قيمةٌ هي من بين قيمِ الحياةِ في أرفَع الرُّتبِ والمقامات، وهي مطلبٌ تطلبه نفسُ الإنسان وتتطلع وتصبو إليه، وتتلمّسه في ظواهرِ الكون وفي قسمات الوجوه وفي آيات الفنون… تلك قيمة الجمال.

ما الجمال؟

ما الذي يدفعُنا إلى إصدار الحكم على هذا الشيء، تلك القطعة الفنية، ذلك المنظر، بأنها جميلة، بينما نطلق على أشياء أخرى بأنها قبيحة؟ ما المعيار الذي عليه اِعتمدنا في ذلك؟ وهل هو معيارٌ واحد ثابت عند الجميع؟ فأنت قد تستحسن وتستجْمِل ما لا يستجمله غيرُك، وهذا الاستجمال أو الاستقباح بدورِهِما كيف يحصلان في النفس؟ وبأية طريقة؟ وكيف يُتاح للفنان ابتكار ما يجْمُل في العيون ويقع موقعًا حسنًا في النفوس؟

كل تلك الأسئلة تضافرت وفرَّعت لنا فرعًا في العلوم؛ هو علم الجمال أو «الاستطيقا»، وهو العلم الذي انبثق عن فلسفة الجمال؛ التي تمثل موضوعًا عَتِيدًا من موضوعات الفلسفة. وبين رُوَّادِ هذا العلمِ والكاتبين في موضوعاتِه ومضامينِه، تتعدد المذاهِب والآراء في تفسير آلية الشعورِ بالجمال، وفي تحديدِ المعايير والمقاييس التي تُميز ما هو جميل عما هو ليس بِذاك، ويحاوِل كُلٌ تقديم الجوابِ عما تم إسلافه من الأسئِلة.

ها هنا سنسعى إلى تِبيان رأيِ من تلك الآراء العديدة المختلفة لواحد ممّن كتبوا في معنى الجمال ومعياره، وهو رأي الأستاذ «عباس العقاد»، أحد أكبر الأساتذةِ العرب في القرن العشرين.

الجمال هو الحرية

هذه الجملة الموجزة تمثل خُلاصة رأي الأستاذ العقاد في معنى الجمال، وفي المقياس الذي يجدُر بنا الاِعتدادُ به في تحديد الجميل وتمييزه، وهي عبارةٌ -ولا شك- في حاجة إلى شرحٍ وإيضاح، نظرًا لكثافتها وغُموضها في آنٍ.

فالأستاذ العقاد يرى أنه يجِب التقريبُ بين مدلول الحرية ومدلول الجمال؛ وذلك لِكوْن كليْهما يُناقضان الفوضى ويناقضان التقييد؛ لأن الحرية طلاقة، وهي على العكسِ من الإعاقة، وفي نفس الوقت لابُد لها من قانون يضبطها ويمنعُها من الخروجِ عن إطار النظام والاستحالة إلى فوضى. والجميل، هو كل ما يخلق في نفوس المشاهدين أو السامعين شعورًا بالحرية والانسيابِ، ويُرضِي في النفوس «حاسة الحرية»، وكذلك يجنِّبُها في الوقت ذاته الشعور بالفوضى أو الشعور بالتقييد والإعاقة والامتناع.

وعلى ذلك تكون الحرية هي معيار الجمال، كلما زاد نصيبُ العمل الفني، أو الجسمِ الإنساني من الحرية والانعتاق، زاد نصيبُه من الجمال؛ بشرط أن نفهم أن الحرية المقصودة حريةٌ «موزونةٌ» و«مقننةٌ»، أي أن لها أوزانًا وضوابِط هي أشْبه بالقالبِ الذي يحفظ هيئة الشيء الجميل، وذلك ما يميّزها عن الفوضى والاضطراب الذي يخلو من كل جمال. [1]

ولهذا السبب يرى الأستاذ مقام التصوير الرمزي مقامًا عاليًا بين فنون التصوير الأخرى، لأنه هو الفن الذي ينْطوي على قدر من حريةِ النفس وانبعاثها، لا تنطوي عليه بقية فنون التصوير.

وبذلك يمكننا أيضًا الوقوفُ على مدى إجادةِ الفنان في عمله، فالفنان القديرُ هو ذاك الذي بِمقدورِه إخراج العمل الذي يعبر فيه تعبيرًا حرًا وسط جملة من الضوابِط التي تحفظُ على عمله النظام والاتزان.

وإذن يكونُ الجمال، اعتبارًا بما سبق، ظهورًا للحرية في قالب موزون يميّزها عن الفوضى، ويُضفِي عليها الرشاقة ويمنحها خفة الوقْع في النفس، ولذلك قال إن الجمال هو الحرية، أو هو الحرية المنظمة بشيء من الدقة.

ونجدُه، بالإضافةِ إلى توضيحِ رأيه هذا في معنى الجمال، يبسُط في كُتُبه ردودًا على التفسير البيولوجي الجنسي للجمال؛ وهو الرأي الذي قدّمه غير واحد من كبارِ العلماءِ الذين عاصروا الأُستاذ، وفي طليعتِهم الناقِد الاجتماعي الصهيوني «ماكس نورداو»، الذي كان يرى أن كل ما يُثير موضِع اللذة الجنسية في الدماغ، بشكل مباشر، أو عن طريقِ تتابُع الخواطر، هو الشيء الجميل؛ أي أن معيار التعرف على الجمال في ضوء هذا الرأي هو قابلِية إثارته للغريزة الجنسية عند المتلقي بشكل من الأشكال. ولذلك –مثلًا- يكثُر التعبير عن الجمال عند الفنانين والشعراء والنحاتين بذكر المرأة والتغزل بها وتمثيلها.

أمّا العقاد فيرد على هذا الرأي في كتاب «مراجعات في الآداب والفنون»، ويرى أن الغريزة الجنسية، على الرغم من كونها غير منفصلة دائمًا عن نظم الناظمين وتمثيل المثالين، فإنها ليست أصل الشعورِ بِكل جمال في الوجود، فهذه الغريزة وسيلةٌ لتجديدِ الحياة وحفظِها، ولن تخلو الحياة من جمال خارج هذا الإطار. وأمّا نزوعُ الفنون إلى استخدام المرأة كوسيلة للتعبير؛ فذلك لأن المرأة هي «الشخص المحسوس المحبوب» الذي في استطاعةِ الفن استخدامُه في غرضِه، بيد أنه حتى في منحوتات الإغريق والرومان لا يقل تمثيلُ الرجال عن تمثيلِ النساء، ولا يمكن تفسير إحساس الجمال عند هؤلاء المثّالين من منظور نموذج التفسير الذي يطرحه «نورداو» ومن ذهب مذهبه للجمال. [2]

ورأيٌ آخر في معنى الجمال، لا يرفضه العقاد ولا يردّه، ولكنه يضيف إليه؛ وهو الرأي القائل بأن الشعور بالجمال أصله تناسبٌ حاصلٌ بين أجزاء الشيء وأطرافه، فهذا التناسب والتناسق يولِدُ في نفس الرائي والسامعِ الإحساس بجماليةِ الموضوع المتناسق.

ويقول العقاد إنه لا يُنكر فاعِلية التناسب في إبراز الجمال، لكنه ليس العنصر الرئيسي في كينونته، إذ يقول إننا لا نجدُ التناسب، مثلًا، في جسد كلب الصيد الهزيل المعقوف، لكننا نحس من حركته وخِفته حرية تتواءمُ وتتماشى مع تركيبةِ بنيته، وعلى هذا الاعتبار نعُده كائنًا جميلًا. والزرافة كذلك، قد لا نحس أمام منظرها بالتناسق إن نحنُ بحثنا عنه كما نحس به عند غيرها من أجناس الحيوان، لكنها لو كانت قصيرة العنق مثلًا، أو قصيرة الأرجل، لوجدنا في تركيبتِها عندئذ عائقًا وتقييدًا لها عن الحركةِ الطليقة، وعن أداء وظائِف الحياة في حرية وخفة، وبحكمِ انتِفاءِ هذا العائق الذي تخيّلناه آنفًا، يمكننا اعتبارها كائنًا جميلًا. [3]

فأعضاءُ الجسمِ جميل التركيب تكونُ كالوزن في القصيد، واللحن في الموسيقى؛ تسمحُ بالحرية في الحركة والخفة في التعبير، وتُذهِب الشعور بالامتناع أو الضيق أو الفوضى، وتتيحُ الانسياب والتدفق المنظم الذي يهبُها المعنى ويكْسِبها الجمال.

«إدراك الجمال» مقياسًا لحُرية الأمم

وكما أن الحرية مقياسٌ للجمال كما تقدم، فكذلِك الجمال أو «إدراك الجمال» هو مقياسٌ لحريةِ الأُمم إذ «تعرِفُ الأمم الحرية حين تأخذُ في التفضيلِ بين شيء جميل، وشيء أجمل منه، وتتوقُ إلى التمييز بين مطلب محبوب، ومطلب أحب وأوقع في القلبِ وأدنى إلى إرضاء الذوقِ وإعجابِ الحِس». [4]

فإن الأمم الحرة حقًا هي تلك التي تجاوزت مرحلة الاشتغالِ بِضرورات الحياة ومطالب البقاء فحسب، والرضا بالمتوفرِ ما دام يكفُل عيشها ويستبْقي وُجودها، وذلك إلى مرحلةِ التمييز والمُفاضلة بين الأشياء والخيارات قصد إِرضاءِ الذّوق وإشباعِ مَطلب الجمال، وذلك لأن المُقتصرَ على حفظِ حياتِه محكومٌ بضرورةِ البقاء، خاضعٌ لها، لا مناص له من الاجتهادِ في سبيلها، أمّا المتطلِب للتفضيل بين ما يُعرض عليه، ولانتقاءِ الجميل الذي يُواتي الذوق من بينها، فهو الحُر صاحِب إرادة الاختيار.

وبهذه التفرِقة، يضع العقاد مقياسًا لحُرية الأمم، فتكونُ الأمم الخاضعة هي تلك التي ترضخ لِمتطلبات البقاء، ولا تصرِف سعيها إلا إلى ما يكفُل دوام المعاشِ، وتكون الأمم الحرة هي تلك التي تختار وتُفاضِل وتتخير ما يُناسِب ذوقها، والفنون –بصفتها إنجازًا لا يعمَل لِصالح بقاء الأمة، ولا يُساهِم في حفظِ معيشتها، وإنما هو مطلبٌ جماليٌ محض– هي علامةٌ دالةٌ على اشتغالِ الأُمة بابتكارها ما يُشبِع أذواق النفوس، وعدمِ اقتصارِها على توفيرِ مٌتطلبات الأجسام، أي تجاوُزِها المطلب الضروري إلى المطلبِ الاختياري، وذاك دليلُ نصيبِها من الحرية.

مُناقضة الجمالِ للحرية

ويجدُر التنويهُ كذلك إلى ملاحظةٍ يأخُذُها الآخِذون على هذا الرأي؛ بقولِهم إن الموضوعَ الجميل قد يأْسِر المُتلقي، ويربِطُه به ويقيده إليه، وفي ذلك نوع من التقييد للإنسان يفرِضُه عليه جمالُ الجميل، وهذا يُنافي شُعور الحرية الذي اتخذه الأستاذ مِعيارًا للجمال.

لكن العقاد يستدرِك ويؤكِد على أنه يُفرِّق بين الإحساس بالجمال، وبين الرغبة في تَمَلُّكِ الشيء الجميل والاِستحواذِ عليه [5]، فإن تمييز الجميل من بينِ جُملةِ الأشياء تبعًا لِمعيار الحُرية يختلِف عن نُزُوع المُتلقّي إلى اشتهاءِ الجميلِ والطمع في نيله؛ فهذا الوضعُ الأخير يقود إلى هوىً آسرٍ ومُقيدٍ لِلنفسِ يُوقِعها في قبضة الجميل تحت تأثير جماله، بينما الحالة الأولى تُرضي في النفسِ حاسة الجمال وتُطلِق فيها الإحساس بالحرية.

وعليه فلا اصطِدام بين الجميل والحُر تبعًا لهذه التفرقة بين انتقاءِ الجمال والتعرُف عليه، وبين الرغبةِ في تَمَلُّك مصدرِه.

فـ «الجمال هو الحرية»؛ هي باختصارٍ مُجمَل رُؤية الأستاذ العقاد في هذا الصدد، والجميلُ ما استحْضَرَ في النفسِ شعورَ الطلاقةِ والاسترسال، وما حَظِيَ في هيْأتِه بالخِفَّة والحرية، تلك الحريةِ المنظُومةِ في أوزانٍ وقوانين، وذلك لِأن «كَراهَة الموانِع، غَريزةٌ في جميعِ النفوس، إن لم نقُل في جميعِ الأشياء». [6]

المراجع
  1. عباس محمود العقاد، “مراجعات في الآداب والفنون”، مؤسسة هنداوي، 2014، ص 40.
  2. المرجع السابق، ص 50-51.
  3. عباس محمود العقاد، “هذه الشجرة”، مؤسسة هنداوي، 2014، ص 20-21.
  4. عباس محمود العقاد، “مطالعات في الكتب والحياة”، مؤسسة هنداوي، 2014، ص 61-62.
  5. عباس محمود العقاد، مراجعات في الآداب والفنون، مرجع سبق ذكره، ص 41.
  6. المرجع السابق، ص 40.

مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير.