لا يجهل باحث في أصول الفقه، ولا في مقاصد الشريعة، ولا في سماحتها، عظم قدر رسالة «تعليل الأحكام: عرض وتحليل لطريقة التعليل وتطوراتها في عصور الاجتهاد والتقليد» للشيخ العلامة محمد مصطفى شلبي، فهي مرجع لا غنى عنه، فضلا عن كونها أول مؤلف يحمل هذا الاسم في التاريخ الإسلامي، وللأمر دلالة. بل قد صارت الرسالة علمًا يشار إليه دون حاجة إلى تعيين اسم كاتبها، فيقول المؤلفون: قال صاحب «تعليل الأحكام»، كأنما صار هذا لقبًا جديدًا له. لكن الرسالة، على عظمتها – فهي من درر مؤلفات الشيخ – إن أوفت الشيخ قدره عالمًا فلن توفه القدر إنسانًا ومعلمًا. لذا كتبت هذه الترجمة، تعريفًا بالشيخ الذي صاحبته أعوامًا متواصلة، بلغت ثمانية وثلاثين عامًا، فما رأيت منه إلا إجلالًا للعلم وتواضعًا مع طلابه.


قصة صاحب الرسالة

ولد الشيخ محمد مصطفى شلبي في السبت الموافق 14 شعبان 1328هـ (20 أغسطس/آب 1910م)، بقرية ميت عفيف، التابعة لمركز الباجور، بمحافظة المنوفية. وكعادة أهل ذلك الزمان، التحق بكتاب القرية، وأتم حفظ القرآن سنة 1340هـ (1923م)، ثم التحق بمعهد القاهرة الأزهري، وواصل دراسته الأزهرية على المذهب الحنفي حتى حصوله على شهادة العالمية سنة 1356هـ (1937م). ليجتاز بعدها الامتحان التمهيدي المؤهل لإعداد رسالة للحصول على «العالمية من درجة أستاذ»، التي سينالها بالفعل عن رسالة «تعليل الأحكام».

عقب التخرج، عمل الشيخ مدرسًا للفقه والأصول في معهد الزقازيق الديني، فلما خلت درجة وظيفية في كلية الشريعة نقل إليها مدرسًا سنة 1366هـ (1947م)، وانتدب للتدريس في كلية الحقوق بجامعة القاهرة سنة 1373هـ (1953م)، ثم عين أستاذًا مساعدًا، فأستاذ كرسي الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق جامعة الإسكندرية إلى أن أحيل إلى التقاعد سنة 1390هـ (1970م).

تعاقد بعدها فضيلته مع المعهد العالي للقضاء الشرعي سنة 1392هـ (1972م) للعمل أستاذًا، ثم مع جامعة بيروت العربية للعمل أستاذًا في كلية الحقوق سنة 1393هـ (1973م). إلى أن عاد إلى مصر سنة 1400هـ (1980م) أستاذًا متفرغًا للشريعة الإسلامية بجامعة القاهرة، وعضوًا بمجمع البحوث الإسلامية (هيئة كبار العلماء) بالأزهر الشريف، وهي العضوية التي نالها سنة 1390هـ (1970م). استمر رحمه الله في أداء مهام وظيفته في جامعة القاهرة، وممارسة واجبات عضويته في مجمع البحوث الإسلامية، إلى أن توفي يوم الخميس 18 من ربيع الآخر 1418هـ (21 أغسطس/آب 1997م).

أذكر من مواقف الشيخ الشجاعة، في الدفاع عن الشريعة الإسلامية، أن اللجنة المعنية بمناهج كليات الحقوق كانت قد أعدت دراسة لتقليص مناهج الشريعة الإسلامية، وإلغاء أصول الفقه، وحدّدَ موعد الاجتماع الخاص ببحث هذه المسألة صبيحة إلقاء الرئيس جمال عبد الناصر خطابه الشهير بعد نكسة يونيو/حزيران 1967م. كان الشيخ قد أعدّ مذكرة مفصلة تناهض ذلك التوجه، فبدأ كلامه بالتحذير من مخالفة توجه الدولة الذي عبر عنه الرئيس بقوله: «لابد من العودة إلى الدين». قال لهم: كيف تواجهون رئيسًا هذا رأيه بإلغاء منهج أصول الفقه الإسلامي؟ فلم يجد بعد ذلك حاجة لعرض مذكرته، فقد وافقوا فورًا، وبالإجماع، على بقاء المناهج كما هي، ولا تزال كما هي حتى كتابة هذه السطور.

