يدخل القاعة وسط ظلام دامس، تضاء أنوار خافتة من كل اتجاه مصوبة كلها نحوه تشير ببدء خطبته المنتظرة. يمسك الميكروفون ويجلس على كرسي خشبي قديم ويرفع رأسه التي كانت ناظرة للأرض وبأعلى صوت عنده وكأنه يحتفل بهدف لم يسجله في نهائي كأس العالم يقول: أنا نيمار دا سيلفا سانتوس جونيور، من أنتم؟

أعرفكم بنفسي، أنا نيمار جونيور اللاعب البرازيلي الشهير في كل أنحاء الأرض، ولكني أعاني من مشاكل هي ما أتت بي إلى هنا، أنا أحتاج للحديث معكم حول كل ما حدث وما سيحدث. أنا أريد منكم أن تسمعوني فقط ولا أريد الدعم ولا جذب الانتباه تلك المرة، لا أريد شيئًا سوى آذان مصغية.


اتهام

أعرف أنهم يقولون عني كل ذلك، ممثل ومهرج، كثير السقوط. أحيانًا يقولون إنني بكَّاء مثل الأطفال، وأعرف أيضًا أنني كذلك دومًا. لن أدافع عن نفسي حول أي حرف من تلك الاتهامات، أنا أفعل كل ذلك حقًّا ولكن هل سأل أحدكم لماذا؟

القصة تبدأ من حوالي ثماني سنوات قبل اليوم حين بدأت مشواري كلاعب كرة محترف هناك في البرازيل، حيث المهرجانات والألوان والأغاني الصاخبة وفي الخلفية الشواطئ الجميلة التي تكتسي ليلًا أضواء الحفلات الصاخبة. تخيلوا كل هذا الشكل النمطي البرازيلي يرتبط كل فترة بلاعب كرة من جارنيشيا إلى بيليه، مرورًا بزيكو ثم روماريو ثم جيل العباقرة رونالدو وكاكا ورونالدينهو. وقتها قالوا عني إنني واحد من هؤلاء جديد سأحمل لواء بلادي وأسير في الأرض كلها.

كان هناك مشكلات عدة لم أدركها حينها، ولكنني أدركتها لاحقًا، ربما هي سبب ما أنا فيه الآن. لقد استخدمني الإعلام البرازيلي ليروج للنجم القادم. هذا الكلام كان يسعدني ولكنني لم أكن أعنيه حقًّا حتى فشلت مرارًا وتكرارًا. كنت أتقاضى أموالًا كثيرة، وكان أبي هو المسئول عن حياتي المادية وكل ما يخصني. تشكل جزء كبير في ذهني أن المال هو ربما أهم شيء لتفوز به أو بمعنى آخر يجب أن أختار الطريق الأقصر للفوز بالمال الكثير. أرجوكم ارحموني لقد كان عمري سبعة عشر عامًا.

عفوًا نعود لموضوع البكاء والتمثيل وكل هذا، أنا لم أعرف اللحظة التي جعلت مني شخصًا كذلك، ولكني أعرف أنني لم أتلقَ اللحظة التي كانت يجب أن تمنعني من أكون هكذا، اللحظة التي حظي بها ميسي ورونالدو ولم أحظَ بها، ومع ذلك تقارنونني بهما، سأشرح لكم.


الأب الروحي

أنا اعترفت بأخطائي أمامكم، وما زلت سأعترف، ولكن هل أحد منكم أقر بسوء حظي؟ أو على الأقل سوءُه بالنسبة لمن تقارنونني بهما دومًا، ميسي ورونالدو. دعوني أخبركم شيئًا، في البرازيل حيث نحب الروايات والقصص الأسطورية يمتلك كل بطل في كل رواية أبًا روحيًّا أو شخصًا ملهمًا يظهر له في بداية الطريق ليرشده ويصحح من قراراته حتى ينضج البطل.

أنا لن أقلل من ميسي أو كريستيانو، ولكن هل تخيل أحدكم مسيرة رونالدو دون أن يتدخل بها السير أليكس فيرجسون، يا إلهي كم هو عظيم لقد تحكم بشكل جسده أيضًا! على الجانب الآخر أريد أن أرى فيما يرى النائم حلمًا أتخيل فيه مصير ميسي لو لم يقابل جوارديولا في الطريق ليصنع حوله الفريق الذي حكم أوروبا لسنوات وصنع أسطورة ميسي الخالدة.

الأمر خارج الإطار الفني والبدني، ولكن افتقاد فن إدارة النجم هو سبب ما أنا فيه. انظروا كيف أصبح ميسي ورونالدو ناضجين ومؤثرين في أشخاص آخرين يقولون دومًا أريد أن أصبح مثل رونالدو أو أريد أن أراوغ مثل ميسي، بالطبع أنا من هذا الجمهور، ولكن حان وقتي لأصبح أنا النجم، ولكني لم أجد ذلك الأب الروحي.

لقد تدربت مع إنريكي وإيمري وتوخيل والحلم لهم دومًا كان الفوز، أما أنا فعبارة عن رقم عندهم. كانوا يرونني آلة لتحقيق أهدافهم ولكن لم يسألني أحد يومًا عن شيء خاص بي أو حاول التقرب مني، أنا هش أنا ضعيف. كلكم مثلي، ولكن سري مفضوح على العلن.


المختفي

عفوًا، أنا نيمار جونيور هل تتذكروني؟ أنا حاصد الثلاثية مع برشلونة في 2015. أنا جالب أولى ميداليات البرازيل الذهبية لفريق كرة القدم، ولكني في تلك الأثناء شعرت بأنني أكبر مما يعتقدون. تذكرت كيف كانوا يأملون بي عندما كنت في السابعة عشرة والآن لقد حققت الكثير، ولكني لم أصبح كما كنت في الأحلام.

أريد أن أصبح الأول الأفضل والأعلى الأجرًا. أريد أن أصبح الآمر الناهي، أريد أن أكون الكابتن والملهم، أريد كل شيء وأي شيء يجعل الناس تعود للهتاف باسمي والتفكير بي. ربما تكون تلك بداية المشكلة أنني أردت الأضواء فاختفت كلها، الغريب أنني حينما اخترت دور الرجل الأول فشلت، وبامتياز،طرد وإيقاف 4 مباريات في كوبا أمريكا 2015 يتبعها خروج منتخب بلادي. ربما طردت لأنني أحب الأضواء!

قررت بكامل إرادتي ترك مكان راحتي ونجاحي بحثًا عن مكان السيطرة والملك الدائم، فلم أجد سوى الصراع مجددًا ومجددًا والبعد عن الاهتمام شيئًا فشيئًا، فشلي في حصد كأس العالم 2018 زاد الطين بلة لدرجة أنهم حسبوا لي عدد الدقائق التي سقطتها مدعيًا الإصابة على الأرض،وكانت 13 دقيقة. أخبروني لماذا فعلت هذا؟

هل ليعود الناس للحديث عني بأنني القادم لإزاحة ميسي ورونالدو وأنا الذي لم يفز بكرة ذهبية واحدة أم هو أسلوب دفاع نفسي بحت ضد كل ما يحدث أم ماذا؟

في فرنسا كنت ذاهبًا للمال الوفير والسيطرة المطلقة ولعب دور الرجل الأول. لم أجنِ سوى السخرية من مستوى المنافسين والسخرية من مستواي أنا أمام الفرق الكبيرة في دوري الأبطال. بالتدريج أصبحوا لا يتذكرونني، وإن تذكروني هزءوا بي.

المضحك في الأمر أنني حتى لم أحظَ بدور الرجل الأول في فرنسا. فهناك مراهق يدعى إمبابي فاز بكأس العالم وتركني هُنا بعيدًا عنه. معدل إصاباتي زاد منذ انتقلت لباريس وكأن القدر رحيم بحالتي النفسية، وكأنه يعطيني مبررًا لقلة حديث الناس عني وتغنيهم بإمبابي.

أنا نيمار جونيور وأنا الآن حزين ووحيد لا أمتلك سوى مئات الملايين من اليوروهات ولا أعلم ماذا أريد ولا ماذا أفعل سوى أنني سأحاول العودة في الفرصة الأخيرة بالكوبا القادمة.

أنا نيمار جونيور لا تكونوا مثلي، حان دوركم الآن، من أنتم؟