قبل 3 أيام، نشر ديفيد إجناتيوس، أحد أبرز الصحفيين الأمريكيين في شئون الأمن والاستخبارات والمقرب بشدة من مجتمعات الاستخبارات في دول العالم الكبرى،مقالًا في جريدة الواشنطن بوست، قال فيه إنه وفق مصادره، فاللواء أحمد عسيري، نائب رئيس المخابرات السعودية، كبش فداء محتمل في قضية مقتل الصحفي البارز جمال خاشقجي، في القنصلية السعودية بإسطنبول.

وأضاف إجناتيوس أن المخابرات الأمريكية تمتلك، منذ سبتمبر/ أيلول الماضي، معلومات عن سعي عسيري لإنشاء فريق من النمور للقيام بعمليات خاصة سرية، وذلك بعدما عبر ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان عن رغبته في إحضار خاشقجي وغيره من المعارضين السعوديين إلى المملكة.

بعد يومين من نشر إجناتيوس لمقاله، نشرت جريدة نيويورك تايمز تقريرًا شارك فيه 4 من محرريها يتحدث عن تفكير قيادات المملكة العربية السعودية في إلقاء اللوم على اللواء أحمد عسيري في مقتل جمال خاشقجي، وعن توجيه القيادة السعودية للأشخاص المقربين من البيت الأبيض بإعطاء معلومات عن اسم عسيري. وذلك حسبما ذكرت 3 مصادر مطلعة على الخطط السعودية للجريدة.

ووفق نيويورك تايمز فإن خطة توجيه اللوم إلى اللواء عسيري، الذي يعمل مستشارًا رفيع المستوى لولي العهد، ستكون اعترافًا غير عادي بحجم ردة الفعل الدولية التي تواجهها المملكة منذ وفاة خاشقجي، وقد تقدم تفسيرًا مقنعًا للقتل وتساعد في صرف اللوم عن ولي العهد، الذي تتزايد قناعة وكالات الاستخبارات الأمريكية بأنه وراء ما حدث للسيد خاشقجي.

ووفق التقرير أيضًا، فمن المتوقع أن يقول الحكام السعوديون إن عسيري حصل على تصريح شفهي من الأمير محمد بالقبض على خاشقجي لاستجوابه في المملكة العربية السعودية، لكن عسيري قد أساء فهم تعليمات الأمير أو تجاوزها وقتل جمال.

دفعتنا هذه التقارير إلى التساؤل عن هوية اللواء السعودي أحمد عسيري؟


رجل الشهادات والأنوطة البراقة

ينحدر اللواء أحمد عسيري من محافظة محايل عسير، الواقعة جنوب غرب المملكة السعودية. تلقى تعليمه الابتدائي في تهامة عسير، وانتسب في فترة لاحقة إلى الجيش السعودي. حصل على العديد من الشهادات في العلوم العسكرية وغيرها، بدأها بشهادة البكالوريوس من مدرسة سان سير العسكرية في فرنسا، والتي تخرج فيها عام 1989 بتقدير امتياز وحصد المرتبة الأولى على الدفعة.

يحمل عسيري أيضًا ماجستير في العلوم العسكرية من كلية القيادة والأركان للقوات المسلحة السعودية، وماجستير في دراسات الدفاع الوطني من فرنسا، وماجستير في العلوم الاستراتيجية، وبكالوريوس في التاريخ من جامعة السوربون وبكالوريوس آخر في العلاقات الدولية.

كما حصل على عديد من الدورات العسكرية، منها دورة ضباط الأركان في فرنسا، ودورة تأسيسية لصواريخ الهوك، ودورة معلمي خرائط، ودورة قادة سرايا هوك من فرنسا، ودورة حرب إلكترونية، ودورة متقدمة في الدفاع الجوي ودورة معلمي حرب من كلية حرب الجيش الأمريكي.

بدأ عسيري حياته العسكرية في فصيل تشغيل صواريخ الهوك بالجيش السعودي، ثم في فصيل آخر للصيانة والتموين، ثم عمل مساعدًا لقائد سرية هوك، وبعدها أصبح قائدًا لجناح «التكتيك» بمعهد قوات الدفاع الجوي، ثم قائدًا لجناح الصواريخ بنفس المعهد. وعمل خلال حرب الخليج الثانية ضابط ارتباط بالقوات المشتركة لدى القوات الفرنسية، ومترجمًا لقائد القوات المشتركة ومسرح العمليات.

في العام 2002 عُين عسيري قائدًا لطابور العرض العسكري. وفي وقت لاحق، عمل عضوًا في اللجنة الرئيسية لإنشاء كلية الحرب السعودية التي افتتحت عام 2008، وضابطًا معلمًا في جناح الحرب بكلية القيادة والأركان السعودية.

حصل عسيري خلال مسيرته على العديد من الأنواط – بعضها لأسباب مجهولة – كميدالية تحرير الكويت، والميدالية الذهبية للدفاع الوطني الفرنسية، ووسام استحقاق من درجة فارس من مملكة المغرب، والوسام الوطني من درجة فارس من جمهورية النيجر، ووسام الأسد الوطني من درجة فارس من جمهورية السنغال، إلى جانب مجموعة من النياط السعودية.


الوجه الإعلامي لعاصفة الحزم

عين أحمد عسيري عام 2010، مديرًا لمكتب نائب وزير الدفاع الأمير عبد الرحمن بن عبد العزيز آل سعود، واستمرت علاقته بالوزارة حتى بعد إقالة الأمير عبد الرحمن عام 2011. وفي عام 2014، أصبح مستشارًا بمكتب وزير الدفاع الأمير سلمان بن عبد العزيز (الملك الحالي)، ويعتقد أنه في تلك الفترة بدأت علاقته بالأمير محمد بن سلمان.

أصبح عسيري مقربًا للغاية من ولي العهد محمد بن سلمان، خاصة بعد تولي الأخير وزارة الدفاع مطلع العام 2015، لذلك تم تعيينه في مارس/ آذار من نفس العام، متحدثًا باسم قوات التحالف العربي التي قادتها السعودية لمحاربة الحوثيين في اليمن. وخلال ظهوره شبه اليومي على شاشات التلفزيون، لفت أحمد أنظار وسائل الإعلام وحاز إعجاب السعوديين لكونه يتحدث اللغات الإنجليزية والفرنسية والعربية بطلاقة، وبسبب أسلوبه الهادئ والمتزن.

أصدر الملك سلمان، في يونيو/ حزيران 2016، أمرًا ملكيًّا بترقية عسيري إلى رتبة لواء. وفي أبريل/ نيسان 2017 صدر أمر ملكي جديد بتعيين عسيري نائبًا لرئيس جهاز الاستخبارات السعودي بالمرتبة الممتازة. منذ ذلك الحين قل ظهور عسيري كحال رجال المخابرات.


هل يكفي عسيري ككبش فداء؟

على الرغم من أن إلقاء اللوم – إذا تم وفق تحليلات الصحافة الأمريكية – على شخص بحجم اللواء عسيري أمر ليس بالهين، خاصة في دولة كالمملكة العربية السعودية، فإنه قد لا يكون كافيًا لترضية الغاضبين من مقتل جمال خاشقجي ولإبراء ذمة ولي العهد من القضية، وسيتعين على القيادة السعودية تقديم إجابة على العديد من الأسئلة المحرجة.

من المعروف أن عسيري أحد أكثر المستشارين قربًا من محمد بن سلمان، لذلك ليس من المنطقي أن يكون تصرفه في قضية خاشقجي جرى دون إذن الأمير، وحتى إن رُوِّج لسيناريو أن ولي العهد أمر بإحضار جمال إلى المملكة، وأُسِيء تفسير الأوامر وقُتِل، فسيظل متهمًا بإعطاء إذن لاختطاف شخص من دولة أخرى.

العديد من الأسئلة ستطرح، من قبيل: لماذ أنكرت السعودية علاقتها بمقتل خاشقجي وادعت أنه خرج من مقر قنصليتها في البداية؟ ولماذا تأخرت كل هذا الوقت في الكشف عن حقيقة ما حدث؟ هل قادة المملكة لا يستطيعون التحكم في مرءوسيهم لهذه الدرجة؟ ما فعله عسيري، إلى جانب كونه جريمة قتل، فهو خيانة لقادته، فكيف ستتعامل المملكة معه؟

هذه بعض نماذج الأسئلة التي سيتعين على المسئولين السعوديين التعاطي معها حال تقديم اللواء عسيري كبش فداء.