لماذا يضنُّ المعنيون بمسألة تجديد «الخطاب» – أي خطاب، سواء كان دينيًا أو فنيًا أو ثقافيًا أو سياسيًا – بتخصيص جانب من جهدهم للتعرف على اتجاهات الرأي العام والفئات الاجتماعية المختلفة بشأن هذه المسألة، بينما يسرفون في عقد مؤتمرات وندوات، وكتابة بحوث ومقالات، تتحدث أغلبها عن التجديد وضرورته في كثير من بلدان الأمة الإسلامية؟

ولا تكاد هذه الأعمال – على كثرتها – تخرج عن دائرة القول بوجوب التجديد. وفي حالة ما يسمونه «الخطاب الديني»، فهم يؤكدون دومًا أن الإسلام يأمر به ويحض عليه، بينما لا تجد لهم إجابة عن الأسئلة الخاصة بكيفية التجديد، وموضوعاته، والأولويات، وهوية المنوط بهم تولي هذا التجديد، أو أي من الأسئلة المشابهة.

أما عن المسوح والاستبيانات واستطلاعات الرأي الميدانية التي تتناول اتجاهات الجمهور العام بشأن قضية تجديد الخطاب، خاصة «الخطاب الديني» – مع تحفظنا على المصطلح – فهي من قبيل «المضنون به على أهله»، حتى ساعته وتاريخه، بل لعل المنادين بالدعوة إلى التجديد لا يدركون أهميتها.


خطاب دون مُخاطَب؟

إن الجمهور العام المنتظر منه استقبال رسائل التجديد، والتخلي عن الثقافة المتأثرة بالخطاب القديم، والتحلي بثقافة جديدة تنمو في كنف خطاب ديني أو ثقافي أو سياسي أو فني جديد، ليس هذا الجمهور كتلة اجتماعية صماء، ولا هو تكوين ثقافي ومصلحي موحد أو متجانس على مستوى عموم أقطار الأمة، ولا حتى قطر واحد منها، كي يجري تجاهله إلى هذا الحد؛ بل هو مجموعة من التكوينات والفئات الاجتماعية، وتركيبة من المستويات الثقافية والاقتصادية متباينة الرؤى والسلوكيات والتطلعات والمقاصد والمصالح وحتى الأحلام. ليس هذا فحسب، وإنما تنتاب هذه التكوينات تحولات هائلة، تؤثر بالسلب والإيجاب على وعي أعضائها ومصالحهم وميولهم وأعرافهم وعاداتهم واختياراتهم ونظرتهم إلى الحياة.

لكن هذه الوضعية التي تدخل في باب أبجديات العلوم والمعارف بمرجعيتها الإسلامية، لا يكاد يظهر لها أثر في جداليات النخب المتعالية في عزلتها، المنخرطة ليلًا ونهارًا في «الثرثرة» حول تجديد الخطاب الديني، كأن لسان حالها يقول: إن هذا الجمهور العام كم لا كيف له، وإن عليه الاستقبال فقط دون الإرسال، يسمع ويطيع، وإن من الممكن تجديد الوعي دون استئذان أهله وهم حاضرون! هذه واحدة من المفارقات الكبرى في الجدل الدائر والثرثرات المتكاثرة حول التجديد إلى حد تعليق كل المصائب على غيابه، دون أن يتطوع أحد ويقول: هآنذا أنادي بالتجديد، وهاؤم اقرءوا كتابيه فيه ما جددت.

إن إجراء مسوح واستبيانات ميدانية لاتجاهات عموم الجمهور بخصوص تجديد الخطاب الديني -إذا خص بالحديث هنا – لا يقصد منه بالتأكيد استفتاء هذا الجمهور في منهجيات التجديد، ولا في أدواته الأصولية التي لا يتقنها سوى الراسخين في العلم، بل المقصود إبلاغ هذه النخب المتجادلة والمثرثرة حول هذا الوضوع بجواب أسئلة مبدئية: هل يعي جمهور المواطنين، أو أغلبيتهم، الحاجة إلى خطاب ديني جديد؟ وكيف يخلق هذا الشعور إن لم يكن موجودًا؟

إلى جانب أسئلة أخرى تقع في مركز الموضوع، هي: ما ملامح خريطة موضوعات الخطاب الجديد، وقضاياه، كما تتوقعها الفئات الاجتماعية المختلفة المستهدفة بالخطاب الجديد، في المجتمع الواحد، وفي عموم مجتمعات الأمة الإسلامية؟ وهل تساعد وسائل الإعلام ومؤسسات التنشئة والتوجيه، التي يتحكم في أغلبها المثرثرون حول التجديد، على خلق الوعي بهذه الحاجة وأبعادها؟ أم أنها تُغيِّب هذا الوعي وتشتته وتزيفه؟ ثم إذا ثبت وجود هذا الطلب الاجتماعي على التجديد، ما القضايا أو الموضوعات التي يرى السواد الأعظم من كل طبقة أو فئة اجتماعية أولويتها وأحقيتها بالتجديد، كي تستأنس بها نخب التجديد ومؤسساته وهيئاته وتضعها في موضعها الصحيح أثناء عملها؟

إن غياب إجابات مثل هذه التساؤلات يعني نقصًا في «إدراك الواقع» لدى النخب العلمائية المنوط بها التجديد، ناهيك عن المثرثرين الذين لا يعون ما يقولون. لكن إذا توافرت الإجابات ولم يسترشد بها، فمعناه أن الجمهور العام في نظر هذه النخب ليس أكثر من «مادة استعمالية» (بتعبير أستاذنا عبد الوهاب المسيري، رحمه الله)، وما على الجمهور العام إلا استهلاك ما سيجود به السادة المجددون في الموضوعات التي يختارونها، في الوقت الذي يروق لهم، بقطع النظر عن تنوع هذا الجمهور ثقافيًا، أو تعارضه مصلحيًا، أو ثقته أو عدمها في مُنتِج الخطاب الجديد، وبقطع النظر عن مدى استعداده لاستقبال هذا الخطاب الموعود استقبالًا حسنًا، كي يضعه موضع التطبيق ويستبدله بالخطاب الديني المفترض – حسب زعمهم وثرثراتهم – مسئوليته عن جميع البلايا.

لا غنى – بالطبع – عن تحليل رؤى صانعي الخطاب الديني ومنتجيه واتجاهاتهم وقدراتهم، من مفكرين ومؤسسات وتيارات فكرية وثقافية، لكن هذا وحده لن يقدم شيئًا إذا لم تنبنِ جهودهم في جانب أساسي منها على معرفة دقيقة باتجاهات الجمهور العام وسواده الواسع وفئاته النوعية المتعددة بخصوص هذا الخطاب.

إن هذا الجمهور العام هو الجهة المطالبة – كما سلف – بالاستجابة إلى هذا النمط أو ذاك من أنماط الخطاب الديني، مثلما هو خزان «عُمَّال» التغيير المجتمعي والسياسي والإصلاح العام المعلق على «تجديد الخطاب الديني». مرة أخرى، نطرح السؤال: أليس انعدام بحوث الرأي العام الميدانية في هذا الموضوع هو عين «المضنون به على أهله» في تجديد «الخطاب الديني» مثلًا؟ لكن تلك النقطة، على أي حال، ليست بالمفارقة الوحيدة في هذه الإشكالية.


«الخطاب» عند الجمهور العام

المفارقة الكبرى الأخرى، هي أن كلمة «الخطاب» التي يرددها أغلب المنادين والمثرثرين بالتجديد، وفيهم كثير من ذوي الخلفية المعرفية الإسلامية، لا يستعملها الجمهور العام في قاموسه اليومي، وإن فعل فلا يفرق بينها وبين «الخطابة» بمعنى الكلام الإنشائي، أو الوعظي، لا «الخطابة» المعدودة ضمن فنون «الإقناع»، أو ما قد يؤدي إلى الحق أو الباطل على السواء، على نحو ما ذهب ابن أبي الربيع (ت 272هـ/ 885م)، أحد أشهر كتاب الحكمة وخبراء صناعة الخطاب العام في زمنه، في كتابه «سلوك المالك» (2/ 369).

قلما يلتفت الجمهور إلى المعنى أو المغزى الاصطلاحي الأصولي للخطاب. وهذه المفارقة المتعلقة بفقه اللغة (ليس فقه اللغة مرادفًا للفيلولوجيا، بل إن هذا المفهوم الأخير من المفاهيم الدببة للطعن في أصول فهم وإدراك النصوص الإسلامية العليا والنصوص التراثية المبنية عليها) تكمل سابقتها، من حيث تأكيدها على انفصال أغلبية النخب المنادية بالتجديد عن نبض الجمهور، وعجز لغتها المستعملة عن التواصل الفعال معهم. كما تُنبه هذه المفارقة إلى احتمال وجود فجوة هائلة بين ما يهتم به المنادون بالتجديد، الجادون منهم والمثرثرون، وبين ما يهتم به السواد الأعظم من الجمهور وطرقه في التعبير عنه.

قادتني هذه الملاحظة اللغوية إلى الكشف عن مفاجأة من العيار الثقيل، تتجلى فيها المفارقة بين لغة النخبة المتعالية المنفصلة – خاصة لغة المثرثرين – وبين لغة الجمهور العام بأغلبية فئاته وتكويناته الاجتماعية. المفاجأة هي أن وعي الجمهور العام بالقيم الإسلامية العليا، رغم كل مظاهر الوهن البادية في الواقع الراهن، إضافة إلى سلامة حسه العام، ورسوخ إدراكه الذاتي لكيانه وإيمانه الديني، كل هذا قد يجعل تسويق دعاوى التجديد باستعمال كلمة «الخطاب» أمرًا غريبًا عنه، وقد يجعل الاستجابة سلبية، أو بالغة الضعف في أحسن الاحتمالات.

إن حضور لفظة «الخطاب» في كلام النخبة عن التجديد، يحمل أكثرَ من معنى بحكم وجود أكثر من «نخبة» منخرطة في حديث التجديد. فالنخبة ذات المرجعية الشرعية الإسلامية غالبًا ما تعي أو تدرك «الخطاب» بمعناه الأصولي الفقهي، وهو «خطاب الله تعالى المنزل على نبيه، صلى الله عليه وسلم، بطريق الوحي، المتوجه نحو المكلف ليفهمه»، بما في هذا الخطاب من قيم عليا ومقاصد عامة وأوامر ونواه.

أما النخبة المدنية العلمانية، وهي أقلية منعزلة ثقافيًا عن الجمهور العام، أغلب أعضائها من فئة المثرثرين، فغالبًا ما تعي «الخطاب» كترجمة لكلمة: «Discourse»، ومعناها يشير أساسًا إلى أسلوب التواصل بين الناس، بما في هذا الخطاب من رموز ودلالات وسياقات تحفُّ به، بقطع النظر عن مضمون هذا الخطاب، لهذا نرى المثرثرين يهتمون بالسيطرة على وسائل الإعلام ومؤسسات الثقافة والفنون والآداب.

هذا المعنى غامض، يصعب جدًا تبسيطه للجمهور العام، فضلًا عما يثيره من مشكلات وحساسيات كثيرة عند ربطه بدعوى التجديد في المجال الديني، خاصة إذا كان هذا الخطاب راكدًا وسقيمًا كما هو حاصل في المجالات الأخرى، الثقافية والأدبية والسياسية وحتى الفنية ذاتها.

أغلب الظن – إلى أن يثبت العكس – أن المعنى المستقر لكلمة «الخطاب» في الوعي الجمعي للجمهور العام، في عموم مجتمعات الأمة الإسلامية، يحملُ في أقلِّه دلالات إيجابيةً يعبر عنها معناه الاصطلاحي في دوائر الأصوليين والفقهاء، لكنه يحمل في أغلبه دلالات سلبية في سائر السياقات خارج السياق الأصولي، وهذا ما يظهر من سياقات ورود كلمة «خطاب» في القرآن الكريم الذي لا تدانيه في سلطته المرجعية أي خطابات أخرى مهما كان مصدرها.

الخطاب في القرآن يعني المحاججة دون وجه حق، أو الرجاء غير المبرر، أو الكلام المختلط المضطرب؛ قال الله تعالى متحدثًا إلى نوح عليه السلام: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا. إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ (المؤمنون: 27). يوضح السياق أن خطاب نوح كان تعبيرًا عن رجاء ورغبة عاطفية بغير حق، في ألا يعاقب الله هؤلاء بالغرق، لكن الله بين لنوح عليه السلام أن رغبته مرفوضة، وأن عليه ألا يجادل ويخلط ما لا يجوز خلطه، وألا يخاطب الله في هذا الشأن.

في سياقٍ قرآني آخر، يتأكد المعنى السلبي للفظ «الخطاب»، حيث ورد على لسان أحد المتخاصمين عند داوود عليه السلام، إذ قال المتخاصم: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ (ص: 23). ومعنى «عزني»: غلبني ظلمًا بالحجاج والتلبيس.

ثم في موضع قرآني ثالث، يقول الله تعالى في سياق الحديث عن صفات عباد الرحمن: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ (الفرقان: 63)؛ هنا سمى حديث الجاهلين لعباد الرحمن «خطابًا»، لاضطرابه، واختلاط معانيه، لذا طالبهم ربهم باستعمال حديث آخر، وعدم مقابلة الخطاب بالخطاب، وأرشدهم إلى قول «السلام» ليتجنبوهم، لما ينتنج عن الخطاب عادة من شجار وعنف ومخاشنة، أو مضيعة للوقت بالثرثرة في أفضل الأحوال.

يتأكد هذا المعنى السلبي مرة أخرى، في سياق ثناء الله على داوود عليه السلام، حيث قال الله تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ (ص: 20). يعلق الفخر الرازي على هذه الآية في تفسيره قائلًا: فصل الخطاب يعني كون داوود، عليه السلام، قادرًا على التعبير عن كل ما يخطر بالبال، ويحضر في الخيال، بحيث لا يختلط شيء بشيء، وبحيث ينفصل كل مقام عن الآخر. يعنى ذلك قدرته على تهذيب الكلام، بتمييز أجزائه بعضها عن بعض، حتى لا يختلط الحق بالباطل. كما نجد المعنى نفسه – أو يكاد – في سورة النبأ، حيث قال تعالى: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ ۖ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾ (النبأ: 37)؛ أي لن تنفع حيل الناس في المداورة والتمويه بلحن القول وعدم تمييز الجد من الهزل.

تلك المعاني غير الإيجابية، التي تشير إليها كلمة الخطاب في كل سياقات ورودها في القرآن، كما وضحنا، قد تكون من أسباب عدم شيوعها بالمعنى الإيجابي في لغة الجمهور العام. وقد تكون تلك المعاني والسياقات سببا في نفور هذا الجمهور منها، أو تجاهلهم إياها، رغم شيوعها في الكتابات النخبوية المتعالية المنفصلة عن ثقافة المجتمع السائدة. وعليه، لا تعيش صيحة أو زعقة «تجديد الخطاب الديني» إلا في حيز شديد الضيق، بالغ العزلة بالقياس إلى وعي الجمهور العام والسواد الأعظم الذي تشكلت أحاسيسه ووجدانياته في نور معاني الآيات القرآنية ودلالاتها اللغوية.

أيًا كان الأمر، لا يعني ما سبق بالضرورة عدم وعي الجمهور العام بضرورات التجديد بحد ذاته، أو بموضوعاته ذات الأولوية من وجهة نظرهم. ومن ثم، يقتضي إدراك الواقع أن يستوعب المنوط بهم التجديد اتجاهات الجمهور العام بفئاته وتكويناته نحو هذا الموضوع، وألا يضنوا بهذا السؤال على أهله. والله أعلى وأعلم.

مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير.