في عام 2016، وفي خبر عادي لا يحمل أي مفاجأة، قرر نادي «توتنهام هوتسبر» تجديد عقد مدربه «ماوريسيو بوتشيتينو» عامين إضافيين، لينتهي في عام 2021. وعلى قدر عدم غرابة الخبر، أتى تناول الصحف الإنجليزية روتينيًّا، بالحديث عن تحسن النتائج وأهمية المدرب الأرجنتيني لمستقبل النادي، مع بعض التصريحات المعتادة المتبادلة بين المدرب ورئيس النادي.

لكن ما مر مرور الكرام في طيات ذلك الخبر، كان تغيير الاسم الوظيفي لـ «بوتشيتينو» من مدرب على رأس الجهاز الفني للفريق الأول «head coach» إلى مدير «manager». وهنا لا يمكن لنا سوى استحضار مشهد الراحل «علاء ولي الدين» في فيلم «الناظر»، عندما دافع عن خطأ أحد التلاميذ في نطق اسم مدرسة أبولو الشعرية بمقولته الشهيرة «تفرق إيه لولو من أبولو؟»، بل سيبدو السؤال أكثر منطقية بالنسبة لموقف «بوتشيتينو»، لأنه أُقيل في النهاية. لكن بعد تفكير، قد يكون تجاوز الكوميديا والبحث بجدية وراء ما حدث، أكثر فائدة.

المدير الكلاسيكي

في عام 2018، وبعد وصول «ساري» إلى تشيلسي، و«إيمري» إلى أرسنال، قررت هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» حصر مدربي البريميرليج وتقسيمهم حسب مسماهم الوظيفي بين مدرب ومدير. كان «إيمري» هو أول مدرب لأرسنال بعد 22 سنة تحت قيادة المدير «أرسين فينجر»، وبالطبع لم يكن «ساري» أسعد حظًّا، وحظي بنفس المنصب في تشيلسي، ليصبح عدد المدربين «head coach» في البريميرليج، ستة.

والفارق بين هؤلاء الستة، والـ «14» مديرًا الآخرين هو الصلاحيات، حيث تتجاوز صلاحيات المدير الفريق الأول، وتمتد للمشاركة في حركة التعيينات وهيكلة النادي، بدايةً من الكشافة ومدربي الناشئين، وصولًا للنظام الغذائي في بعض الأحيان، إضافةً لكونه صاحب الكلمة العليا في سوق الانتقالات.

بالطبع، لا تسير الأمور بتلك المثالية، إيفرتون ووست هام – على سبيل المثال – اعتادا منح مدرب الفريق لقب مدير، على الرغم من عدم نيله كل صلاحيات المنصب. حتى مع وجود أسماء بحجم مورينيو وكلوب وجوارديولا في منصب المدير، لم تعد صلاحيات المدير كسابق عهدها؛ لأن زمن المدير الكلاسيكي الذي عرفته كرة القدم قد ولى مع انتهاء حقبة «السير أليكس» و«أرسين فينجر».

حيث كان الثنائي يتحكمان في كل شيء تقريبًا، وبقاؤهما في المنصب لفترة طويلة ساعد على نجاح الأمر. أما الآن، فمتوسط بقاء المدرب في منصبه لا يتجاوز الـ «13» شهرًا، وبالتالي لا يمكن وضع كل التفاصيل أو معظمها في يد شخص واحد. واستسلمت الأندية للتخصص، وانتهجت تدرجًا إداريًّا، يضمن وضع الإدارة للخطوط العريضة للخطة، وتحول المدرب إلى جزء مكمل لها.

ذلك يعني أن كرة القدم في طريقها للتقليل من صلاحيات المدرب أيًّا كان اسمه الوظيفي، مع وجود بعض الاستثناءات لصلاحيات بعض المدربين الكبار. وبذلك يكون الاشتباك الأول بين المدرب والمدير قد حُسم، لكن ذلك سينقلنا إلى اشتباك آخر، أكثر تعقيدًا.

