كانت مسألة تهجير الأرمن من المناطق الحدودية مع روسيا إلى ولاية سوريا العثمانية، وما صاحبها من حوادث وتجاوزات مادة خصبة للدعاية والإعلام بخاصة في وقت الحرب، إذ تصبح وسائل الدعاية من الأسلحة التي لا تقل أهمية عن طوابير الجيش الأربعة.

وعليه؛ فقد استمرت وسائل الإعلام الغربي، بخاصة دول الحلفاء في إبراز الأحداث الأرمينية بالشكل الذي يخدم دول الحلفاء، ومن الطبيعي أن يكون ذلك بتوجيهات من الحكومات بما يؤيد خططها، ويخدم مصالحها وتوجهاتها.

الدعاية وإعلان الجهاد

ففي 2 أكتوبر/تشرين الأول 1915 كتب اللورد كرومر Cromer إلى اللورد كريو في وزارة الخارجية، لعرض المسألة الأرمينية في مجلس اللوردات الذي سيعقد بعد أيام، يقول فيه: «أعتقد أنه من المرغوب فيه في الوقت الحالي إعطاء الدعاية الأهمية الكبرى، ضد الحكومة التركية والإجراءات المتخذة ضد الأرمن، وبخاصة لدى المسلمين المتعلمين في الهند؛ ليدركوا طبيعة الحكومة التركية، مع الحرص على عدم ربط طبيعة الإسلام وتعاليمه بما تفعله تركيا». [1]

وكان السبب الرئيسي في ذكر مسلمي الهند هو إعلان الجهاد الذي أعلنه السلطان العثماني على مسلمي العالم بعد دخول الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى، وخشية دول الحلفاء أن يؤدي هذا الإعلان إلى اضطرابات لدى الجاليات الإسلامية في دولهم أو لدى المسلمين في مستعمراتهم. [2]

وفي 6 أكتوبر/تشرين الأول 1915 قام اللورد برايس في مجلس اللوردات بعرض المسألة الأرمينية، لكن وفقًا لمقترحات المجلس فإن اللورد برايس أعطى «صورة رهيبة» للحوادث في الأناضول، اعتمادًا على مصادر أرمينية وعلى المبشرين. [3]

من جهة أخرى؛ كانت الصحافة البريطانية قد أرسلت إلى اللورد برايس لإمدادهم بالأخبار والمعلومات، وإمدادهم بشكل أخص بالصور عن الأحداث، ووعدهم بفعل ما يلزم، إلا أنه لم يتمكن من الحصول على الصور رغم مساعدة أصدقائه الأرمن. [4]

دليل واهٍ جدًا

وفي 1 يونيو/حزيران 1916 كتب برايس إلى اللورد جراي: لصالح الخلفية التاريخية أجد أنه من المناسب أن أكتب تقريرًا مفصلاً عن الأحداث الأرمينية، وتحليلها، إذ إنه قد تمت الاستجابة لدعوتي، وجاء كثيرون من الأرمن بالمصادر التي تثبت صحة أقوالهم.

ثم أوضح أنه تعاون مع «مؤرخ شاب له خلفية أكاديمية جيدة هو آرنولد توينبي، الذي كان يعمل سابقًا في أكسفورد». [5]

في 23 أغسطس/آب أجاب اللورد جراي أن التقرير «دليل واهٍ جدًا»، وعند نشره سيُفحص على نطاق عالمي من قبل كل المهتمين بالمسألة، لكن برايس قال إن هذا التقرير سيساعد في «دعم القضية الأرمينية والأرمن الضعفاء» ضد الحكومة التركية، ليس هذا فحسب، بل «سيمد المؤرخين بالمعلومات في المستقبل». [6]

كان اللورد برايس من الليبراليين البريطانيين، وكان شديد الكراهية للأتراك والمسلمين عامة، وللحكم التركي في أوروبا، وكان قد نشر كتابه «القوقاز وأرارات» عام 1877، شجع فيه الأرمن على الثورة ضد العثمانيين قائلاً: «لماذا لا يثور الأرمن على الظالمين كما فعل أجدادهم ضد الفرس». [7]

العصابة تتبادل المعلومات

في أغسطس/آب 1889 وقعت حادثة في إحدى مدن شرق الأناضول تسمى بلايدر Blaider، راح ضحيتها سبعة قتلى من الأرمن، ودمر 50 منزلاً، وعلى الفور استغل برايس الحادث، وراح يتهم رجال القبائل الكردية والمسلمين المتعصبين الأتراك، لكن بعد أيام عرف سبب الحادث؛ إذ أرسل المستشار البريطاني توماس بويدجيان Thomas Boyadjian وهو من أصل أرميني تقريرًا إلى البرلمان البريطاني عن الحادث جاء فيه أن سبب هذا الحادث شخص أرمني من هذه القرية تحول إلى المذهب الكاثوليكي وقرر أن يقضي على كل الأرمن حوله الذين لم يتحولوا. [8]

في أول مارس/آذار 1915 اقترح اللورد برايس أن تعلن روسيا عن دعمها لحكم ذاتي أرميني تحت الحماية الروسية، وطبقًا لرؤية برايس فإن هذا الإعلان سوف يلتقي مع رغبة الأرمن في الاستقلال، ويجعلهم يطلبون المساعدة من الحلفاء في صراعهم مع تركيا. [9]

بل هو قد شجع الأرمن بشكل رسمي للثورة ضد الأتراك في قليقيا (المناطق التي يسكنها الأرمن شرقي الأناضول). [10]

كان اللورد برايس على علاقة بالسفير الأمريكي في إسطنبول- هنري مورجنثاو- وقد صاحبه في زيارته إلى القدس عام 1914، وقد راسله برايس بعد ذلك بخصوص المسألة الأرمينية، وكتب: «إذ ما استلمت سفارتكم أي تقارير من المبشرين الأمريكان في آسيا التركية/الأناضول، والتي من الممكن أن تلقي الضوء على الموقف هناك؛ فإنني آمل أن تسمح لي بالاطلاع عليها من حين لآخر».

وهو ما فعله مورجنثاو؛ إذ كان يزود برايس بتقارير المبشرين والقناصل وغيرها من التقارير الخاصة بالسفريات والرحلات. [11]

ونستطيع الاطلاع على هذه التقارير الأمريكية ضمن كتاب برايس الذي نشره بالاشتراك مع توينبي. وعلى سبيل المثال تقرير القنصل الأمريكي في حلب ج. ب. جاكسون J. B. Jackson.

وقد صرح مورجنثاو بهذا قائلًا: «إن أغلب المواد التي جمعتها نشرت بالفعل في النشرة الممتازة للمواد الموثقة التي جمعها الفيكونت برايس». [12]

وعند مراجعة ما كتبه توينبي في كتابيه «الفظائع الأرمنية… مقتل أمة» و«الطغاة القتلة الأتراك»، نجد كثيرًا من التقارير التي لم تكن سوى وصف السفير مورجنثاو نفسه. [13]

لقد لعب السفير مورجنثاو دورًا رئيسيًا في المواد المجمعة للكتب التي تتحدث عن الأحداث وقت الحرب ومعاملة الأتراك الأرمن.

كما كان أيضًا هو مصدر المقالات المنشورة في بعض الصحف الأرمينية الصادرة في لندن مثل Arart وHorizon، وأخرى صادرة في نيويورك مثل Gochnak، وكذلك بعض اللجان الأمريكية المكلفة بإعداد تقارير عن الفظائع التركية ضد الأرمن، والتي استقت معلوماتها من السفير مورجنثاو والبعثات التبشيرية والأرمن النازحين إلى أمريكا. [14]

شهادات ووثائق اللورد برايس

ونستعرض فيما يلي بعضًا من هذه «الوثائق والشهادات» التي جمعها برايس في كتابه «معاملة الأرمن في الإمبراطورية العثمانية».

بحسب رواية الآنسة جريس كناب الأمريكية المقيمة في مدينة وان، وهي رقم 15 في مجموعة برايس، فإن عدد سكان هذه المدينة كان خمسين ألفًا، ثلاثة أخماسهـم من الأرمن، وكانوا يشعرون بقوتهم، وكانت عيشتهم مزدهرة، وكان يفخرون بمدينتهم هذه التي سموها «مدينة الكروم»، و«مدينة الحدائق»، وكانت تنشط بينهم الأحزاب الأرمينية، ويتزعمهم نائبهم في البرلمان العثماني أرشاك فراميان وزميلاه نيكوغايوس أشخان وآرام (مانوكيان)، وكانت بالمدينة إرسالية أمريكية ومعسكرات للقوات المسلحة العثمانية، وكان حاكمها العسكري «جودت بك» صهرًا لأنور باشا، وقد بدأت الأحداث فيها بطلب هذا الحاكم أو الوالي من أهلها من الأرمن ثلاثة آلاف شاب لتجنيدهم.

