هناك مسألة بديهية في السياسة وهي أن السياسي الناجح هو الذي يحقق المتاح ويسعى للمستحيل، والفاشل هو الذي يسعى للمستحيل دون أن يحقق المتاح.

حتى فترة قريبة كان ينظر لمسعود البرزاني باعتباره أحد أنجح السياسيين في الشرق الأوسط لأنه كان بعيدًا عن الاستقطاب المذهبي والجيوسياسي، ولأنه يتبنى خطابًا واقعيًا، ويتعامل بحنكة مع قوى إقليمية عظمى تجاوره هي تركيا وإيران، تعادي صراحة المشروع الذي يحلم به وهو مشروع الدولة الكردية. ولكن السيد مسعود البرزاني رئيس إقليم كوردستان العراق بدهائه استطاع أن يبقي حلمه حيًا وذلك عن طريق استغلال التوتر التركي الإيراني ليندفع متحالفًا مرة مع طهران ومرة مع أنقرة، وهذا بما يضمن مصالح القطعة التي يحكمها بشكل شبه مستقل في شمال العراق.

تبدأ القصة عندما وافق صدام حسين على منح الأكراد حكمًا ذاتيًا حصلوا عليه بحكم الأمر الواقع بعد قيام المجتمع الدولي بإنشاء منطقة آمنة في شمال العراق لإيقاف المجازر التي كان يقوم بها نظام صدام ضد ثوار ما سمي بـ «الانتفاضة الشعبانية»، وفرِضت المنطقة الآمنة على المنطقة الكردية دون مناطق جنوب العراق التي اكتفى المجتمع الدولي بإنشاء منطقة حظر جوي عليها فقط، لكنه لم يحرم نظام صدام من حق تحريك الآليات والقوات ما أتاح له سحق الانتفاضة في جنوب العراق، بينما أسهمت طبيعة منطقة شمال العراق الجبلية وحرمان النظام العراقي من الطيران، في عجز نظام صدام عن قمع الانتفاضة الكردية، فترك المنطقة للأكراد.

لكنّ الكرد اختلفوا مع بعضهم عام 1996، وتقاتلوا، فقد كانت مجموعة مسعود بارزاني موالية للغرب، بينما كانت مجموعة طالباني مرتبطة بالمعسكر الشرقي ومتحالفة مع نظام إيران. ولما دب الخلاف، اختار بارزاني التحالف مع عدو الكرد صدام حسين الذي قام بالهجوم على مناطق شمال العراق، فانتزع أربيل ودهوك وسلّمهما لحزب بارزاني.

الأكراد، صدام حسين، مسعود برزاني، جلال طالباني
الأكراد، صدام حسين، مسعود برزاني، جلال طالباني

ولذلك، فقد كان بارزاني ممتنًا لصدام حسين، وفي عام 2003، لم يقم بارزاني بأي ملاحقات لأتباع صدام، بل إنه جعل إقليم كردستان العراق ملجأ للبعثيين وحلفائهم من معارضي العملية السياسية تقديرًا منه لدور صدام في إجلاسه على زعامة الكرد منفردًا.

https://www.youtube.com/watch?v=eVLVcN9Ruqc


استقلال كردستان: لعبة برزاني الخطيرة

في وقت عصيب في الإقليم، توترت فيه الأجواء في الخليج وتدخلت فيه روسيا عسكريًا في سوريا، ووصل إلى رئاسة الولايات المتحدة لأول مرة رئيس ليس من النخبة السياسية المعروفة، حيث لم يحكم ولاية ولم يكن يومًا عضوًا في الكونغرس أو مجلس الشيوخ، وهو بالأساس رجل أعمال ومقدم تلفزيوني يميل إلى الاستعراض ويمتاز بغرابة الأطوار، مع كارثة تواجه الدول النفطية وهي انهيار أسعار الطاقة بسبب تطور تقنيات استخراج النفط الصخري – قرّر السيد مسعود بارزاني أن يجري استفتاء استقلال إقليم كردستان الذي يعتمد بالأساس على الدعم الأمريكي وعلى تصدير النفط، و هذا ما جلب له عاصفة من النقد داخل كردستان. لكنّ برزاني بدهاء شديد، استغل حلم الكرد في الاستقلال لإسكات أصوات منتقديه واتهامهم بخيانة الحلم الكردي بالاستقلال، وموالاة دول أجنبية.

برزاني تناسى أن معارضة استقلال الكرد هي بالأساس خارجية، ومن دول جوار كردستان، فإن كان قد نجح في إسكات أصوات منتقديه في داخل كردستان، فكيف سيستطيع التعامل مع دول الجوار الرافضة تمامًا لاستقلال الإقليم؟ ويبدو أن برزاني تم خداعه من قبل بعض الدول الخليجية التي أزعجها التدخل التركي في الأزمة الخليجية، فوعدته هذه الدول، حسب تقارير، بأنهم سيقومون بتليين الموقف الأمريكي تجاه الاستقلال الكردي، وسيتكفلون بنفقة قيام الاستفتاء، بل سيعترفون بالدولة الجديدة مباشرة، مما دفع الرئيس برزاني نحو هذا التورط.

لكن يجب عدم التغافل عن أمرين هامين جدا: أولهما، الأزمة السياسية التي تجتاح الإقليم من مدة والمتعلقة بشكل أساسي بانتخاب رئاسة جديدة لإقليم كردستان، والأحزاب الكردية ليست متفقة على كيفية وآلية الانتخابات. وثانيهما، الحراك الإجتماعي الذي اجتاح الإقليم والإضرابات وحرْق مقارات حزب برزاني من قبل المحتجين المطالبين بالرواتب والعلاوات، سواء كان من البيشمركة أو قطاعات المعلمين الذين يشاهدون حياة البذخ التي يعيشها برزاني و أسرته بينما هم يعانون الويلات، وربما استخدم الرئيس بارزاني قضية الاستفتاء من أجل إعادة توحيد الكرد تحت أسرته من جديد.


كركوك: انتصار إيراني مدوٍ وفضيحة للغرب

الغربيون في حالة صدمة كبرى مما حدث في يومي الأحد والاثنين الماضيين. البيشمركة التي لطالما طبل وزمر لها الإعلام الغربي وتحدث عن شجاعتها، تسلم مدينة كركوك الاستراتيجية دون قتال للجيش العراقي وقوات الحشد الشعبي.

عندما بدأت الاحتكاكات الأولى، خرج الفيلسوف الفرنسي الفوضوي المثير للجدل برنارد ليفي الذي يتهم بأنه منظر الفوضى في الشرق الأوسط، ليهزأ بالجيش العراقي و يحذرهم من الاقتراب من البيشمركة وكركوك. لكن كلام برنارد ليفي لم يكن له قيمة. فكركوك تم (فتحها) صلحًا، حيث أن هنالك خيانة قد تمت. وحسب وسائل إعلام كردية، فلقد تواطأ حزب طالباني (الحزب الوطني الكردستاني) وسحب قوات البيشمركة التابعة له من كركوك، وأًصدر أوامره للباقين بتسهيل تسليم كركوك للقوات الاتحادية والحشد الشعبي، وهذا ما سبب صدمة كبرى لبرزاني ودفع قواته هي الأخرى للانسحاب دون قتال، وشوهد مقاتلو بشمركة بارزاني يبكون من خيانة رفاقهم الكرد، وتسليمهم كركوك التي يعتبرها الأكراد مدينتهم المقدسة.

الاتفاق عقد بين قاسم سليماني وبافيل طالباني، نجل الزعيم جلال طالباني، يتكوّن من تسعة بنود أهمها هو تقسيم كردستان إلى إقليمين بدلا عن إقليم واحد، وتكفّل الحكومة الاتحادية لكردستان (طالباني) المنتظرَة بدفع رواتب الموظفين والعاملين، مقابل تسليم بافيل طالباني للمناطق الاستراتيجية للجيش العراقي، وإعطاء آبار النفط للحكومة الإتحادية

و قد كشف النائب مسعود حيدر عن كتلة التغيير (غوران) بنود الاتفاق، وهي حسب ما صرح لفضائية «روادو» الكردية:

1- تمركز القوات العراقية في المناطق الكردستانية الواقعة خارج إدارة إقليم كردستان، وسحب قوات البيشمركة من تلك المناطق.

2- تسليم 17 وحدة إدارية من أقضية ونواحي كركوك للسلطة الاتحادية التي تديرها حكومة إقليم كردستان منذ عام 2014، وإذا لم يتم تسليمها فستطالب بغداد بـ 11 وحدة إدارية أخرى من التي تديرها حكومة الإقليم منذ عام 2003، ليصبح عدد الوحدات الإدارية 28 وحدة إدارية.

3- تشكيل إدارة مشتركة لمركز محافظة كركوك، بحيث يُخصص 15 حيًا للكرد، و25 حيًا للمكونات الأخرى، وذلك لمدة 6 أشهر.

4- المناطق الاستراتيجية في كركوك ستكون خاضعة لإدارة الحكومة العراقية، مثل قاعدة كيوان، المطار، وآبار النفط.

5- إعادة حركة الملاحة الجوية إلى مطار السليمانية.

6 – دفع رواتب موظفي السليمانية وكركوك من قبل الحكومة العراقية.

7- دفع رواتب قوات البيشمركة داخل السليمانية وفقًا للقائمة التي أعدها بافل الطالباني.

8- إنشاء إقليم «السليمانية – كركوك – حلبجة».

9- تشكيل حكومة جديدة للإقليم الجديد.

إذا ما صحّ ذلك التسريب، فإن خسارة بارزاني كبيرة جدا لأنه خسر صداقة تركيا بإجراء الإستفتاء، ثم ها هو يخسر النفط لصالح إقليم طالباني المنافس، وربما لن يكون لطالباني خيار سوى إعلان الحرب على كرد السليمانية من حزب طالباني، وسيفقد إقليم كردستان الاستقرار الجميل الذي كان يتمتع به.

ربما يصرخ الآن بارزاني متهمًا أعداءه في الحزب الوطني الكردستاني بأنهم خونة و عملاء إيران كما لمح لذلك بيان قيادة البيشمركة؛ لكن فليسأل السيد بارزاني نفسه: ألم يتحالف هو مع صدام حسين، أكبر أعداء الكرد، من أجل سحق قوات طالباني وطردهم من أربيل ومعبر إبراهيم الخليل عام 1996؟ أعتقد أن على السيد بارزاني أن يعض أصابع الندم على تفريطه في صداقة تركيا الجارة مقابل أوهام صداقة الأمريكان الذين لا صديق لهم، ووعود الخليجيين الذين هم دائمًا أعجز ما يكون عن تنفيذها.