هناك جاذبية كبيرة في أولئك المتمردين الذين يرفضون النظم السائدة، وترفضهم المجتمعات، ينجذب إليهم كل منْ لم يستطع أن يفعل كما فعلوا، حتى وإن هاجمهم في الظاهر، والواقع أن ظاهرة الصعلكة كانت تحدياً صارخاً للتقاليد القبلية العربية؛ وقد انطلقت أشعار الشعراء منهم كصرخة، فنزلت كلطمة على وجه مجتمع طبقي، وذلك من حيث مضمونها، ومن حيث البناء اللغوي لبعض قصائدهم، ذلك البناء الذي أظهر ميل هؤلاء الشعراء إلى الفردية لكونه صعلوكاً، في مقابل ميل غيرهم إلى الجماعية لانتمائه القبلي.

وقد كانت طبقة الصعاليك في المجتمع العربي وليدة النظام القبلي ذاته؛ حيث تزاوج السادة أو أبناء القبائل من الإماء، وبعضهن من ذوات البشرة السوداء التي لم تكن مُفضَّلة في البيئة العربية، فنتج من هذه الزيجات أطفال مُهجَّنون أطلق عليهم العرب اسم «الأغربة»، نسبة إلى الغراب الأسود نذير الشؤم، وكان هؤلاء الأغربة يعاملون معاملة سيئة، بل كانوا محرومين من المشاركة في الحياة الاجتماعية مثل غيرهم من أبناء القبيلة، فكانوا يحيون على هامش المجتمع. [1]

لهذه الأسباب العنصرية خرج كثير منهم على نظام القبيلة، ورفضوا الحياة الذليلة التي فرضتها عليهم، وخرجوا من حماها، ليشقوا طريقهم في الحياة بالأسلوب الذي يضمن لهم حياة كريمة حرة تعتمد على القوة في سبيل الحصول على الحق. ومن هؤلاء الأغربة المتمردين تألفت جماعات من «صعاليك العرب». [2]

وقد ورد في لسان العرب «الصعلوك الفقير الذي لا مال له»، وزاد الأزهري «ولا اعتماد» [3]. ويقول الدكتور يوسف خليف، مُعتمداً على كلام ابن منظور:

والصعلوك في اللغة هو الفقير الذي لا مال له يستعين به على أعباء الحياة، ولا اعتماد له على شيء أو أحد يتكئ عليه أو يتكل عليه ليشق طريقه فيها، ويعينه عليها، حتى يسلك سبيله كما يسلكه سائر البشر الذين يتعاونون على الحياة، ويواجهون مشكلاتها يداً واحدة. [4]

وإذا أردنا أن نُمعِن النظر في هذا التعريف، وجدنا عدة مفردات من معجم الحياة القاسية الشاقة (فقير، أعباء الحياة، لا اعتماد له، يشق طريقه، يسلك سبيله، يواجهون مشكلاتها).

ولم يكن الصعاليك مجرد فقراء مشاغبين لأنهم لا اعتماد لهم، بل كانوا متمردين خارجين على النظام المالي الجائر –بحسب رأيهم- للقبيلة، فهم يدركون ما بينهم وبين الأغنياء من فوارق في النعمى والبؤس، ثم هم توّاقون إلى أن يحيوا حياة أرقى مما يحيون. فماذا يفعلون؟ إن في قلوبهم شجاعة، وفي أجسامهم قوة وفتوة. وهم لهذا كله يثورون على النظام المالي. [5]

وبهذا يزيد للتصعلك معنى آخر وهو الثورة على النظام المالي للقبيلة، وهو بلا شك أمر منطقي بالنسبة لأنهم كانوا قُطاّع طرق، يسلبون الأغنياء أموالهم، ومنهم منْ كان يوزعها على الفقراء، مثل عروة بن الورد المُلقَّب بأبي الصعاليك.

ونحن لم يصلنا كثير من الشعر الذي قاله شعراء الصعاليك، وذلك لعدة أسباب منها ما هو عام؛ مثل عدم معرفة العرب بالكتابة واعتمادهم على النقل الشفاهي، ومنها أن معظم هؤلاء الشعراء لم يكن من مشاهير المجتمع الجاهلي، فلم تصلنا دواوين كاملة إلا لبعض شعراء الصعاليك، وبعض متفرقات بين ثنايا كتب المختارات، وليس هذا فحسب بل إن أول كتاب كامل يتحدث عن الصعاليك هو كتاب الدكتور يوسف خليف «شعراء الصعاليك في العصر الجاهلي»، الذي صدر عام 1959، إضافة إلى عدم حرص القبائل العربية على شعرهم، لأنه كان ضد تقاليدهم القبلية.

فالخروج على القبيلة أمر لن تحمده القبيلة، ولن تود أن تذكره، فالصعلوك أشبه بالابن العاق الذي يتمرد على أسرته ويخرج على تقاليدها، فبلا شك لن تفتخر به الأسرة كما تفتخر بمن يعيش في كنفها يدافع عنها ويمدحها ويفتخر بها ويعلي من شأنها بين القبائل، وهذا ما لم يقدمه الصعلوك لقبيلته، بل على النقيض كان يهاجمها ويذم كبراءها، ويُحقِّر من شأنها وشأنهم، وكانت قصائد شعراء الصعاليك إمّا فخراً شخصياً ذا نزعة فردية شديدة الوضوح، أو ذماً في طبقية القبيلة وعنصرية سادتها.

والعجيب في أمر الصعاليك، أن ظاهرة التصعلك استمرت موجودة حتى الدولة الأموية، وذلك على الرغم من أن الإسلام حرّم السرقة، كما حدّ الحرابة بعقوبة صارمة، وأرى أن استمرار ظاهرة الصعاليك يعود إلى سببين؛

  • الأول أن بعض القبائل لم تتخلص من عنصريتها وجاهليتها على الرغم من إسلام أهلها، فظل بعض أبنائها يخرجون عليها.
  • الثاني هو تدوين كل الأدب العربي والذي انتشر بعد تعلم العرب القراءة والكتابة.

وقد عدّد الدكتور «عبد الحليم حنفي» شعراء الصعاليك وسمّاهم؛ فكان عدد الجاهليين منهم أحد عشر، والمخضرمين أربعة، أمّا الإسلاميون منهم فكان عددهم أربعة عشر شاعراً. [6]

وشعر الشنفرى [7] -وهو من أشهر شعراء الصعاليك- دليل قائم على النزعة الفردية، التي تظهر واضحة في معظم شعره، فنراه يفتخر بنفسه لا بقبيلته قائلاً:

أنا السمع الأزل فلا أبالي *** ولو صعبت شناخيب العقاب
ولا ظمأ يؤخرني وحر *** ولا خمص يقصر من طلابي

والشنفرى هنا يفتخر بنفسه [8]، ولا يخجل من كونه هجيناً بل يفخر بذلك فهو (السمع)، والسمع ولد الذئب من الضبع [9]، فالأب كاسر والأم كاسرة، ونراه يفتخر بأنه لا يبالي بالظروف القاسية للصحراء، من حر وظمأ وجوع، فكل هذه المصاعب لا تؤخره عن غزو أعدائه، ولا نراه في بقية الأبيات يفتخر بقومه ولا بحسبه، لأنه يرفض هذا المبدأ.

ويدخل الشنفرى معاركه مُستبسلاً وحده، وفي ذلك ثقة شديدة في النفس، حيث كان الشنفرى عدّاء من أشهر ثلاثة عدّائين في هذا الزمان [10]، فيقول [11]:

ومستبسل ضافي القميص ضممته *** بأزرق لا نكس ولا متعوج
عليه نساري على خوط نبعة *** وفوق كعرقوب القطاة مدحرج

ولعل صرخة الشنفرى في وجه الفتاة ابنة مولاه من بني سلامان عندما سبّته ولطمته حين صرح لها بحبه، لا تعبر إلا عن ميوله، ونزعاته الفردية، فهو عندما أنشد يقول [12]:

ألا هل أتى الفتيان قومي جماعة *** بما لطمت كف الفتاة هجينها
ولو علمت تلك الفتاة مناسبي *** ونسبتها ظلت تقاصر دونها
أليس أبي خير الأواس وغيرها *** وأمي ابنة الخيرين لو تعلمينها
إذا ما أروم الود بيني وبينها *** يؤم بياض الوجه مني يمينها

لم تكن هذه الأبيات إلا صرخة خرجت منه وهو في أزمة نفسية قاسية، لم يتمالك نفسه فيها فينطق بهذه الأبيات التي تسير في اتجاه مغاير لبقية شعره، فيفتخر فيها بأبيه وأمه ونسبهما، بل حتى يفتخر ببياض وجهه، وهذا ليس حقيقة.

وفي أبيات أخرى نراه يقف شامخاً أمام قبيلته ليُؤنبهم على تفريطهم في ثأر أبيه حين قُتِل، فيقول [13]:

أضعتم أبي إذ مال سق وساده *** على جنف قد ضاع من لم يوسد
فإن تطعنوا الشيخ الذي لم تفوقوا *** منيته وغبت إذ لم أشهد
فطعنة خلس منكم قد تركتها *** تمج على أقطارها سم أسود

ونلاحظ هنا تعدد استخدامه لضمير المتكلم للواحد في (غبت – أشهد – تركتها) الذي يقف به في عزة من يطالب بدم أبيه ممّن ضيعوه بتخاذلهم، وهنا يُمثِّلهم الشنفرى في ضمائر الجمع المتخاذلة (أضعتم – تطعنوا – لم تفوقوا – منكم)، وهذا رمز الفردية النبيلة التي تقف أمام القبلية المقيتة.

والشنفرى -كما يُصوِّر نفسه– رجل صعب المراس، شجاع لا يهاب شيئاً، فهو يتوعّد بني سلامان جميعهم بأن ينتقم منهم، وسوف يلاقيهم جميعاً وحده، فيقول [14]:

أبغي بني صعب بن مرة بلادهم *** وسوف ألاقيهم إن الله أخرا
ويوما بذات الرس أو بطن منجل *** هنالك نبغي القاصي المتغورا

وليس من شك أن أشهر أشعار الشنفرى هي اللامية التي افتخر العرب بها، فأسموها (لامية العرب)، وهي التي تُرجمت لخمس لغات أجنبية، لقيمتها الشعرية [15]، ولعلها أفضل مثال ونموذج على نزوع الشنفرى للفردية بشعره، ورفضه لقبيلته وتمرده على النظم القبلية.

أقيموا بني أمي ظهور مطيكم *** فإني إلى قوم سواكم لأميل
فقد حمت الحاجات والليل مقمر *** وشدت لطيات مطايا وأرحل
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى *** وفيها لمن خاف القلى متعزل
ولي دونكم أهلون سيد عملس *** وأرقط ذهلول وعرفاء جيئل
هم الأهل لا مستودع السر ذائع *** لديهم ولا الجاني بما جر يخذل
فإني لمولى الصبر أجتاب بزه *** على مثل قلب السمع والحزم أفعل
وأعدم أحياناً وأغنى وإنما *** ينال الغنى ذو البعدة المتبذل
وليلة نحس يصطلي القوس ربها *** وأقطعه اللاتي بها يتنبل
دعست على غطش وبغش *** وصحبتي سعار وإزير ووجر وأفكل
فأيمت نسوانا وأيتمت إلدة *** وعدت كما أبدأت والليل أليل
وأصبح عني بالغميصاء جالساً *** فريقان مسؤول وآخر يسأل

هذه الأبيات من اللامية وغيرها تعبر بشدة عن النزعة الفردية التي نزعها الشنفرى في شعره، حيث استخدم ضمير المتكلم فيها ثلاثاً وستين مرة، واستخدم ضمير الغائب، الذي يعود عليه، اثنتين وثلاثين مرة، فيكون مجموع الضمائر التي عبر بها عن نفسه كفرد خمساً وتسعين مرة في تسعة وستين بيتاً، إضافة إلى أنه ذكر اسمه مرتين، واستخدم الضمير «نا» لتعظيم نفسه مرتين، وذلك مقابل ثمانية ضمائر فقط تعبر عن قومه، منها ثلاثة للغائبين وبقيتها للمخاطبين، كل هذه الضمائر تدلنا على نزعته الفردية في شعره، التي وقف بها شامخاً مقابل الفخر القبلي عند الشعراء المنطوين تحت شعار قبائلهم. [16]

المراجع
  1. انظر الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي، دكتور يوسف خليف، دار المعارف 1973، ص 110.
  2. السابق ص 112 و113.
  3. انظر لسان العرب، مادة صعلك، دار المعارف.
  4. الشعراء الصعاليك ي العصر الجاهلي، دكتور يوسف خليف، دار المعار ص 23.
  5. الحياة العربية في الشعر الجاهلي، دكتور أحمد محمد الحوفي، مكتبة نهضة مصر، القاهرة 1952 ص 231 و232.
  6. انظر فهرس كتاب شعر الصعاليك منهجه وخصائصه، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1987.
  7. هناك جدل قائم بين العلماء حول اسم الشنفرى، وهل (الشنفرى) هو لقبه أم هو اسمه الحقيقي. ويحسم البغدادي في خزانة الأدب هذا الجدل قائلا: «والشنفرى شاعر جاهلي قحطاني من الأزد، وهو كما في الجمهرة وغيرها، من بني الحارث بن ربيعة بن الأواس بن الحجر بن الهنء بن الأزد. وهو بفتح الشين وآخره ألف مقصورة وهو اسمه… وزعم بعضهم أن الشنفرى لقبه. ومعناه عظيم الشفة، وأن اسمه ثابت بن جابر، وهذا غلط كما غلط العيني في زعمه أن اسمه عمرو بن براق بل هما صاحباه في التلصص».
  8. ديوان الشنفرى، تحقيق د. إميل بديع يعقوب، دار الكتاب العربي 1966، ص 30.
  9. انظر الديوان هامش ص 30.
  10. انظر الديوان ص 10.
  11. انظر الديوان ص 40.
  12. الديوان ص 41.
  13. الديوان ص 44 و45.
  14. الديوان ص 47.
  15. انظر شعر الصعاليك ص 112.
  16. انظر الديوان من ص 58 إلى 70.