وقد تجمع الأرمن في يوم 20 أبريل/نيسان 1915 بقيادة آرام مانوكيان في حي واحد هو حيهم المسمى «الحي ذو الأسوار»، وأحكموا تحصينه، وظلوا يقاومون بأسلحتهم القليلة البالغة 300 بندقية، وبالذخائر التي كانوا يصنعونها محليًا، هجمات القوات المسلحة العثمانية، واستطاعوا في وقت ما الاستيلاء على أحد المعسكرين العثمانيين، وصمدوا حتى دخلت القوات الروسية وقوات المتطوعين الأرمن التي أرسلت لنجدتهم. [15]

وبحسب رواية القس الأرمني ديكران أندوسيان راعي كنيسة الأرمن البروتستانت في زيتون وهي رقم 12 في مجموعة برايس كانت الحالة متوترة في منطقة زيتون عند نشوب الحرب بسبب عدم إقبال الأرمن على التجنيد، وفرار بعضهم منه إلى الجبال، وقتالهم مطارديهم من الجنود.

وبحسب رواية الكاتب العربي «فايز أسعد الغصين» في كتابه «أرمينية الشهيدة» والذي كان متعلقًا بديار بكر ثم أطلق سراحه، فإن الوالي رشيد بك أمر بالقبض على أعيان الأرمن بهم وسجنهم؛ لأن عامتهم كانوا لا يقبلون على الخدمة العسكرية، ويهربون منها، ويقومون بتشكيل العصابات.

وبحسب رواية الأرمني توماس مجردتشيان وهي رقم 134 بمجموعة برايس جرت المذابح على ثلاث دفعات في المدة من 19 أغسطس/آب حتى أول أكتوبر/تشرين الأول 1915، وراح ضحيتها كل الأرمن بها الذي بلغ عددهم قرابة 28 ألفًا؛ إذ رفضوا الانصياع لأوامر ترحيلهم، وتحصنوا بحيهم، فهاجمتهم القوات العثمانية بقيادة فخري باشا وضربتهم بالمدافع. [16]

رواية شاهد أجنبي لم يذكر اسمه أيضًا؛ مقيم في قونية، ومؤرخة في يوم 17 يوليو/تموز عام 1915 هي رقم 125 في مجموعة برايس تقول، إن السلطات العثمانية أسكنت الأرمن المبعدين في إسطبلات الجمال بعد أن خلت منها لأخذها لنقل المعدات الحربية، وكانت تعطي لكل منهم مائة وخمسين درهمًا من الدقيق يوميًا، ثم أنقصته إلى مائة، ثم لم تعطهم شيئًا بعد أربعة أسابيع وتركتهم يبحثون عن أعمال للاقتيات منها. [17]

وبحسب رواية أجنبي آخر لم يذكر اسمه مقيم بطرابزون وهي رقم 72 بمجموعة برايس فإنه في يوم 26 يونيو/حزيران عام 1915 ألصقت بالشوارع إعلانات عن وجوب ترحيل كل الأرمن من طرابزن. وفي أول يوليو/تموز عام 1915 بدأ القبض عليهم من منازلهم البالغة جملتها ألف، وأرسلوا جنوبًا إلى داخل الأناضول برصا، كما أن بعضهم حمل في قوارب صغيرة لإرسالهم غربًا إلى ميناء سمسون بحرًا، فغرقت بهم هذه القوارب في الطريق إليها، ولعل هذا ما كان مقصودًا.

ومن الأعمال غير الإنسانية التي قارفتها السلطات العثمانية ضد الأرمن إلحاق أطفالهم بملاجئ الأيتام الإسلامية، وتغيير أسمائهم ومحاولة طمس ماضيهم لكي يُنشؤوا أتراكًا. [18]

وهو ما قامت العصابات الأرمينية بالانتقام له من أطفال المسلمين العثمانيين، إذ هاجمت مستشفيات الإرساليات الأجنبية والصليب الأحمر وغيرها، فذبحوا الأطفال فيها، ثم جعلوا من جثثهم دروعًا بشرية، بل في أحيان كثيرة ألقوهم أحياء في قدور ماء مغلي، وأجبروا آباءهم على أكل لحوم أبنائهم مسلوقة. [19]

أخيرًا؛ وبعد استعراض مجموعة من شهادات ووثائق اللورد برايس، والاتهامات الموجهة إلى الحكومة العثمانية بالجرائم المقترفة ضد الأرمن.

