يعد العميد مصطفى جواد غفاري، أحد أبرز القادة الإيرانيين في سوريا، فقد قاد قوات بلاده والميليشيات المؤيدة لنظام الأسد حتى عام 2021، وخاض حرباً طويلة في مواجهة الفصائل السورية وارتبط اسمه بالمجازر والمعارك وجرائم التهجير الطائفي للسكان المحليين.

المسيرة الدموية في سوريا

ولد غفاري في محافظة أذربيجان الشرقية شمال غربي إيران، وكان اسمه الأصلي، أحمد مدني، وانضم للحرس الثوري وشارك في الحرب ضد العراق في الثمانينيات، وقاد سلاح المدفعية بفيلق عاشوراء التابع لقوات الباسيج في الحرس، وانتحل اسمًا حركيًا هو مصطفى جواد غفاري مسبوقًا بكلمة «السيد» للدلالة على أنه من نسل آل البيت.

ومع اشتعال الاحتجاجات في سوريا عام 2011، وقفت طهران بجانب النظام إلى أن أوشك على السقوط عام 2013، فتدخلت عسكريًا بشكل مباشر، وتولى القائد الإيراني حسين همداني، قيادة الموقف وأوكل إلى مساعده جواد غفاري مهمة تنظيم مجموعات المدنيين المؤيدين للنظام الذين عُرفوا باسم «الشبيحة» في فرق قتالية أطلق عليها قوات الدفاع الوطني، وتسلم منذ عام 2013 منصب القائد العسكري لمنطقة حلب والجبهة الشمالية في سوريا، وانخرط في معارك بريف اللاذقية، وحماة، ومعارك الاستيلاء على مطار كويرس العسكري، ومطار حلب الدولي، وفي الشرق السوري في جبهات الميادين والرقة ودير الزور.

عُرف جواد غفاري بأنه من القادة المقربين من الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس، الذراع الخارجية للحرس الثوري الإيراني، وقام بدور محوري في معارك حلب لسنوات، فسيطر أولًا على ريف حلب الجنوبي بعد مواجهات ضارية مع جيش الفتح (تشكيل ضم تحالفًا من أقوى الفصائل السورية المعارضة)، وفتح طريق إمدادٍ التفافي طويل، يصل إلى الأحياء الغربية لحلب، حيث تتموضع قواته، ضمن حملة عسكرية طويلة عُرفت باسم «دبيب النمل».

بعد مقتل العميد حسين همداني، عام 2015 خلال مواجهات مع فصائل المعارضة، عُين غفاري قائدًا عامًا للحرس الثوري في سوريا (هناك رواية إيرانية تزعم أن العميد الحرسي، محمد جعفر أسدي، تولى القيادة بين عامي 2013 و 2016، بين فترتي همداني وغفاري)، وأشرف على الميليشيات المحلية والأجنبية مثل «لواء فاطميون» الأفغاني، و«زينبيون» الباكستاني، وحزب الله اللبناني، وفصائل الحشد الشعبي العراقية، رغم أن طهران ما زالت تصر على أن وجودها في سوريا ذو طابع استشاري بحت، وأن مهام قواتها ذات طبيعة استشارية وليست قتالية! لذا كان التعريف الرسمي لغفاري هو «القائد العام للمستشارين الإيرانيين».

وتحت قيادته انتهكت ميليشياته مرارًا اتفاقات وقف إطلاق النار في حلب بين موسكو وأنقرة، وشن هجمات متواصلة على الأحياء المحاصرة داخل المدينة، واستهدف قوافل النازحين الفارين، وعرقل عمليات إجلاء سكان أحياء حلب الشرقية نهاية عام 2016، واشتهر باستخدام قوته النارية الهائلة دون تمييز بين الأهداف المدنية والعسكرية.

وبسبب هجماته الوحشية التي أدت لإسقاط المدينة أطلق عليه مؤيدوه «فاتح حلب» بينما اشتهر على نطاق واسع باسم «جزار حلب» وهو وصف يتشاركه مع الجنرال الروسي ألكسندر دفورنيكوف، حيث قاد الأول القوات البرية، وقاد الثاني الهجمات الجوية على المدينة، والآن يقود عملية غزو أوكرانيا.

وقاد غفاري مخطط التغيير الديموغرافي في حلب وأشرف على افتتاح القنصلية الإيرانية بها في مايو/أيار 2021 لتكون مقراً لاستخبارات الحرس الثوري، وبناء شبكة اقتصادية محلية تابعة لطهران، بعد أن نجح في إدارة خط مستقل لتهريب البضائع من إيران عبر الطريق البري الممتد بين البلدين عبر الأراضي العراقية والخاضع لحراسة الحشد الشعبي، مما أضر باقتصاد النظام السوري.

الطرد

تسببت الطموحات الزائدة للرجل وإحساسه المتعاظم بقوته في إثارة غضب حلفائه الروس وتوترت علاقته بهم على خلفية تعارض المصالح، واتخذ الروس من إسرائيل قفازًا لتقليم النفوذ الإيراني عبر السماح لطائراتها بتنفيذ مئات الغارات الجوية ضد الميليشيات والقوات التابعة للحرس الثوري بخاصة في البادية شرق سوريا.

وأدى هذا إلى خلافات بين غفاري والقادة الروس، بحسب ما نقل موقع إذاعة «فردا» الإيراني المعارض، مما أدى إلى طرده من سوريا، إذ طلب من الروس، إرسال قواتهم إلى بعض القواعد العسكرية التي يسيطر عليها، مثل مطار تيفور بمحافظة حمص لمنع الهجمات الإسرائيلية على هذه المواقع، فرفضوا طلبه وطالبوه بتسليم هذه المواقع لهم وسحب قواته منها كسبيل أوحد لحمايتها من الهجمات، مما أثار خلافات بين الطرفين.

وبعد ذلك وجه النظام السوري الذي يحظى بالحماية الروسية، طلبًا إلى طهران بإنهاء مهمة غفاري مطلع نوفمبر/ تشرين الثاني 2021، وبالفعل تم طرده من سوريا بعد أن ضاق الروس به ذرعًا لمعارضته تفاهماتهم مع تركيا وإسرائيل ومنازعتهم على النفوذ في دمشق، كما أطاحت موسكو بقيادات مقربة من طهران داخل النظام السوري.

اعترفت الخارجية الإيرانية، لاحقًا، بصحة الأنباء عن مغادرة غفاري، لكنها بذلت جهدًا إعلاميًا كبيرًا لنفي واقعة الطرد المهينة، وبرر المتحدث باسم الخارجية، سعيد خطيب زاده، خروج رجلهم الأول من سوريا بأن سببه «انتهاء مهمته».

ونقلت وكالة تسنيم الإيرانية المقربة من الحرس الثوري أن بشار الأسد لم يكن وراء الإطاحة بممثل فيلق القدس التابع للحرس الثوري في سوريا، وأن الأخير لم تثر خلافات من أي نوع بينه وبين أي أحد في القيادة السورية السياسية والعسكرية أو أي جهة أخرى.

ونشرت تسنيم تقريرًا بعنوان «لماذا تغير قائد المستشارين الإيرانيين في سوريا؟»، قالت فيه إنه كان من المفترض أن تنتهي مهمة الرجل في أوائل عام 2020، ولكن بعد مقتل قائد فيلق القدس الراحل في ذلك الوقت، تم تأجيل النقل لمدة عام ونصف عندما استقرت الأوضاع، وعين قائد فيلق القدس الحالي، الجنرال إسماعيل قآني، ضابطًا بفيلق القدس وهو خليل زاهدي الملقب بـ«أبي مهدي الزاهدي» خلفًا لغفاري.

وحاول النظام الإيراني تنظيم خروج مشرف لرجله الأول من سوريا للحفاظ على معنويات أتباعه، وتم عقد لقاءات احتفائية وداعية له في المناطق التي شهدت مذابح ومعارك على يديه بداية من حلب وحتى مناطق البادية، وأقيمت على شرفه الولائم والاحتفالات في المقرات التي زارها، ثم توجه في موكب عسكري كبير إلى محطته الأخيرة بدير الزور حيث عقد لقائه الأخير مع قادة الميليشيات ثم غادر برًا إلى إيران عبر الأراضي العراقية.

ولم يتم الإعلان عن مهمته الجديدة خارج سوريا إلا أن التكهنات تشير إلى احتمال عمله كمنسق لعمل فصائل الحشد الشعبي العراقي بخاصة وأن الإيرانيين باتوا يواجهون صعوبات في إدارة تعقيدات هذا الملف منذ اغتيال سليماني مطلع 2020.