لدفع المشاكل التي تواجهها المسيحية التقليدية وضعت الفيلسوفة الأمريكية «ليندا ترينكاوس زاغزيبسكي» نظرية أخلاقية إلهية تستند فيها على مفاهيم علمانية، لكن تقتصر فوائدها على المجال البشري، ومحورها وأساسها هو مبدأ الاقتداء بالأشخاص أو ما يُسمى بالحالات الاقتدائية التي تتجسَّد فيها القيم والمفاهيم الأخلاقية.

وليندا من فلاسفة الأخلاق المعاصرين الأمريكيين، لكن في هذا المقال لن نقتصر فقط على النظرية الاقتدائية، وإنما سنقدم الاعتراضات التي أوردتها «النظرية الائتمانية» عليها، ومواطن الخلل التي أبرزتها للقارئ، وهي نظرية أخلاقية لصاحبها الفيلسوف «طه عبد الرحمن»، وهو من فلاسفة الأخلاق المعاصرين في المغرب.

تُسلِّم النظرية الأخلاقية لزاغزيبسكي بأن القدوات ينهضون بمهمة التنمية الأخلاقية للآخرين، لكي يُقبلوا على القدوات بالتقليد والإعجاب، خاصة القدوات الدينية، ولذا، فإن زاغزيبسكي تُدخِل مفاهيم التقليد والإعجاب في المفاهيم الأخلاقية الأساسية، وتضع ثلاثة نماذج من القدوات (البطل، والحكيم، والقديس).

يتردد كثيرًا أمام القارئ مفهوم الاقتداء في هذه النظرية، ذلك لأن صاحبتها تسعى من خلالها إلى تمكين المسيحيين من أخذ تصور للأخلاق يدعم عقيدتي التثليث والتجسيد، هذه العقائد التي تشهد تصدعًا في البنية العقائدية للمسيحية؛ فإذا أخذنا عقيدة التثليث فالقدوة فيها يكون الإله الأسمى.

بينما تُسلِم النظرية الائتمانية بالقدوات الذين يتولون مهمة التزكية لأقوامهم، وتسعى من وراء هذا التأسيس الديني للتربية الأخلاقية إلى رد تزكية الأمم إلى رُسلهم، ولذا فالنظرية الائتمانية تستغني بثراء رصيدها الديني عن تقليد مفاهيم العلمانية، وإن كانت تقر بهيمنة هذا التوجه على الفكر الأخلاقي.

تبتغي النظرية الاقتدائية الجمع بين التوجه المسيحي والعلماني، وإن كانا توجهين متعارضين، لذا فهي نظرية ذات وجهين لها مقصد دياني ووسيلة علمانية؛ الأمر الذي تؤاخذه النظرية الائتمانية عليها، لأنها جعلتها تقع في آفتين:

1. آفة التشبه الكياني للإنسان بالإله

ترى زاغزيبسكي أن الاقتداء يقتضي ضرورةً التشبه بالآخر من خلال التسميات الثلاثة التي عرضناها، لكن هذا التشبه يكون في الأساس تشبهًا بالإله، مستندة في ذلك على المرجعية التوراتية التي تحث على التحلي بالأفعال التي يأتيها الإنسان بقدسية الإله، كما جاء في «سفر اللاويين»، ويكون هذا التشبه أقرب إلى التشبه الكياني منه إلى التشبه الإحالي؛ أي تشبه الذات البشرية بالذات الإلهية طبيعةً، فالتشبه الأخلاقي في الجانب المسيحي يكون حقيقيًّا غير مجازي وعباريًّا غير إشاري.

يُزوِّد هذا التجسيد الأخلاقي –حسب زاغزيبسكي– المُقتدِي برباط أساسي، يجمع بين ميتافيزيقا الإله والفضيلة؛ بحيث ترتكز الميتافيزيقا على شخصية الإله، بينما تختص الفضيلة بشخصية الإنسان، فمن المؤكد أن الأشخاص الفاضلين يصبحون فاضلين لأنهم يختارون بانتظام القيام بأعمال فاضلة، أي أداء أفعال فاضلة، ولذا تُفرِّق زاغزيبسكي بين مفهوم «الشخص» و«الطبيعة»، فبناءً على هذا المُقوِّم والرباط ودين المسيحية الذي تؤمن به وترسخه في نظريتها الأخلاقية، فهي تُسلِّم بأمرين:

  • إمكان وحدة الطبيعة بناء على عقيدة التثليث.
  • اجتماع الطبيعتين في شخص واحد بناء على عقيدة التجسيد.

للشخص خمس خصائص: (الطبيعة العقلية، والذاتية، والحرية، والارتباط بعلاقات مع أشخاص آخرين) والخامسة، وهي التي تهمنا، هي المفاصلة التي تقصد بها فردية الشخص وخصوصيته، كونه كائنًا لا يقبل أن يشترك مع غيره في الأوصاف أو أي محل تواصل آخر.