اعترافات أرمينية

بقراءة متجردة عن تأثيرات الدعاية، وبوضع الأمور في سياقها التاريخي نجد ببساطة أن هذه الاتهامات ضد الحكومة العثمانية تحمل اعترافات أرمينية قد تكون هي الأخرى جرائم مسوغة لتصرفات الحكومة العثمانية المتهمة، ومن هذه الاعترافات:

  • امتناع الشباب الأرميني عن التجنيد في القوات العثمانية.
  • مقاومة قوات الجيش العثماني التي جاءت لإجبارهم على تنفيذ واجب الالتحاق بالجيش وهو في حالة حرب.
  • المقاومة المسلحة، بل وتصنيع الأسلحة والذخيرة المعدة سلفًا للمقاومة.
  • قائد المقاومة– أو بالأحرى العصيان– تعيينه القوات الروسية حاكمًا للمناطق المحتلة.
  • هروب الأرمن إلى الجبال حتى لا يلتحقوا بالجيش العثماني، بل وقتل الجنود العثمانيين المطاردين لهم.
  • عصيان أوامر الحكومة- وقت الحرب والطوارئ- والامتناع عن الترحيل، رغم الإعلان عنه قبلها، والتشديد عليه.

وغيرها من الاتهامات أو الجرائم الأخرى التي تحملها «شهادات» مجموعة برايس أو بمعنى أحرى «اعترافات» هؤلاء الشهود.

وقد تجاوز الأمر الاعتراف، إلى القراءة العكسية للأحداث، وعلى سبيل المثال الإجراءات التي تمت لصالح الأطفال الأيتام، إذ وزعتهم السلطات على الأسر التركية لتربيتهم، أو سلمتهم لذويهم، والباقون أودعوا ملاجئ الأيتام، وكانت تلك إحدى الأعمال غير الإنسانية في نظر «الشهود»، فماذا كان المطلوب أن تقوم السلطات العثمانية ليكون ذلك عملاً إنسانيًا.

المراجع
  1. F. O. 371/2488/143621, 2.10.1915.
  2. أصدر السلطان العثماني محمد الخامس بيانًا في13 نوفمبر1914 يدعو المسلمين للجهاد عقب إعلان دول الوفاق الحرب على الدول العثمانية، هذا الإعلان وصل بدوره إلى السفير الأمريكي في الآستانة، الذي أرسله إلى الخارجية الأمريكية، ثم قام بعمل اجتماع مع وزير الحربية العثماني في 15 نوفمبر 1914 ليبحث أثر دعوة الجهاد تلك على المسيحيين قائلاً: «إن موجة الغضب الديني تؤدي إلى هجمات على غير المسلمين، وحذر بأن ذلك قد يكون سببًا لأن تفقد الدولة العثمانية صداقة الولايات المتحدة إلى دول الوفاق». وقام أيضًا مورجنثاو بإبلاغ السفير الألماني في إستانبول باشتراك ألمانيا في المسئولية إذ حدثت مذابح المسيحيين، ويبدو أن مورجنثاو كان يتصرف من تلقاء نفسه، ودون تعليمات من حكومته، إذ سرعان ما أرسلت إليه الخارجية الأمريكية محذرة إياه من نشر أي بيانات، وكلفته بالحياد التام. انظر:
    L. Evans: United States policy and the partion of Turkey, 1914 – 1924, Baltimore, 1964, P.: 27.
  3. F. O. 371/2483, 6.10.1915.
  4. F. O. 371/148680, 11.10.1915.
  5. S. Sonyel: The Great Ware and the Tragedy of Anatoli, T. T. K., Ankara, 2001, P.: 144.
  6. Toynbee: Op., Cit., Preface, P.: 16 – 18.
  7. James Bryce: Transcaucasia and Ararat, London, 1877, P.: 344.
  8. British Problementary Paper: 5376, XCVI, Turkey No. 1, (1980 – 91) C. 6214, 10.8.1889.
  9. F. O. 371/2485/30439. 9.3. 1915.
  10. British Colonial Office, 67/178/20859, 4.5.1915, 26.4.1915.
  11. Sonel, Op. Cit., P.: 145.
  12. Loc Cit.
  13. Toynbee: Armenian Atrocitees, Op. Cit., The murderous Tyranny of the Turk, London, 1917.
  14. Health W. Lowry: The Story Behind Ambassador Morgenthau’s, Story, Istanbul, 1990, P. : 76 – 77.
  15. نقلًا عن: فؤاد حسن حافظ: تاريخ الشعب الأرمني منذ البداية وحتى اليوم، القاهرة، 1986م، ص308.
  16. فؤاد حسن حافظ: مرجع سابق، ص313.
  17. فؤاد حسن حافظ: مرجع سابق، ص308.
  18. المرجع السابق، ص315.
  19. أحمد الشرقاوي، مذابح الأرمن ضد الأتراك في الوثائق العثمانية والروسية والأمريكية، دار البشير، القاهرة، 2016م، انظر على سبيل المثال الوثائق رقم 2، 4، 6:
    BOA. HR. SYS. 2872/2, Belge No: 11, 17.
    BOA. HR. SYS. 2872/4, Belge No: 3, 4.
    BOA. HR. SYS. 2872/2, Belge No: 92 – 98.

مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير.