافيًا وتعتمد على نفطه بشكلٍ كبير كذلك.


هل يستبدل الخليجيون أمريكا بالأوروبيين؟

لا تمثل أوروبا بديلًا للولايات المتحدة في وجهة النظر الخليجية، بل إنها لا يمكن أن تكون كذلك؛ فلا مواردها ولا قدراتها تسمح لها بأن تلعب الدور الذي اعتادت الولايات المتحدة لعبه في الخليج لعقود. لكن يمكن القول بأن صيغة «الداعم» أفضل لوصف العلاقة بين الدور الأوروبي والأمريكي في الخليج العربي؛ فالدور الأوروبي داعم للدور الأمريكي وليس بديلاً له.

الخليجيون كذلك لا يمكنهم التخلّي عن الدور الذي تقوم به الولايات المتحدة في حماية أمنهم؛ فحتى إن تراجع الدور الأمريكي في الشرق الأوسط، فإن الولايات المتحدة تظل هي القوة الأكبر في العالم دون منازع حقيقي على هذه المكانة، على الأقل عسكريًا وهو الأمر الذي يحتاجه الخليجيون.

والدليل على أن الخليجيين لا يمكنهم التخلّي عن هذا الدور؛ هو أنهم قد أعلنوا بداية العمليات العسكرية في اليمن من الولايات المتحدة ذاتها من خلال سفير السعودية آنذاك «عادل الجبير» الذي قال أن العمليات قد بدأت بموافقة الولايات المتحدة وأطراف دولية. وبالتأكيد أن دلالة هذا الأمر واضحة وهي أن الخليجييون لا يمكنهم التخلّي عن الحليف الأمريكي لا في المستقبل القريب ولا البعيد!.


الخليجيون والعلاقات الأمريكية الإيرانية

تشير بعض الدلائل إلى أن أوروبا في رحلة عودة لمنطقة الشرق الأوسط من خلال التواجد الفرنسي، والعودة البريطانية.

بالغت بعض التقارير والتحليلات في التفاؤل، أو ربما التشاؤم بالنسبة لأطراف معينة، وأتت على ذكر سيناريوهات تشمل انفتاحًا إيرانيًا على الولايات المتحدة بعد الاتفاق النووي.

غير أننا نرى أن العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران لن تتحول إلى علاقة تحالف، بل على الأرجح أرادت الإدارة الأمريكية، من ضمن ما أرادت من هذا الاتفاق، دعم التيار البراجماتي في إيران وتعزيز مكانة الإصلاحيين في مواجهة المحافظين المتشددين. لكن هذا لا يعني بحال أن تتحول العلاقة إلى علاقة تحالف تنافس فيها إيران مكانة الخليجيين لدى الأمريكيين.

لكن على الأقل ستتحول إيران -في نظر الأمريكيين- من دولة مارقة إلى دولة أكثر انخراطًا في العملية السياسية في المنطقة والنظام الإقليمي دون أن تكون متوافقة بشكلٍ كامل مع بنيّة هذا النظام أو قيمه. تمامًا كما حدث مع الصين في إطار سياسة «نيكسون» في الإنفتاح على الصين، والتي لم تجعل منها حليفًا للولايات المتحدة، مع الوضع في الاعتبار بالطبع الفروق الجوهرية بين الحالة الصينية والإيرانية.

يبدو أن مستقبل المنطقة غير مبشّر -على المدى القريب على الأقل- في ظل عدم قدرة الأطراف المتصارعة على حسم هذه الصراعات، ويبدو أيضًا أن المستقبل الخليجي لن يكون استثناءً في هذه المنطقة. فبالرغم من التحديات التي تواجه الخليجيين والأخطار التي تحدق بيهم في المنطقة، فإن هذه التحديات والأخطار لم تكن كافية لتدفعهم إلى تحقيق حلم الوحدة الخليجية الذي نص عليه النظام الأساسي لمجلس التعاون في مادته الرابعة وكانت العوائق أكبر من أن يتم تجاوزها.

كما أن أطروحات توسيع الخليج التي خرجت بالتزامن مع تهديد الربيع العربي للخليجيين؛ يبدو أنها اختفت وحلت محلها أطروحات التعاون والتحالف الاستراتيجي. وعلى كل حال، فإن الوضع الداخلي الخليجي لا يُتوقع أن يشهد تغيُّرًا جوهريًا في المستقبل عمّا هو الوضع عليه حاليًا.

أمّا على مستوى التهديدات الخارجية للخليجيين، فيبقى وجود داعش في المنطقة تهديدًا أساسيًا لأمن الخليجيين. ويبدو أن هذا التهديد سيبقى لبضع سنوات قبل أن يتم كسر شوكته. وبالإنتقال إلى العلاقات الخليجية مع الولايات المتحدة وأوروبا، فبالرغم من تراجع اهتمام الولايات المتحدة الواضح بالشرق الأوسط، فإن التقارب الخليجي مع أوروبا يبقى في إطار تدعيم الدور الأمريكي في الخليج؛ وليس بديلًا له.