مدير الموارد البشرية

لأن مهمة المدير الفني وإن حُصرت في الفريق الأول، فإنها تظل تحمل شقًّا إداريًّا بجانب الشق الفني المعروف. وهو المتعلق بإدارة الموارد البشرية المتاحة، المتمثلة في اللاعبين مختلفي الجنسيات والطباع والظروف، حيث يجب على المدرب تطويعهم جميعًا وضمان تجديد دوافعهم لأطول مدة ممكنة. وهذا هو الجزء الذي لا يمكننا رؤيته أو قياسه كجماهير، وبالتالي لا ندرك حجم تأثيره الفعلي، وهل من الممكن أن يتجاوز الجانب الفني، أم لا؟ 

لنعد إلى ما قبل جائحة كورونا، حيث واحد من أبرز أحداث البريميرليج موسم 2019/2020، حين تلقى ليفربول هزيمته الأولى على يد واتفورد في الجولة الثامنة والعشرين، ليبدأ فريق «يورجن كلوب» بالترنح قليلًا، وتصبح الدرع الذهبية لأرسنال و«أرسين فينجر» في أمان.

كان واتفورد ينافس على الهبوط باحتلال المركز الرابع من أسفل الترتيب، وعلى الرغم من سوء الوضع، لكن مجرد وجود أمل في البقاء بالبريميرليج يعد إنجازًا كبيرًا للمدرب الحالي «نايجل بيرسون»، الذي يعتبر المدرب الثالث للفريق هذا الموسم. حيث سبقه «خافي جارسيا» و«كيكي فلوريس»، اللذان تركا واتفورد متذيلًا للترتيب عن جدارة، بتحقيق فوز واحد فقط في «16» مباراة، وجمع «9» نقاط من أصل «48» نقطة ممكنة.

أوضح حارس مرمى الفريق «بن فوستر» الفارق الذي أحدثه «نايجل بيرسون» عبر التصريح التالي:

كان «خافي جارسيا» و«فلوريس» مدربيَن «coaches» رائعين، لكن الأمر كان ينتهي بالنسبة لهما على أرض الملعب فقط، بينما كان النادي في أشد الحاجة لمدير أكثر من مدرب. أتى «نايجل» وكان صارمًا منذ اللحظة الأولى، وتحكم في كل شيء تقريبًا، من مواعيد التدريب، إلى السفر، واللوجستيات، والطعام.

في أوقات كثيرة يحتاج اللاعبون للمعاملة وكأنهم تلاميذ في مدرسة، وكان «نايجل» يقوم بدور المعلِم بامتياز. منذ اللحظة التي يدخل فيها يستمر بالتجول حول المكان، ويراقب الجميع، ليتأكد من قيام كل شخص بدوره. وإذا بدأ الحديث، يحصل على انتباه الجميع بسهولة، مهاراته في التعامل مع الناس لا تصدق، وأعتقد أن كل هذا الصفات باتت ضرورية للتعامل مع لاعبي الجيل الحالي.
«بن فوستر» حارس مرمى واتفورد

لا ينفي حديث «بن فوستر» العمل الذي قام به «نايجل بيرسون» على الصعيد الفني والتكتيكي، والذي أتى بثماره باستعادة بعض اللاعبين لجزء من مستواهم، على رأسهم «إسماعيلا سار» و«عبد الله دوكوريه»، لكنه بالصدفة يتشابه مع نفس الطريقة التي نتحدث بها عن بعض المدربين.

هل تذكر آخر مرة سمعت بها إشادة بتكتيك «السير أليكس فيرجسون» وليس ببراعته الإدارية؟ «زين الدين زيدان» و«كارلو أنشيلوتي»، والحديث الدائم عن الكاريزما والسيطرة على غرفة خلع الملابس، بدلًا من التكتيك. وكأن الأمر إما أبيض أو أسود، ولا وجود للمنطقة الرمادية، التي سنلجأ لأحد أبرز المحللين بالوطن العربي لمحاولة الوصول لها.

المنطقة الرمادية

تواصل موقع «إضاءات» مع المحلل الرياضي الموريتاني «محمدي العلوي»، الحاصل على رخصتي التدريب «B» و«C» من الاتحاد الإيطالي لكرة القدم، ويشغل حاليًّا منصب مساعد مدرب موريتانيا للناشئين، وأعدنا عليه حديث «بن فوستر» عن «نايجل بيرسون»، لنستفهم منه إلى أي مدى قد تكون إدارة الأفراد أهم من التكتيك؟ ليجيب:

بحسب المستويات، تختلف معايير الأهمية لكل جانب، مثلًا لا يحتاج «توني كروس» لمعلم عبقري كي يساعده على التطور، فلا أحد في العالم يستطيع تطوير مستويات التمرير أو الرؤية لدى اللاعب الألماني، لأنه اكتسب ذلك الوعي من خلال عشرات بل آلاف الساعات التي مارس فيها اللعبة بالطريقة الصحيحة.

بينما لاعب مثل «جورجينو» والذي يعد حاليًّا من أفضل لاعبي الارتكاز في العالم، احتاج إلى مدرب يغير من مركزه، يعيد اكتشافه، يجعله يفهم أكثر أسرار التحرر من الرقابة، وتوقيت القرار، لو لم يمر على مدرب مثل «ساري» لما شاهدنا هذه النسخة من اللاعب.

ماذا يعني هذا؟ ببساطة، في المستويات العالية قد يفقد التكتيك أهميته على حساب الجانب النفسي والمعنوي. الفرق الجاهزة بحاجة دائمًا لرجل يفهم قلوب اللاعبين، ويستطيع التعامل مع نرجسيتهم المزعجة بقدر حاجتهم لمدرب يثق أكثر في التكتيك.
المحلل الرياضي الموريتاني «محمدي العلوي» لموقع «إضاءات»

وبالتالي بات واضحًا أن الأمر يتوقف على المعطيات، ورغم ذلك لدينا فيرجسون وأنشيلوتي وزيدان، تطاردهم سمعة البراعة الإدارية دون غيرها، فأوضح لنا السبب قائلًا:

هذا صحيح بنسبة كبيرة جدًّا، السير أليكس لم يكن عبقريًّا من الناحية التكتيكية، فهو لم يخترع مفاهيم جديدة في عالم التدريب، بل ظل ذلك الرجل الذي يتابع الحصص التدريبية عن بُعد، يعطي صلاحية كبيرة لمساعديه لقيادة وإعداد التدريبات، ولنا في «كارلوس كيروش» مثال، كثير ممن زاروا تدريبات اليونايتد لاحظوا ذلك.

السير هو مدير فني أكثر من كونه مدربًا تكتيكيًّا، والحقيقة أنه يعد من وجهة نظر الكثيرين أفضل مدرب مر على تاريخ اللعبة من حيث التعامل مع الجانب الإنساني للاعبين. ويشبهه «أنشيلوتي» في ذلك.

ولكي نكون منصفين فإن هؤلاء يؤمنون بالقيمة الإنسانية أكثر مما يكتب على السبورة، ليس لأنهم أغبياء، أو لضعف مستواهم بقراءة المباريات، بل لأنهم يؤمنون بشكل عميق بتفاعل اللاعبين أكثر مع من يسألهم عن حالتهم النفسية، وعن علاقاتهم الزوجية ويعرض عليهم المساعدة، بدلًا عن ذلك المدرب الذي يتحدث لساعات عن تفاصيل الهروب من الرقابة أو أنواع الوضعيات الجسدية.
المحلل الرياضي الموريتاني «محمدي العلوي» لموقع «إضاءات»

الجانب النفسي

ما أخبرنا به «محمدي العلوي» يتفق تمامًا مع الطرح الذي قدمته شبكة «سكاي سبورتس» في تقرير لها، يتساءل عن احتمالية تجاوز قبول المدرب لدى لاعبيه أهمية التكتيك. واستدل التقرير على جملة قديمة للمدرب الألماني «يورجن كلوب» يعود تاريخها لعام 2017، حين قال:

من السهل تعليم اللاعبين تفاصيل ما عليهم فعله أثناء حيازة الكرة أو فقدها، لكن التفاصيل الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. إنها تتعلق حول ما يؤمنون به، كيف وصلوا لتلك المرحلة؟ كيف يمكن تحفيزهم؟ ما الذي ينتظرهم عقب انتهاء المران؟
«يورجن كلوب»

أقر «بيب ليندرز» مساعد «كلوب» في ليفربول بذلك من قبل، عندما قال إن «يورجن» يولي التكتيك 30% فقط من عمله، بينما يضع الـ 70% المتبقية لبناء روح الفريق. ثم أكد لاعب ويستهام وتشارلتون السابق «كيفن جورج»، والمختص حاليًّا بالصحة النفسية في كرة القدم، أن إدارة البشر تتقدم على التكتيك بنسبة 100%، مستشهدًا بنموذج «السير أليكس فيرجسون» ومهاراته في التعامل مع اللاعبين، والتي بنى عن طريقها ثقافة النادي ككل.

ورأي «جورج» أثر ذلك على المهاجم الهولندي «روبين فان بيرسي»، حيث لاحظ اختلافًا في حواراته قبل وبعد انضمامه لمانشستر يونايتد، وكأنه صار جزءًا من شيء أكبر من كرة القدم رفقة السير.  وبما أن الهدف من الإدارة هو تهيئة اللاعبين نفسيًّا للتطور على المستوى الفني وتقديم أداء أفضل، بدأ مصطلح الصحة النفسية بالظهور. 

وبدأت الكثير من الأندية والمنتخبات بالاعتماد على أطباء متخصصين في ذلك الأمر. لكن «كيفن جورج» مؤلف كتاب «Soccology»، ما زال يرى أن الاهتمام بالصحة النفسية لم يصل للدرجة المطلوبة بعد، وأن هؤلاء المختصين لا ينالون الوقت الكافي مع اللاعبين. ويعود السبب في ذلك للاعتقاد الراسخ لدى الكثيرين بحاجتهم للصحة النفسية ساعة الاكتئاب فقط.

وحتى ينال الأطباء المختصون وقتًا إضافيًّا، سيظل أمر الصحة النفسية وتجهيز اللاعبين في يد المدرب أو المدير، وسنظل نحن الجماهير عالقين في تلك المنطقة الرمادية، لا نستطيع أن نحدد بدقة مقادير الخلطة الناجحة للمدرب ما بين الإدارة والتكتيك، لكن الأكيد أن ذلك يحافظ للعبة على عامل المفاجأة وعدم التنبؤ بنتائجها، وقد تكون الكلمات التالية للمحلل «محمدي العلوي» هي ما ستؤكد لك أن النهاية ستظل مفتوحة.

في الحقيقة، التكتيك هو ببساطة الطريقة التي يسلكها الفريق لكي يحقق هدفه، ومهما كانت أهميته فإن الجانب الإنساني سيبقى حاسمًا. والحقيقة الأخرى أن جميع المدربين الذين ينتمون لمدارس مختلفة، ولديهم أولويات متناقضة، لا يفوزون دائمًا، ولا يخسرون دائمًا.

لا يمكن لأحد إنكار عبقرية «فابيو كابيلو» مثلًا، بل إنه ربما يكون أفضل من استطاع قراءة المباريات على مر التاريخ، وكان يستخدم فيديوهات الخصوم في تسعينيات القرن الماضي، قبل أن يصبح الأمر رائجًا، لكن في خضم هذه العبقرية، كان معروفًا بغطرسته، وكما حقق نجاحات كبيرة، حقق إخفاقات أيضًا.

وعلى النقيض تمامًا تجد «أنشيلوتي»، الذي حقق نجاحات عملاقة وإخفاقات بنفس المستوى رغم أنه يختلف في إدارته مع «كابيلو» في كل شيء. يعني ذلك أن هذا الاختلاف العميق لا يعطي أسبقية لأي أحد على حساب الآخر. في رياضة ككرة القدم، كل الطرق تؤدي إلى الفوز، ونفس الطرق قد تؤدي إلى الخسارة.
المحلل الرياضي الموريتاني «محمدي العلوي» لموقع «إضاءات»