جدير بالذكر أن الشيخ قد تتلمذ على كبار شيوخ الأزهر في عصره، واختص بالتلمذة للعلامة الشيخ عيسى منون، شيخ رواق الشوام، وعميد كلية الشريعة، وقد كان الشيخ عيسى – الشافعي المذهب – مثلًا احتذى به الشيخ، رحمه الله، في التفرغ للعلم والتعليم.


قصة الرسالة

أما قصة رسالة «تعليل الأحكام»، بإيجاز، كما سمعتها من شيخي أكثر من مرة، وكما ذكر في المقدمة المعنونة بـ«قصة هذه الرسالة»، التي وضعها للطبعة الثانية، الصادرة عن دار النهضة العربية بيروت، سنة 1981، أنه لما عزم على نيل العالمية من درجة أستاذ، استعرض موضوعات كثيرة ليختار منها موضوعًا لرسالته، لكن الاختيار استعصى عليه، حتى كاد اليأس يتسرب إلى نفسه، فترك التفكير في المسألة، وفوّض أمره إلى الله داعيًا إياه أن يهديه إلى ما يذهب حيرته.

كان ذلك في أول شهر رمضان سنة 1361هـ (1942مـ). وقبل أن ينقضي الشهر، رأى نفسه في المنامه يدخل مكتبة كلية الشريعة، فيجد فيها حشدًا من الشيوخ والطلاب، وإذا بأمين المكتبة ـ وكان رحمه الله شيخًا وقورًا – يسرع إليه ويناوله كتابين: أحدهما مطبوع والآخر مخطوط، ويقول له: «خذ هذين الكتابين من مراجع رسالتك»، فقال له الشيخ: «إنني لم أختر موضوع رسالتي بعد». فأجابه الأمين: «رسالتك في تعليل الأحكام». يقول الشيخ: «استيقظت بعد هذه الرؤيا وأنا في حيرة مما رأيت: هل هي رؤيا أم مجرد خاطر نفسي؟ وسرعان ما استبعدت الثاني لأنني لم أكن أفكر في موضوع الرسالة، ولا خطر ببالي هذا الموضوع من قبل». ثم يكمل قصة الرسالة، مسميًا إياها بـ«الكتاب»، وقد صرح بتأسيه في ذلك بالإمام الشافعي الذي لم يسم رسالته الأصولية إلا بهذا الاسم، رحمهما الله تعالى.

ومن طريف ما لم ينشر من «قصة هذه الرسالة»، ما حدثني به الشيخ، أنه عند تقديمها إلى كلية الشريعة، لتحديد موعد المناقشة، ظلت بين أيدي أعضاء اللجنة المكلفة بمناقشتها سنة أو تزيد ـ ولم يكن ذلك معهودًا آنذاك ـ وأنهم اجتمعوا مرات عدة، وكان رأي غالبيتهم أن ترد الرسالة إلى صاحبها، بينما رأت أقلية منهم، أو بالأحرى فرد منهم، أنها رسالة يجب أن تجاز، وإلا فليكتبوا أسبابًا مقنعة لردها. فلما لم يجدوا شيئًا يسوّغ ما يريدون، ناقشوها في 20 من ربيع الأول 1364هـ (4 أبريل/نيسان 1945م)، لتنال أول تقدير «امتياز» في تاريخ كلية الشريعة، وخرج الشيخ من الكلية محمولًا على أعناق الطلبة، بعد مناقشة استمرت ساعات طويلة.

انتشرت رسالة «تعليل الأحكام» في مختلف أرجاء العالم، منسوبة إلى صاحبها أحيانًا، ومنتحلة أحيانًا أخرى، في جرأة بلغت بأحدهم درجة انتحالها كاملة بعنوانها في إحدى كبريات الجامعات داخل مصر. كما انتحل أحد كبار الشيوخ الجامعيين بحثه المعنون بـ«الفقه الإسلامي بين المثالية والواقعية»، وحين أطلعت الشيخ شلبي على البحث المنتحل منشورًا في إحدى كبريات المجلات الثقافية العربية، منسوبًا إلى هذا الشيخ، في عام 1388هـ (1968م)، لم يزد أن قال: «يا بني: فائدة العلم أن ينتفع به».


أيام مع الشيخ

بدأت صلتي بالشيخ في أول محاضرة لي طالبًا في كلية الحقوق بجامعة الإسكندرية سنة 1389هـ (1959م)، ولم تنقطع إلا بوفاته. إذ اعتدت صحبته في أيام السبت والأحد والاثنين – وهي الأيام التي كان يقضيها بالإسكندرية – من الكلية إلى الفندق الذي يقيم فيه، وكان يأبى أن أحمل عنه حقيبته أو أوراقه، ويقول لي: «صاحب الشيء أولى بحمله». كان يكرر هذه العبارة حتى ظننتها حديثًا نبويًا يتأسى به، وقد شغلني الأمر حتى بحثت عنه في كتب الحديث فلم أجده. وفي اللقاء التالي مباشرة، هممت أن أحمل حقيبته، وأنا أخبره بروح الفتى المنتصر أن عبارته الشهيرة ليست بحديث، فنظر إلي باستغراب وتهكم، وقال لي: «هو حدّ قال لك إنه حديث!». يومها أدركت أن صنيعه كان حسن خلق وتواضعًا ذاتيًا. كما لم أره مرة يسمح لأحد بتقبيل يده، بل كان يأبى ذلك بشدة، ويدعو لمن يحاول فعله، إرضاءً له، حتى لا يتوهم الناس أنه يفعلها أنفة فيظلمونه.

صاحبت الشيخ أعوامًا متواصلة بلغت – كما قلت – ثمانية وثلاثين عامًا، لم تقطعها الأسفار، فقد كنا نتكاتب في أثنائها مرتين أسبوعيًا، وكنت أسافر في سنوات الدراسة من الإسكندرية إلى القاهرة، في شهور الإجازة الصيفية، في كثير من أيام الخميس والجمعة، لأصحبه فيهما في بيته بحدائق شبرا، ثم في بيته بالدقي، إلى وفاته رحمه الله. وقد عهد إلي في العامين الأخيرين من حياته بحفظ أمواله، وأوصاني بتوزيع تركته بعد إخراج ثلثها في وجوه برّ معينة، وقد فعلت ذلك بفضل الله ونعمته.

ولشيخنا فتاوى كثيرة مكتوبة، لم تنشر بعد، وله بحوث قدمها إلى مجمع البحوث الإسلامية، الذي كان من أقدم أعضائه، أسأل الله أن ييسر لي جمعها ونشرها بإذنه تعالى. رحم الله شيخنا محمد مصطفى شلبي أوسع رحمة، وأجزل له المثوبة عنا، وعن آلاف لا تحصى من طلبة العلم الذين درسوا على يديه في الجامعات أو انتفعوا بمؤلفاته.

من أعمال الشيخ محمد مصطفى شلبي المطبوعة:

– تعليل الأحكام: عرض وتحليل لطريقة التعليل وتطوراتها في عصور الاجتهاد والتقليد.

– المدخل لدراسة الفقه الإسلامي وقواعد الملكية والعقود فيه.

– أحكام الأسرة في الإسلام: دراسة مقارنة بين فقه المذاهب السنية ومذهب الشيعة الإمامية.

– أحكام الوصايا والأوقاف في الفقه الإسلامي.

– أحكام المواريث.

– الفقه الإسلامي بين المثالية والواقعية.

– تطبيق الشريعة الإسلامية بين المؤيدين والمعارضين.

– الاستحسان في الفقه الإسلامي وعلاقته بالتشريع.