دعنا في البداية نجري تجربة؛ حاول أن تسأل مجموعة من أصدقائك عن اسم المدرب الذي يريده كل واحد منهم لفريقه. ستتوزع الإجابات على «جوارديولا»، «كلوب»، وربما «زيدان»، وفي الغالب لن تسمع اسم «ماسيمليانو أليجري». من النادر فعلًا أن تجد من ينحاز لأليجري، أو يحب أن يقود فريقه، بل إن بعض جمهور يوفنتوس استقبل خبر رحيله بالاحتفالات، وكأن كابوسًا ثقيل الظل قد انزاح من فوق صدورهم.بالطبع لا تتوقف المسألة على الحب أو الكره، ربما تكره جوارديولا أو مورينيو لكن لن تختلف على إنجازات أي منهما، بل الأمر كله يكمن بوضع المدرب في المكانة التي يستحقها. وربما يكون أليجري أكثر من لا ينال ما يستحقه على مستوى التقييم، أو حتى الالتفات لإسهاماته مع كل فريق تولى قيادته. والحق أن لذلك أسبابًا كثيرة؛ بعضها فعلًا متعلق بماسيمليانو نفسه، وبعضها لا دخل له فيه، بل بنظرة الجمهور والتغطية الإعلامية التي تختلف بين مدرب وآخر.


أليجري للبيع

في منتصف يوليو/تموز 2014، صحا جمهور يوفنتوس على خبر صادم؛استقال «أنطونيو كونتي» فجأة بعدما بيعت التذاكر الموسمية، وترك قائد البيانكونيري السابق فريقه في موقف حرج. أيام معدودة أخرى وكانت إدارة اليوفي تعلن عن اسم المدرب الجديد؛ إنه ماكس أليجري. يستقل الآن سيارته متجهًا نحو مقر النادي للمرة الأولى، فيما يستقبله بعض الجماهير أمام البوابة، ليس بلافتات الترحيب أو الورد، بل بالهتافات العدائية والبيض الفاسد. طبعًا لم يكن ذلك أسوأ ما تعرض له أليجري. فقبل نحو عام من ذلك الاستقبال، كان ما يزال يشغل منصب المدرب في ميلان، عندما أقدم أحد الجماهير على عرض ماسيمليانو نفسه للبيع على أحد الأسواق الإلكترونية نظير يورو واحد فقط، وقد كتب «أريد التخلص من ماكس المدرب الفاشل منعدم الشخصية». هذه هي مشكلة أليجري الدائمة؛ إنه يبدأ العمل في أجواء من التشكيك، ويتحمل كل السخط الجماهيري عند تراجع النتائج، ولا يحظى بالإشادة الكافية على ما حققه، كيف؟ سأشرح لك. هل تعرف لماذا قدم كونتي استقالته؟ حسنًا. كانت قائمة اليوفي في نظره أقل من أن تصنع إنجازًا كبيرًا. هذه نفس القائمة التي قادها ماسيمليانو في موسمه الأول نحو الفوز بالدوري والكأس والسوبر المحلي، والصعود لنهائي دوري الأبطال، ثم كرر كل ذلك بعد موسم واحد فقط، وقد فقد بين هذا الموسم وذاك أفضل لاعبي اليوفي على الإطلاق. يكفي أن يفقد أي مدرب «بيرلو، وفيدال، وبوجبا، وتيفيز» حتى ينهار فريقه، لا أن يكرر إنجازًا كهذا.بالطبع كانت هناك عوامل مساعدة، كقوة إدارة اليوفي وتراجع بقية فرق الدوري، لكن ذلك لا يفسر ما حققه ماكس بدوري الأبطال أبدًا، إذ صنع شخصية قوية للفريق بالأدوار الإقصائية التي استعصت على أكبر مدربي يوفنتوس. وبذكر المدربين، ربما تدهش إذا عرفت ما هو ترتيب ماكس بين هؤلاء من حيث الفوز بالبطولات، إنه ثاني أفضل مدرب بتاريخ البيانكونيري خلف «جوفاني تراباتوني»، متفوقًا على كونتي، بل وعلى حقبة «مارتشيلو ليبي» نفسه!أما صاحبنا مشجع الروسونيري الذي عرضه للبيع، فلابد أن الأيام أثبتت له أن المشكلة لم تكمن في أليجري، بل في إدارة «برلسكوني» التي جردته من «زلاتان إبراهيموفيتش، وتياجو سيلفا، وروبينيو»، ثم باعت النادي بأكمله بعدما غرق في الديون. وتأكد بالطبع أن فوز ماكس بالدوري والسوبر رفقة ميلان، وتقديم أداء مشرف أمام برشلونة «بيب جوارديولا» لا يقدر بيورو واحد فقط.


السيرك

في مقابل تلك الإنجازات، يفتقد أليجري عدة عوامل هامة تجعل صورته على ما هي عليه؛ أولها هي أنه لا يمثل ناديًا بعينه، هو بخلاف جوارديولا أو زيدان أو حتى سولشاير، لم يكن لاعبًا مميزًا في نادي قمة. لم تتعلق الجماهير بأهدافه، أو تتمنى فوزه بالبالون دور، بل كان لاعبًا مغمورًا لم تسمع عنه الجماهير أصلًا إلا بعدما لفت الانتباه إبان فترة تدريبه لكالياري.ماكس لا يفتقد الجماهيرية وحسب، بل إنه أيضًا يفتقد للكاريزما والشخصية الجذابة. هو لا يحتفل بجنون مثل يورجن كلوب، ولا يجيد ألعاب جوزيه مورينيو النفسية، ولا يحظى بتقدير هائل من لاعبيه كالذي يتمتع به زيدان، وطبعًا لا يطلق تصريحًا ناريًا كما يفعل دييجو سيميوني. في الواقع أليجري هو شخص عادي، يرتدي ملابس رسمية، يقضي أغلب الوقت صامتًا ويرد على أسئلة الصحفيين بشكل مباشر وبإجابات قصيرة. ماكس أشبه ما يكون بزميلك الهادئ الصموت في العمل، الذي يأتي وينصرف في وقته بالضبط، ولا تعرف عن حياته الخاصة أي شيء، حتى تكاد تنسى أنه يعمل إلى جانبك، لكنك تتفاجأ بأرقامه التي حققها في جدول تقييم الموظفين نهاية كل شهر. أما الأمر الأهم الذي يمتاز به ماسيمليانو هو أنه لا ينتهج فكرة تكتيكية محددة، ولا ينتمي لمدرسة تعتمد أسلوب لعب واحد فقط أغلب الوقت. هو لا يهاجم بضراوة، ولا يدافع على طول الخط، ولا هو مهووس بالسيطرة على المساحة. هو يتنقل بين كل تلك الأساليب بحسب ظروف كل مباراة، بل إنه ينتقل من أسلوب لآخر ومن رسم تكتيكي لآخر داخل المباراة الواحدة.أليجري يلعب بـ3/5/2 وبـ4/2/3/1 وبـ4/3/3، ويرى بأن كل تلك الرسوم ما هي إلا حبر على ورق. المهم هو مهام كل لاعب في المنظومة بحيث يمتلك الفريق ثغرات أقل من الخصم وبالتالي يفوز. هذا النمط حرر أليجري كثيرًا، وجعله ينظر للاعبيه نظرة مغايرة فيعيد اكتشاف بعضهم في مراكز مختلفة، تمامًا كما فعل مع «ماريو ماندزوكيتش» خلال موسم 2016/2017، لكنه أيضًا خسر بذلك مناصري وجمهور الدفاع والهجوم في آن معًا.

أليجري يتوسط كلاً من بيب جوارديولا ودييجو سيميوني

ثمة صفة أخرى في أليجري جديرة بالإشارة، هذه المرة متعلقة به شخصيًا وليس بنظرة الجمهور أو الإعلام، وهي أنه مدرب شديد البراجماتية، حتى يصح وصفه بالبخل. ماكس لا يلجأ لتقديم أفضل عروضه إلا حينما يكون مضطرًا، وسوى ذلك فهو يجنح للطرق المضمونة والفوز بنتيجة صغيرة، حتى لو كان خصمه أقل كثيرًا من إمكانياته. لقد احتاج أن يخسر من الأتليتي ذهابًا 2/0 حتى يقدم أفضل مباريات اليوفي إيابًا. واحتاج أن يخسر من ريال مدريد في تورينو 3/0 حتى يكتسح السنتياجو برنابيو، واحتاج أيضًا أن يهدد بايرن ميونخ حظوظه في التأهل حتى يقدم عرضًا تكتيكيًا رائعًا أمام جوارديولا. وهذا ما دفع ماكس أن يقول من يريد المتعة وحسب عليه أن يترك كرة القدم ويذهب للسيرك، وهذا تصريح من الغريب أن يصدر عن مدرب كرة قدم. هي في النهاية لعبة، يشاهدها الناس وينفقون في سبيلها الوقت والمال بهدف أساسي وهو الاستمتاع. وأليجري أثبت بجدارة أنه يقدر على تقديم العرض الممتع، لكنه لا يفعل إلا حينما يكون مضطرًا، وهذا هو البخل بعينه.

المرحلة الأهم

أليجري، جوارديولا، سيميوني، يوفنتوس، برشلونة، أتليتكو مدريد
أليجري، جوارديولا، سيميوني، يوفنتوس، برشلونة، أتليتكو مدريد
على كل حال، هذا هو أليجري بمميزاته وعيوبه، ومن الصعب أن يتغير بسهولة. وقد وضع نهاية لمسيرته مع اليوفي بنهاية الموسم، وأبدت إدارة النادي خلال مؤتمر وداعه احترامًا حقيقيًا له ولما قدمه، كما أكد الصحفي الموثوق «لوكا مومبلانو» أن رحيل أليجري ليس بسبب أي خلافات مالية أو إدارية. هنا ينبغي أن يعرف ماسيمليانو أنه بدأ إحدى أهم مراحل مسيرته، إن لم تكن الأهم على الإطلاق. فحين وفد المدرب الإيطالي ليوفنتوس لم يكن أحد مدربي الصف الأول، لكن الوضع الآن مختلف تمامًا بعدما أثبت جدارة كبيرة خلال السنوات الخمسة الأخيرة، وبناء عليه يجب أن يتحلى ماكس بشخصية مختلفة ويفكر بحرص قبل اتخاذ خطوته القادمة. بالطبع لن يُستقبل أليجري بالبيض الفاسد في وجهته القادمة، لكن هذا ليس كل شيء، بل عليه أن يكون الطرف الأقوى في التفاوض مع أي إدارة تريده، وألا يقبل سوى بتدريب نادٍ يمتلك مشروعًا وقدرة مالية ورغبة في حصد البطولات، وأن يحصل على ضمانات بدعمه خلال سوق الانتقالات ولا يسمح ببيع نجومه إلا بإذنه. لكن ما هي الخيارات المطروحة؟الآن لا يبدو أن للرجل فرصة في إيطاليا، خصوصًا مع استقرار نابولي رفقة «كارلو أنشيلوتي» وبداية كونتي لعهد جديد مع الإنتر، ولا يجب على أليجري المخاطرة مع روما أو ميلان أبدًا. أما في إنجلترا، فثمة اختلاف مهم للغاية، وهو اقتراب رحيل «ماوريسيو ساري» عن قلعة تشيلسي، وقد خرجت أخبار تفيد برغبة النادي بإسناد المهمة لماكس، المشكلة هي أن إدارة السيد «رومان أبراموفيتش» لم تبدُ متخبطة أبدًا كما فعلت آخر موسمين، وقد رفضت دعم كونتي بموسمه الثاني ولم تتمسك بساري بشكل كافٍ، وإن استمرت على هذا النحو فلن يجني أليجري سوى الصعوبات والعراقيل. الخيار الثاني الذي يمتلكه ماسيمليانو هو أنه ليس بحاجة أصلًا للتعجل والتوقيع مع أي نادٍ سريعًا. هذا المدرب يعمل بانتظام منذ عام 2008، ولم يتسنّ له أن يستريح لموسم واحد من الضغوط، ويعيد تقييم تجربته، ويضيف إلى نفسه مزيدًا من الأفكار والقناعات. سبق وأن توقف جوارديولا عن التدريب لعامين، قبل أن يكرر كونتي الأمر ويتوقف لعام واحد، وقاد عاد الثنائي واختار كل منهما التجربة التي تلائمه، وربما يكون على أليجري أن يتخذ المسار نفسه.