وإذا كان ما يميز الذات هو شخصيتها، لأنها أمر مخصوص بكل ذات على حدة؛ فهي مفاصلة لا تقبل النقل ولا المشاركة، كما لا تتعلق بالصفة التي تكون مشتركة ولا تُستبدل (الأشخاص يملكون ذاتية مفاصلة ولا يستبدلون)، فالمفاصلة بمعنى الفصل والمفارقة. [1]

من القدوات التي تقدمها زاغزيبسكي «المسيح»، وذلك كقدوة تاريخية، كونه الشخص الصالح النموذجي المركزي، والمسيح -عليه السلام- قدوة نملك عنها أوصافًا حية، ولها علاقة شبه بالإله، أمَّا بخصوص المعتقد الثاني «التجسيد» فهي قدوة تُيسِّر وتُسهِّل طريق التشبه بالإله، فالمسيح قدوة شخصية يتحقق فيها الجمع بين طبيعتين «الإلهية والبشرية».

التشبه الكياني الذي قام في النظرية الاقتدائية قام على ثلاث دعامات: (المفاصلة، والشخص، والتجسيد).

والآن ننتقل لأهم اعتراضين قدَّمتهما «النظرية الائتمانية» على هذه الآفة، وفي الأصل هي أربع اعتراضات، نذكر منها الآتي، ونترك للقارئ اكتشاف الباقي:

مفهوم المفاصلة يقع في الابتذال:

لقد تبيَّن مما سبق أن المفاصلة أهم سمة للشخص، وأن القدوة أهم شخص مفاصل، وبهذا الاعتبار يقدم «طه عبد الرحمن» أول اعتراض، وهو أن زاغزيبسكي خلطت بين دلالة الإحالة والإفادة في نسبهما إلى معيار المفاصلة، فالصواب أن تنسب المفاصلة إلى دلالة الإحالة وليس إلى دلالة الإفادة ما دامت المفاصلة تعني وجود شيء زائد في الشخص.

ومن هنا يلزم أن الشخص مفهوم إحالي وليس إفاديًّا، يقول طه:

إذا كان الشخص من جهة الوجود محله الإحالة، فإن محله من جهة المعرفة هو الطبيعة، أي مجموعة خصائص؛ ولئن كانت الطبيعة معرفيًّا محلها الإفادة، فإن محل وجودها هو الشخص. [2]

فمن هذا القول نفهم أنه يقول بتكامل مفهومي «الشخص» و«الطبيعة»، عكس ما ذهبت إليه زاغزيبسكي، والذي أوقعها في الاعتقاد بانفصال الصفات الإلهية الدالة على وحدانية الإله عن شخصيته.

مفهوم الشخص الذي تعرض له شبهة التناقض:

تُحدِّد زاغزيبسكي أن الشخص كائن مفاصل للآخرين، أو بالأحرى مفاصل لغيره من الأشخاص، وتقول في الحين نفسه بتطابق الشخص مع غيره من الأشخاص، كما يتطابق في شخصية المسيح الجانب الإلهي والناسوتي، أي «هو هو»؛ فهو إله من جانب وهو ابن الإله من جانب آخر.

وتهافُت هذا الرأي يظهر من خلال أمرين، فإذا افترضنا أن استعمال مفهوم التطابق على مقتضى دلالة الإفادة يكون المراد منه أن ماهية الشخصين واحدة، وهذا يعارض ولا يتفق مع ما جاء في العلاقات بين الأشخاص بالنظرية الاقتدائية لصاحبتها، لأنها تُصوِّر العلاقات في قالب إحالي وليس إفاديًّا، أمَّا إذا افترضنا أن مفهوم التطابق الذي استُعمِل على مقتضى دلالة الإحالة، بحيث يكون وجود الشخصين واحدًا، فعندئذٍ يكون المسيح والإله وجهين مختلفين لحقيقة واحدة، الأمر الذي يُولِّد اعتراضًا آخر، فهذا القول يتعارض مع الاعتقاد بالطبيعة الواحدة للإله والمزدوجة للمسيح.

وبخلاصة، ففي هذه الآفة نرى كيف أن الجانب اللاهوتي يفضي إلى التشبه الكياني للإنسان بالإله بموجب مقتضى التجسيد.

2. آفة التشبيه الوجداني للإله بالإنسان

لقد ذكرنا في الآفة السابقة كيف سعت النظرية الأخلاقية لزاغزيبسكي إلى تأليه الإنسان ورفعه إلى رتبة الإله، أي الإعلاء من شأن الإنسان، وذلك في الجانب اللاهوتي من النظرية، والآن سنُحلِّل في الآفة الثانية، التي تختص بالجانب العلماني، الذي يفضي إلى التشبه الوجداني للإله بالإنسان.

تحاول زاغزيبسكي هنا إنزال الإله إلى رتبة البشر، وذلك من خلال إرجاع كل المسائل الإلهية إلى مسائل بشرية وفق نظرية الفضيلة، التي تقتضي أنه كما للإنسان فضائل فكذلك للإله فضائل، وهي تهدف من خلال هذا التأسيس إلى خدمة الأخلاق المسيحية وعقلنة عقيدتي التثليث والتجسيد.

ونظرية الفضيلة تتأسس على الباعث (نظرية الإلهية للباعث)، هذا المفهوم «الباعث الصالح» الذي وضعته زاغزيبسكي لتنفي عن الإله الإرادة وتقول به، كون الإله يصدر عنها، وهي بواعث تتصف بالصلاح والكمال.

وإذا كانت الفضائل البشرية هي تقليد باهت للفضائل الإلهية، فهذه الأخيرة ليست مجرد تقليد لسمات أكثر صلابة وأغنى تنوعًا لكائنات مجسدة ومثقفة، ولما تم تصوُّر أن للإله فضائل لزم أن له أحوالًا كما للإنسان أحوال؛ لكن وجه الاختلاف بين الفضائل الإلهية والبشرية هو أن الإله هو الكائن الوحيد الذي هو فاضل فضيلة خالصة وتامة، ولذا لزم القول بوجود فضائل إلهية تقابل فضائل بشرية، كالعدل والرحمة والعفو والإحسان، وأخرى لا تقابلها كالشجاعة والتقوى والرجاء.

ومن أوجه الاعتراض على التشبيه الوجداني للإله بالإنسان، ودائمًا تُقدمها «النظرية الائتمانية»، ما يلي:

التشبه بالإله مردود إلى تشبيه الإله بالإنسان:

سعت زاغزيبسكي جاهدة -كما رأينا- إلى تأسيس الفضائل البشرية على البواعث الإلهية بواسطة المفاهيم الأخلاقية، بحيث يكون للبواعث البشرية من الصلاح بقدر ما تحصله من التشبه بالبواعث الإلهية، ودلَّلت على ذلك بأن تحصيل المعرفة بأخلاق الإله يقتضي تشبه أخلاقنا بأخلاقه؛ فلا تتحقق معرفة أوصاف الإله إلا من خلال معرفة أوصاف أنفسنا، وبهذا وقعت زاغزيبسكي في التشبه البشري بأخلاق الإله وفق قانون تشبيه الإله بالإنسان.

نفسية الإله كنفسية الإنسان:

ادَّعت زاغزيبسكي وجود توجه نفساني للإله، فجعلت للإله نفسًا قائمة به كما أن للإنسان نفسًا قائمة به، في إطار تصور علاقة التشبه الإلهي بالإنسان، فنقلت له الأوصاف الداخلية التي تتصف بها النفس البشرية تركيبًا وتأثيرًا، فللإله أحوال وجدانية وعاطفية كما للإنسان، لكنها تبقى أحوالًا تتميز بالكمال.

هذا التهافت الذي وقعت فيه زاغزيبسكي أثناء القول بنفسية الإله، ناتج عن تجاهل أهمية الصفات والأسماء الإلهية التي هي مصدر لكل خير، فالإله يصدر في كل شيء عن كمالات صفاته، وصفاته عينه بحيث لا يستبد بشيء اعتسافًا منه ولا يستبد به شيء استقلالًا عنه [3]، فما تسميه زاغزيبسكي بالصفات الإلهية، والتي تنزلها بمثابة أحوال وجب التشبه بها، هي في الحقيقة ما نسميه بـ «المعاني» و«المقاصد» و«القيم».

إذن، يظهر أن التصور التجسيدي في النظرية الاقتدائية ينافي المواثقة الائتمانية؛ بحيث تقرر في هذه الأخيرة أن الأديان كلها من أصل واحد «التوحيد»، كما تُقرِّر فيها العلاقة التي تربط أهل هذه الأديان بربهم، والتي تحددها المواثيق التي أعطوها ربَّهم ما ائتمنهم على شيء.

فالنظرية الائتمانية تُرسِي مبدأً أساسيًّا، وهو أن العلاقة الأصلية التي تجمع الإنسان بالإله هي علاقة ميثاقية صريحة (ميثاق الإشهاد، وميثاق الاستئمان، وميثاق الإرسال)، وهي علاقة بيانية بامتياز.

أمَّا بخصوص التشبيه الوجداني للإله بالإنسان، فإن زاغزيبسكي تُقِّر ذلك كأنه أمر ضروري لفهم الطبيعة الإلهية، ناهيك بأنها أنكرت بقوة وجود الفطرة، مع أنها هي الأنسب لبيان الصلة بين الإله والإنسان، إذ تحتفظ بالمعاني والقيم التي هي آثار الصفات الإلهية.

المراجع
  1. عبد الرحمن طه، “المفاهيم الأخلاقية بين الائتمانية والعَلمانية”، ج1، دار الأمان، الرباط، 2021، ص 186.
  2. المرجع السابق، ص 188.
  3. المرجع السابق، ص 202.

مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير.