يرجع تاريخ التقنين في التاريخ العام للقانون إلى عصور موغلة في القدم، وقد عرفته مختلف الحضارات بصور متباينة، وبدرجات مختلفة من السذاجة والنضج. فقانون حمورابي والألواح الإثنا عشر كانا نوعًا ساذجًا من أنواع التقنين. والقانون الروماني القديم مر بمراحل عدة قبل أن ينتهي إلى تقنينات جوستنيان الضخمة ذائعة الصيت.

وهكذا، تدرجت الأمم والشعوب في وضع ما يناسبها من تقنينات في كل مرحلة من مراحل تطورها، إلى أن وصلنا إلى العصر الحديث الذي شهد نقلة نوعية هائلة في تاريخ التقنين عندما صدرت تقنينات نابليون، التي بقيت إلى اليوم، بعد أن زالت الانتصارات العسكرية التي ظفر بها نابليون نفسه ومحتها معركة واترلو. ولم يتوقف أثر هذه التقنينات النابليونية على فرنسا فقط، وإنما امتدت فسادت أغلب دول أوروبا وأمريكا اللاتينية طوال القرن التاسع عشر، وامتدت أيضًا فشملت بلادًا عربية مثل مصر وتونس ومراكش ولبنان. ولم تتخلص هذه البلدان إلى اليوم من أثار تلك التقنينات منذ دخلتها، أو اقتحمتها خلال القرن التاسع عشر.

وقد قضت وقائع التطور والتمدن العمراني بوجوب صوغ تقنينات عامة تنظم شئون الحياة الاجتماعية، وتتمتع بدرجة عالية من التجريد والمرونة. وفي نطاق الفقه الإسلامي، أضحى التقنين حسب رأي العلامة المجتهد توفيق الشاوي:

وسيلةً لعرض الأحكام القانونية بأسلوب أكثر دقة وإيجازًا من الأسلوب الذي تسير عليه كتب الفقه الإسلامي. وقد شاع استعماله في العصر الحاضر استجابة للضرورات العملية التي تفرض على القائمين بتنفيذ القوانين وتطبيقها العلم بها دون حاجة إلى البحث في مصادرها أو أدلتها الشرعية أو غاياتها وأهدافها؛ لأن هذا كله تقوم به الهيئة العلمية أو اللجنة الفنية أو العالم أو الفقيه الذي يقوم بإعداد التقنين وتتم مناقشته قبل إصداره[1].

وإذا رجعنا إلى الجذر اللغوي لكلمة تقنين في لغة العرب، سنجد أنها مشتقة من القَنِّ. والقنُّ: هو تتبعُ الأخبار. واقتن: بمعنى اتَّخذ. والقنة: أي القوة. وقنة كل شيء: طريقه، ومقياسه، ومنه التقنين[2]. ويتكون جذر الكلمة من حرفي: القاف والنون المشددة. يقول ابن فارس في معجم «مقاييس اللغة»: «إن القاف والنون أصلان: يدل الأول على الملازمة، والآخر على العلو والارتفاع»[3].وفي «المعجم الوسيط»، قنَّن: أي وضع القوانين.

وفي قول آخر: القانون كلمة رومية، أو فارسية: وهي تعني مقياس كل شيء وطريقه. وجاء في «المنجد»، القانون (والجمع قوانين) هو: مجموعة الشرائع والنظم التي تنظم علاقات المجتمع، سواء كان من جهة الأشخاص أو من جهة الأموال. وفي «التعريفات» للجرجاني، أن القانون: يشير إلى ما هو كلي منطبق على جميع جزئياته التي يُتعّرف أحكامها منه.

تقودنا هذه الخلفية اللغوية إلى المعنى الاصطلاحي للتقنين؛ حيث يشير في معناه المجمل إلى العلو والارتفاع عن التفاصيل، ولزوم التجريد والعموم، وهما من أهم صفات التقنين بالمعنى الاصطلاحي. فالتقنين هو:

عملية تقوم بمقتضاها جهة أو هيئة علمية متخصصة بجمع أحكام المسائل في موضوع ما على هيئة مواد مرقَّمة. ويقتصر التقنين في المسألة الواحدة على حكم أو اجتهاد واحد مختار من الآراء المختلفة التي قالها الفقهاء؛ وذلك ليسهل الأمر على القضاة في معرفة الحكم المختار وتطبيقه وحده على أطراف القضية التي تدخل تحت حكمه، دون بقية الآراء المخالفة للرأي المختار[4].

ويظهر التقنين في صورة قانون، وفي ظل الدولة الحديثة يصدر القانون عن السلطة التشريعية (البرلمان أو مجلس الشعب، أو مجلس النواب.. إلخ).

والمقصود بتقنين الشريعة هو: صوغ الأحكام الشرعية في نصوص مرتبة، ووضع هذه النصوص في مجموعة مبوبة، أو مرقمة على غرار القوانين الحديثة من مدنية وجنائية وإدارية وغيرها؛ كي تكون مرجعًا سهلًا محددًا، يمكن أن يتقيد به القضاة بيسر، ويرجع إليه المحامون ويتعامل على أساسه المواطنون. وينطبق هذا المعنى على أي عملية تقنين، شرعية كانت أو وضعية. فالإجراءت الشكلية التي تحدد مسار صدور القانون واجب التطبيق تكاد تكون واحدة، ويظل الاختلاف الجوهري موجودًا في المضمون الذي تسفر عنه عملية التقنين.

وفي سياق تجربةِ تقنين أحكام الشريعة الإسلامية في التاريخ الحديث والمعاصر، يمكن القول إن حصاد عملية التقنين وهو القانون، هو ما توصل إليه علماء وفقهاء الشريعة والقانون من آراء وأحكام فقهية، ووضعوها في نصوص مرقمة ومبوبة؛ كي يرجع إليها القضاة، وتطبقها المحاكم.

وتصل عملية التقنين إلى أعلى مراحلها عندما تصدر عنها قوانين بمعرفة المجالس التشريعية كما أسلفنا، شريطة أن تكون هذه المجالس منتخبة بإرادة شعبية حرة. وتتسم مواد القانون في هذه الحالة بما تتسم به مواد أي قانون آخر من حيث العموم والتجريد والإلزام والجزاء الذي يوقع بحكم محكمة على من يخالف هذه المادة أو تلك من مواد القانون.

وإذا كان التقنين الشرعي هو صياغة الأحكام الفقهية على شكل مواد مرقمة ومسلسلة ومختصرة، ومستمدة من نصوص الشريعة الإسلامية، فمن البديهي أن تصاغ بأسلوب يخلو من ذكر الأدلة والنصوص النقلية، طلبًا للاختصار، وبحثًا عن سرعة الوصول إلى النص الفقهي المطلوب، واقتصارًا على قول واحدٍ يعتبر هو الراجح من حيث الدليل والمصلحة؛ وبهذا المعنى يختلف التقنين عن التدوين: الذي هو كتابة الأحكام الفقهية بصيغة يراها المدون مناسبة من حيث الوضوح، ومن حيث اشتمال المدونة على الأدلة والنصوص، وقد لا يقتصر على قول واحد من أقوال الفقهاء، دون أن تكون على شكل مواد مرقمة ومسلسلة. وبوضوح هذا الفرق يصبح من الخطأ استخدام مصطلحي التدوين والتقنين كمترادفين.

وفي سياق الجدل الدائر منذ نهايات القرن الرابع عشر الهجري/ سبعينيات القرن العشرين الماضي حول تقنين أحكام الشريعة الإسلامية؛ ذهب العلامة توفيق الشاوي إلى أن المقصود بالتقنين هو القانون المستمد من الشريعة، أو القانون الإسلامي. ودعا الشاوي إلى استعمال (هذه التسمية؛ أي «القانون الإسلامي»، وحجته في ذلك هي أن هذه التسمية ملائمة لمرحلة انتقالية يجري فيها الانتقال من القوانين الوضعية إلى القوانين الشرعية، وذلك إلى أن يتم تطهير مجتمعاتنا من القوانين الوضعية نهائيًا، ويصبح القانون كله إسلاميًا أي مستمدًا من القواعد والأصول التي جاءت بها الشريعة السمحاء.

ويكتسب التقنين صفة الشرعية إذا توافر فيه شرطان هما: أن يُستمد من مصادر الشريعة ويلتزم أصولها. وأن يكون ملتزمًا بأحكامها القطعية ومقاصدها السامية. والتقنين بهذا المعنى من شأنه أن يسهم في إخراج أقطارنا الإسلامية من مرحلة الازدواجية التي تفصل بين الفقه والقوانين الوضعية السائدة، كما تسهم في توحيد الثقافة الحقوقية التي تمكننا من المساهمة في التقدم العالمي في العلوم القانونية والنظم التشريعية؛ باعتبارنا أصحاب شريعة أصيلة ونظام قانوني عريق، ومتميز في المستقبل، بدلًا من أن نكون عالة على غيرنا وأذنابًا للثقافة الوضعية المستوردة.


ويؤكد عبد القادر عودة على أن ثمة فرقًا كبيرًا بين القانون الوضعي، والقانون المستمد من الشريعة. فالقانون الوضعي`ينشأ في الجماعة التي ينظمها ويحكمها، ثم يتطور بتطورها فتزداد قواعده، وتتسامى نظرياته، كلما ازدادت حاجات الجماعة وتنوعت، وكلما تقدمت الجماعة في تفكيرها وعلومها وآدابها. فالجماعة إذن هي التي تخلق القانون الوضعي وتصنعه على الوجه الذي يسد حاجاتها وينظم حياتها، وهو تابع لها، وتقدمه مرتبط بتقدمها.

أما الشريعة الإسلامية فهي ذات مصدر سماوي، يسمو عن واقع الجماعة وفكرها. نصوصها المؤسسة من عند الله، ومصدرها الأول هو الوحي. ولم تكن الشريعة قواعد قليلة ثم كثرت، ولا مبادئ متفرقة ثم تجمعت، ولا نظريات أولية ثم تهذبت. وإنما نزلت كاملة من عند الله، شاملة جامعة تحكم كل حالة. مانعةً لا تخرج عن أحكامها حالة، شاملة لأمور الأفراد والجماعات والدول. لا ترى فيها عوجًا، ولا تشهد فيها نقصًا ولم تأت لجماعة دون جماعة أو لقوم دون قوم، أو لدولة دون دولة، إنما جاءت للناس كافة.

ثلاثة فروق بين الشريعة والقانون، يوضحها عبد القادر عودة، وهو يقدم لمحاولته الرائدة في المقارنة بين التشريع الجنائي الإسلامي والقانون الوضعي. هذه الفروق هي:

الأصل في الشريعة أنها لم توضع لتنظيم شئون الجماعة وحدها، وإنما المقصود من الشريعة قبل كل شيء تربية الأفراد الصالحين والجماعة الصالحة، وإيجاد الدولة الحرة والعادلة.

1. أن القانون من صنع البشر، أما الشريعة فمن عند الله، وكل من الشريعة والقانون يتمثل فيها بجلاء وصف صانعه. فالقانون يتمثل فيه نقص البشر وعجزهم وضعفهم وقلة حيلتهم، ومن ثم كان القانون عرضة للتغيير والتبديل، أو ما نسميه التطور، كلما تطورت الجماعة. أما الشريعة فصانعها هو الله تعالى، وتتمثل فيها قدرة الخالق وكماله وعظمته وإحاطته بما كان، وما هو كائن، وما يكون. ثم صاغها العليم الخبير بحيث تحيط بكل شيء في الحال والاستقبال، حيث أحاط عز وجل بكل شيء، وأمر جل شأنه ألا تغيير ولا تبديل.

2. أن القانون عبارة عن قواعد مؤقتة تضعها الجماعة لتنظيم شئونها وسد حاجاتها،`فهي قواعد متأخرة عن الجماعة، أو هي في مستوى الجماعة اليوم، ومتخلفة عن الجماعة غدًا؛ لأن القوانين لا تتغير بسرعة تطور الجماعة. أما الشريعة فقواعدها وضعها الله على سبيل الدوام لتنظيم شئون الجماعة، فالشريعة تتفق مع القانون في أن كليهما وُضع لتنظيم الجماعة، ولكن الشريعة تختلف عن القانون في أن قواعدها دائمة، ولا تقبل التغيير.

3. أن الجماعة هي التي تصنع القانون وتلونه بعاداتها وتقاليدها وتاريخها. والأصل في القانون أنه يوضع لتنظيم شؤون الجماعة، ولا يوضع لتوجيه الجماعة، ومن ثم كان متأخرًا عنها، وتابعًا لتطورها، ولم تكن الجماعة من صنع القانون. هذا الأصل تعدل في القرن العشرين، وعلى وجه التحديد بعد الحرب العظمى الأولى؛ حيث بدأت الدول التي تدعو لدعوات جديدة تستخدم القانون لتوجيه الشعوب وجهات معينة، كما تستخدمه لتنفيذ أغراض معينة. وكانت أسبق الدول نحو الأخذ بهذه الطريقة روسيا الشيوعية، وأعقبتها تركيا الكمالية، ثم تلتهما إيطاليا الفاشية، وألمانيا، ثم اقتبست بقية الدول هذه الطريقة فأصبح الغرض من القانون هو تنظيم الجماعة وتوجيهها الوجهات التي يرى حكامها أنها في صالح الجماعة. أما الشريعة فقد علمنا أنها ليست من صنع الجماعة، وأنها لم تكن نتيجة لتطور الجماعة وتفاعلها كما هو الحال في القانون الوضعي، وإنما هي من عند الله الذي أتقن كل شيء خلقه.

وإذا لم تكن الشريعة من صنع الجماعة، فإن الجماعة نفسها هي من صنع الشريعة؛ إذ الأصل في الشريعة أنها لم توضع لتنظيم شئون الجماعة وحدها، وإنما المقصود من الشريعة قبل كل شيء تربية الأفراد الصالحين والجماعة الصالحة، وإيجاد الدولة الحرة والعادلة. ومن أجل هذا جاءت نصوصها أرفع من مستوى العالم في وقت نزولها، ولأنها كذلك إلى اليوم، وجاء فيها من الأفكار والمبادئ ما لم يتهيأ للعالم غير الإسلامي معرفته والوصول إليه إلا بعد قرون طويلة، وما زال العالم غير الإسلامي يتهيأ لمعرفته والوصول إليه حتى الآن. ومن أجل هذا تولى الله تعالى وضع الشريعة، وأنزلها على رسوله في نموذج من الكمال ليوجه الناس إلى الصالحات والفضائل، ويدعو إلى التسامي والتكامل حتى يصلوا أو يقتربوا من مستوى الشريعة الكامل، وقد حققت الشريعة ما أراده لها الخبير العليم، فأدت رسالتها أحسن الأداء، وجعلت رعاة الإبل سادة العالم في سنوات قليلة، وجعلت من جُهَّال البادية معلمين للإنسانية وهداة لها.

المراجع
  1. توفيق الشاوي، فقه الشورى والاستشارة (المنصور؉: دار الوفاء، ط ²ِ 1992) ص192.
  2. مادة «قنن» في لسان العرب، لابن منظور، ج12/205ـ206، والقاموس المحيط للفيروز آبادي، ص1105
  3. ابن فارس، معجم مقاييس اللغة (بيروت: دار الكتب العلمية) 5/29.
  4. محمود طنطاوي، المدخل إلى الفقه الإسلامي. القاهرة: مكتبة وهبة ص166 بتصرف يسير.