للوقوف على المشكلات المعاصرة للدولة المصرية، بل للدول العربية جمعاء، من الضروري أن نعود إلى أصل القصة. فالدول العربية القومية الحديثة والتي تأسست في الشرق الأوسط خلفاً للإمبراطورية العثمانية بالمحاذاة مع الاستعمار الغربي فشلت جميعها في مشروع الدولة الدستورية، والتي تدار عن طريق التجمعات المنتخبة على الطراز الغربي. لم يكن فشلاً في البناء وحسب، ولكن كذلك كانت تلك الدول القومية نكوصاً للوراء من حيث التحكم بالرعايا وتركُّز السلطة. لذلك، يؤكِّد الباحث والمستشرق «برنارد لويس» في أحد لقاءاته أنَّ الخلافة الإسلامية القديمة باختلاف سلالاتها كانت أكثر (شوريَّةً) وأقلَّ تمركزاً للسلطة من تلك الجمهوريات العربية الشمولية.

على كلٍّ يجب ألا يُساق القارئ إلى التأكيد المضمون بأنَّ «التحديث» يعني أنَّ ما قبله كان القديم البالي، وأنَّ ما بعده الجديد العالي. المقصود بالتحديث هو تحويل الولاية إلى دولة، والواقع إلى دفتر، والشريعة إلى قانون عقوبات، وذراع الوالي الباطشة بالعقاب العلني (من جلد أو رجم) إلى تحكمٍ تامٍ في جسد المذنب بالحبس. غير أنَّ الأهم هو تحويل المجاهدين إلى جيش نظامي بتجنيد إجباري يتلقى تدريبه ويظل على تمركزه طوال العام، في نسقٍ تام يحاكي الدولة الغربيَّة المعاصرة.

يعتبر أبو مشروع التحديث في مصر هو الشخصية الجدليَّة محمد علي باشا، والي مصر في الفترة من 1805 إلى 1848. غير أنَّ الفارق الجوهريَّ بين مشروع الباشا التحديثي ومثيله الغربي يكمن في أن الثاني تأسس ليُساير الانتقال من الزراعة للصناعة وبغاية حسن إدارة الدولة من أجل تحسين رفاهية مواطنيها –أو على الأقل طبقات محدَّدة من مواطنيها في البدء– في حين تأسست الدولة المصرية الحديثة بدافع طموح عسكري للباشا، في سياق صراعه على النفوذ والسلطة.

تأسست الدولة الغربيَّة حول المواطن الغربي، بينما تأسست الدولة المصرية الحديثة حول الجيش المصري. من هنا يتضح أنَّ مشكلة العلاقة بين الجيش المصري والدولة المصرية متجذرة في أصل ونقطة انطلاق الدولة الحديثة، بحيث أن هدف الدولة المصرية منذ التأسيس كان خدمة الجيش المصري الحديث -تركي وألباني القيادة حينها- كما نستوضح وكما بيَّن الباحث خالد فهمي في كتابه المثير «كل رجال الباشا».

علاقة متوترة وصدام حتمي

تبدأ القصة بتولي محمد علي ولاية مصر عام 1805 بمباركة الباب العالي. ولفهم دوافع الباشا يجب وضعها في سياق الصراع العثماني-العثماني على الولاية والنفوذ داخل وخارج البلاط السلطاني. فدافع محمد علي هو أن يضمن مكانه كعاهل لمصر يحكمها هو ومن بعده سلالته، كما ظفر بفرمان 1841، والذي ضمن ما أراد له ولسلالته. تلك القراءة تعطي تفسيراً أوقع لدوافع الباشا كجزء من الدينامية للسياسة الداخلية العثمانية عن التفسير المتداول، أن محمد علي هو «محيي الديار المصرية الذي أتاهها وهي عليلة ضئيلة لا حراك بها وتركها قادرة على القيام بأعظم الأعمال».

قد تكون طموحاته في البداية قد انحسرت في أن يكوِّن جيشاً قوياً ليخدم الباب العالي، ويكون محل تقدير وثناء منه، كما فعل بعدما سحق تمرد الوهابيين في الحجاز، استجابةً لطلب السلطان بين عامي 1811-1818، إلا أنّ تلك العلاقة بين الوالي والسلطان تدهورت وغرقت مع أسطولهما المحترق في معركة «نافارين البحرية» عام 1827 كجزء من حملة المورة. تلك التي شارك فيها محمد علي بالجيش المصري بقيادة ابنه إبراهيم، بعد طلب الخليفة المدد لإخماد الثورة اليونانية.

لم تنته الحملة بالهزيمة المدوية فحسب، لكن انتهت بما رآه الباشا وابنه عجز وسوء تنظيم وتعنُّت الخليفة ورجاله، وخاصة خصمهما اللدود «خسرو باشا»، أدميرال الأسطول العثماني وصدر الدولة الأعظم. كل ذلك إلى جانب تلقي الباشا اللوم على الهزيمة من قِبل «رجال إسطنبول»، حسب تعبيره.

إنّهم -يقصد جُند إسطنبول- قليلو الحيلة وخائبون لدرجة أنَّهم يعجزون عن تثبيت صواري فرقاطتهم… وسموكم تعرفون حجم الإمدادات التي كنت كريماً في منحها لهم، وتعرف أيضاً كمية الطعام التي أكلوها وطفحوها حينما كانوا بالإسكندرية.
إبراهيم باشا لأبيه محمد علي باشا.

كل ذلك حينما يوضع إلى جانب الصدام المشروعي للباشا والسلطان تجد أن النزال بينهما آتٍ لا محالة، فمشروع الباشا يقوم على أن الدولة العثمانية تضعف وتتحلل، وبهذا عليه أن يقوم بدوره ويضمن على الأقل أن يعزز من سلطاته في ولايته ويبدأ فيها بمشروع التحديث، في حين أنَّ مشروع السلطان التحديثي يبدأ بإخضاع كافة الولايات للسلطة المركزية.

على كلٍّ، بعد الهزيمة، ولتعويض كارثة غرق الأسطول المصري الذي اعتاد الباشا أن يفخر بأنَّ «العالم الإسلامي لم يشهد مثله قط»، عند سواحل اليونان، أراد الباشا أن ينشئ أسطولاً مهيباً، لكن هذه المرة أدرك أنَّه يجب أن يُصنِّع سفنه بنفسه، ومن هنا كان التفكير في حلمه القديم، ولاية الشام. يأتي ذلك لأنَّ مصر فقيرة بالأخشاب على عكس الشام المتميزة بجودة أخشابها، وكذلك لاقتناع محمد علي بغنى تلك الولاية في خراجها.

في البدء وقبل المورة، حاول محمد علي أن يقنع السلطان باستحقاقه لولاية الشام، حتى يضمن انتصاره في الحجاز ويُكمل (حصار الوهابيين)، ولكن بلا فائدة، ثمَّ بعد هزيمة المورة طالب محمد علي مجدداً بولاية الشام كمكافأة على خدماته بالمورة والحجاز، ليُقابل طلبه بالرفض مجدداً والاكتفاء بإعطائه جزيرة كريت الثائرة، والتي كان الباشا قد استولى عليها بالفعل.[1]

طموحات الشيوخ تحملها حراب البؤساء

لم يكن الباشا ليرضخ لرفض السلطان، وعزم على أن يأخذ الشام هذه المرة بالقوة. تكمن المشكلة في المجندين الذين يجب أن تحمل بنادقهم تلك الطموحات الكبيرة. فالترك في مصر أعدادهم غير كثيرة، والمصريون مهمتهم تتلخص في الفلاحة، فدونهم تبور الأراضي ويتدهور الاقتصاد، غير أنَّهم كانوا ممنوعين من حمل السلاح طبقاً للقانون العثماني. من ثم كان التفكير الأول لجمع مجندي جيش محمد علي النظامي هو تجنيد السودانيين، من خلال حملة السودان التي كان قد بدأها بالفعل عام 1820 لهذا السبب، ففي أحد الرسائل بين محمد علي وابنه قائد حملته «إسماعيل باشا» بشأن تعثُّر جمع الضرائب من السودانيين، كان رد الباشا:

إن سبب تكبد تلك المشقات وتجشم تلك الصعاب ليس جمع المال، كما كتبت لك مراراً، ولكن جمع الرجال الذين يناسبون مشاريعنا.[2]

غير أنَّ ذلك المشروع فشل بسبب طول مسافة نقل العبيد من الرجال والنساء والأطفال من السودان ثم لأسوان ثم للقاهرة، والذي بدأ بسير العبيد على الأقدام، ثم جاءت فكرة القوارب النيلية، لكن ذلك لم يكن ليجدي، لأنَّ سيئي الحظ ممن استُعبدوا عانوا الإرهاق من طول السير وتفشي الأمراض، التي جعلتهم «يموتون كما تموت الخراف من وباء العفن» [3]، وليس لكسل السودانيين كما اتُّهموا فيما بعد.

من نحو 20 ألف سوداني تم جمعهم وإرسالهم لأسوان عام 1824، لم ينجُ إلا ثلاثة آلاف فقط.[4]
هنري سولت (عالم مصريات بريطاني).

فشلت الحملة في تحقيق الهدف المنشود «ثلاثة آلاف عبد أمام كل جندي مشارك في الحملة»، ومن هنا كان البديل الأخير أمام الباشا خلق جيش مصري نظامي من الفلاحين أولاد العرب على النمط الفرنسي، بتدريب جنراله الفرنسي «الجنرال سيف»، أو من عُرف لاحقاً باسم «سليمان باشا الفرنساوي»، وتحت إمرة ضباطه الترك والألبان في أول مرسوم يؤسس للتجنيد الإجباري المصري في خطاب مؤرَّخ بتاريخ 18 فبراير/شباط 1822:

من الواضح أننا نُرسل قواتنا بقيادة أبنائنا إلى السودان ليجلبوا لنا السود لنستخدمهم في حملة الحجاز وخدمات أخرى مماثلة… إلا أنه لما كان الأتراك من جنسنا ويجب أن يظلوا قريبين منا طول الوقت، ولا يُرسلوا إلى هذه المناطق البعيدة، أصبح من الضروري جمع عدد من الجنود من الصعيد، ولذلك وجدنا أنه من المناسب أن تجنِّد حوالي أربعة آلاف رجل من هذه المديريات.[5]

إذاً، توضح تلك الكلمات أنَّ تجنيد المصريين لم يكن بدافع خلق روح المواطنة المصرية -التي بالفعل خلقها التجنيد عرضاً- ولكنه كان إكراماً للترك الذين يجب ألا يُلقوا إلى المناطق البعيدة إلى جانب قلة أعدادهم. ثم إنه من السخف أن نفكر في موضوع المواطنة المصرية بمفهومها الحديث، لأن فلاح القرن التاسع عشر يجد كل تلك المفاهيم غريبة عنه، فذلك الفلاح انتمى لدينه ومن ثَمَّ للخليفة وواليه، ثم لأرضه التي يزرعها وأهله وقريته. لم ينظر المصريون بعد إلى أنفسهم كعنصر مستقل أو كأحفاد للفراعنة -الذين أسموهم بالمساخيط بالمناسبة حينها- ولم تتكوَّن عندهم بعد روح القومية والاستقلال التي ظهرت في أوائل القرن العشرين، كنتيجة وضع المصريين بمختلف أصولهم في بوتقة انصهار واحدة سُميت التجنيد الإجباري.

تجنيد أولاد العرب

تقول مراسلات الباشا لضباطه إنَّه أراد استعمال اللين والإقناع في تجنيد المصريين في البدء[6]. إلا أنَّ المصريين تلقوا تلك الدعوات بآذان فارغة. فقد كره المصريون الانضمام للجيش العلوي، وقاوموا بكل الأشكال، بدءاً بالتمرد الصريح وعدم دفع الضرائب، مروراً بتنبيه القرى بعضها حتى إذا أتت الحملة على قرية وجدتها خاوية على عروشها في مشهدٍ حزين، وانتهاءً بمحاولات التشويه الذاتية [7] –ما أشبه الليلة بالبارحة.

لم يكن ذلك كسلاً أو تهرباً كما اتُّهموا، لكن تخيل معي المشهد؛ تأتي حملة تجنيد الباشا إلى القرية، يحاصر خيل الحملة الرجال ممن يبدو عليهم القدرة على حمل السلاح، يربط أولئك بالأحبال من أعناقهم في مجموعات من ستة أو ثمانية أشخاص ويسحبون خلف حملة التجنيد وسط لطم وصراخ النساء وبكاء الأطفال[8]. ولا يعلم الرجال لما يساقون أو متى يعودون إلى قراهم وأراضيهم التي قد تبور وعائلاتهم التي قد تتفسَّخ. أتمنى ألَّا أُتَّهم بالدرامية إلا أنَّ الواقع كان بهذا البؤس.

أخيراً كانت فكرة تأسيس الجيش الحديث تتطلب بالضرورة تأسيس دولة حديثة، تستطيع أن تدفتر الواقع وتضع الحياة في القوالب المكتبية، فالتعبئة العامة تتطلب معرفة عدد السكان ومعلومات عن أعمارهم ومحل إقامتهم. خطوط إمداد الجيش تحتاج إلى أسطول ضخم من البيروقراطيين لدفترة أحوال الجيش وإمداده بكل شيء من طعام وشراب وذخيرة وحتى الزي العسكري.

ولزيادة عدد اللائقين للخدمة ولعلاج مرضي الجيش، كان لا بد من تحديث المنظومة الطبيَّة والقضاء على الأمراض المتفشية، وأيضاً تطلب مواجهة المنسحبين والهاربين من الخدمة إنشاء المديريات وأقسام الشرطة في عواصم المراكز والقرى، وبذلك كان الدافع والهدف لإنشاء مصر الحديثة هو خدمة الجيش.

مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير.

المراجع
  1. خالد فهمي، كل رجال الباشا، القاهرة، دار الشروق، الطبعة العربية الثامنة، 2018، ص 114.
  2. المرجع السابق، ص 148.
  3. Dodwell, The founder of Modern Egypt, Cambridge, 1935, P64.
  4. Dodwell, The founder of Modern Egypt, Cambridge, 1935, P65.
  5. خالد فهمي، كل رجال الباشا، مرجع سبق ذكره، ص 149.
  6. المرجع السابق، ص 160.
  7. المرجع السابق، ص 162.
  8. Hamont, L’Égypte sous Méhémet Volume II, Paris, 1843, P12.