خليها على الله.

هكذا اختار الأديب الكبير «يحيى حقي» عنونة سيرته الذاتية، ولم تكن هذه الجملة عنوانًا لكتاب السيرة فحسب، بل كانت شعارًا اتخذه طوال رحلة حياته، وكانت أكثر جملة يداوم على ترديدها بشهادة أقرب المحيطين به، فكانت حياته خليطًا بين العلم والزهد، السعي والتوكل، العمل الجاد والابتسامة والحس الساخر دائمًا.

نشأته

وُلد يحيى حقي لأب من أصل تركي وأم تركية-ألبانية عام 1905 في حي السيدة زينب بالقاهرة، نشأ وسط أمهات الكتب، حيث كانت أسرته تحترم القراءة وتُقدِّرها، وكان أخوه الأكبر إبراهيم الذي اُشتهر بكثرة قراءاته وعمله محررًا في بعض الجرائد، بمثابة طاقة النور التي لطالما أنارت عتمة عقله في الصغر، وأيضًا عمه الكاتب «محمود طاهر» كان له بالغ الأثر في تكوين شخصيته المحبة للاطلاع والنقد، حتى إنه انتقد إحدى مسرحيات أحمد شوقي في حضوره نقدًا لا يخلو من العنف، لشدة ما كان يملك من أدوات نقدية، وهو لم يبلغ سوى ستة عشر ربيعًا.

أهم أعماله

أنهى دراسته في مدرسة الحقوق بتفوق، وبدأ رحلته الخاصة في الكتابة بجانب وظيفته، أول ما قد يبادر ذهن معظم القرَّاء عندما يأتي ذكر كتابات يحيى حقي هي رائعته «قنديل أم هاشم»، لكنك قد تستعجب عزيزي القارئ حين تعلم أن كل هذا المدح والانتشار العظيم لهذه الرواية كان يُقابَل أحيانًا باستياء من كاتبها نفسه؛ حتى إنه قال أكثر من مرة مُعبِّرًا عن ضيقه من هذا الاقتران الدائم بين اسمه وروايته: «كأني مكتبتش غيرها»، مُعتبرًا أن نجاحها أثَّر سلبًا على بقية كتاباته، التي لم تنل نفس القدر من النجاح والانتشار.

إلا أن هذا الضيق يتبخر حينما يبادر أحد النقاد بالهجوم أو التقليل من شأن روايته، ويعتبر المثل المصري الأصيل «أدعي على ابني وأكره اللي يقول آمين» خير تجسيد لحالته، فيرد على الفور مدافعًا عن تحفته الصغيرة وعن تعلق الناس بها ويقول: «لقد خرجت هذه الرواية من قلبي مباشرة كطلقة رصاص، فكان أن استقرت في قلوب الناس»، ثم يذكر كاتبنا الكبير أن عملية نشر الرواية لم تكن هينة على الإطلاق، حيث إنه لم يجد تحمسًا من الناشرين لنشرها حين انتهى منها.

وبعد أن نُشِرت وتُدوولت اعتقد العديد من النُقَّاد والقرَّاء آنذاك أن بطل الرواية «إسماعيل» هو نفسه يحيى حقي لشدة التشابه بينهما، كلاهما عاش سنين عمره الأولى في حي السيدة زينب، وكلاهما سافر إلى الخارج بعد التخرج ثم عاد مهمومًا بقضايا الوطن، وكان تحريك المواطن والعمل على أن يستيقظ من ثباته العميق شغلهما الشاغل.

اشتعلت كتابات يحيى حقي بالكثير من القضايا وتعدد أسلوبه فيها، فقد اهتم بالجانب النفسي والتعبير عن الصراعات والتناقضات التي تنهش الفرد من الداخل، وصُوِّر ذلك بحرفية شديدة، مثل ما جاء في بعض القصص في مجموعته القصصية «عنتر وجوليت». أيضًا احتلت المبادئ العليا تفكيره وشغلت حيزًا من كتاباته، كإعلاء شأن الإرادة الإنسانية وتصديرها في مقدمة الفضائل جميعًا، وجاء ذلك بوضوح في قصة «نهاية الشيخ مصطفى» وغيرها من القصص.

ولا يمكن إغفال المساحة التي أفردها حقي للحيوانات والطبيعة لشدة تعلقه بهما، فالقارئ حين يقرأ «البوسطجي» أو «صح النوم» مثلًا يجد التحام القصة بالطبيعة وجعلها أحد الأبطال المؤثرين إن لم تكن الأكثر تأثيرًا.

كان حقي مؤثرًا في الكُتَّاب أنفسهم وليس القرَّاء فحسب؛ فخطَّ أسسًا للكتابة والنقد، فلم يكتفِ أبدًا بالإبداع المطلق بينما اهتم بتسجيل وتأصيل هذا الإبداع في مهده، وكان يعتقد أن على المبدع أن يكون له أساس ومرجعية ثابتة، ثم يأخذها ويطورها فيما بعد كما يحلو له.

في هذا الصدد كتب حقي العديد من الكتب والمقالات التي تناول فيها النقد والتفكيك والبناء، مثل: «خطوات في النقد، مدرسة المسرح وفن السينما»، وأيضًا أصدر كتابًا بعنوان «فجر القصة المصرية»، هذا الكتاب تناول كتابات جيل الرواد الذين عاصروه أو تتلمذ على كتاباتهم لتكون مرجعًا عامًّا للجميع، حلَّل وقدم نقدًا لكتابات الأساتذة العظام مثل: الدكتور محمد حسين هيكل، وطه حسين، وتوفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، وغيرهم.

قيل عن «يحيى حقي»

أدرك الأدباء الكبار قيمة يحيى حقي وقدره واعترفوا بجميل صنعه في الكتابة، فأهدى إليه «نجيب محفوظ» فوزه بجائزة نوبل، وقال إنه «يشعر بالخجل أنه فاز بالجائزة في حياة يحيى حقي الذي هو أحق بها منه لما قدمه من فضل في تأسيس المدرسة الحديثة في الأدب والنقد».

أمَّا صديق عمره الكاتب «محمود شاكر» فقال عنه: «كنت ألمح فيه شفافية من الصعب أن أجدها في غيره، ويستحق حقي أضعاف أضعاف جائزة نوبل»، وكشف شاكر عن قيمة وسر في غاية الأهمية ومكوِّن رئيسي في خلطة نجاح رفيق دربه فقال:

كان حقي أحسن الناس استماعًا، خاصةً عند إبداء الملاحظات النقدية، بالإضافة إلى أنه دائم اليقظة في التقاط جمال العبارة العربية كالصيَّاد الماهر الذي يتقن صيد الجمال في اللغة وآدابها، ويستطيع بقدرة فائقة اختزان كل ما يعرف، ويمثله فيما يكتب بأسلوبه وعباراته بغير محاكاة أو تقليد؛ وإنما باقتدار وفن وبراعة، جعلته لا يقع فيما يقع فيه غيره من النقاد والأدباء، وهو ما أكسبه شخصية متميزة ومستقلة قائمة بذاتها كامنة في نفسه لا تظهر إلا عند الكتابة أو الاحتكاك بالآخرين.

غروب الشمس

هكذا جاءت كتابات يحيى حقي شاهدة ومفسرة وناقدة للمناخ الثقافي والحياة الأدبية والسياسية والاجتماعية في الشارع المصري، وتميزت لغته بالشاعرية والعمق، وقد كان هذان سمتين أساسيين في كتابته، فهو القادر على الرسم بالكلمات وتحويلها للوحة فنية متكاملة تغذي العقل وتلهم الروح وتفتنها.

أمَّا روحه هو فقد عزفت عن المشاركة الأدبية حين أتم عامه السبعين، وبعدها رحل في هدوء عام 1992 كما كان يرغب، فهو العاشق للظل في حياته الشخصية، بينما أشرقت شمس كتاباته المتوهجة وأضاءت فضاءات الأدب العربي، فيصعب دائمًا توصيف كتابته أو تصنيفها، فقد كانت نفحة ممتلئة بالأعاجيب نادرة التكرار، تملأ الوجدان بنشوة الحرف، وجعلته معزوفة شجية تحمل همًّا وتعطي أملًا في غد سيشرق بالتأكيد طالما نردد: «خليها على الله».

مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير.