يمكن أن أقول أن من مكتسبات ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني هو الحديث الذى يتردد فى المجال العام حول مدى مساهمة الجيش فى الاقتصاد المصري، وسواء كنت من المؤيدين أو المعارضين فلا يعد الأمر كون اختلاف فى وجهات النظر حول مدى سلبية أو إيجابية الدور الذى يلعبة الجيش، إذن فالقضية معترف بها من أغلبية القطاعات الشعبية فى مصر وليس فقط فى دوائر الاقتصاد والمهتمين بالعمل السياسى فى مصر.

فى أكتوبر/تشرين الأول 2011 كتب الاقتصادى أحمد السيد النجار مقالا فى الأهرام تحت عنوان: «ماذا يريد الغرب من اقتصاد الجيش فى مصر». في الديباجة الأولى فى المقال يتحدث الاقتصادي الكبير -الذى بالمناسبة أكن له كل احترام- بنبرة السياسي القومي العروبي حول أن الغرب يريد أن يهدم آخر الجيوش العربية القوية بعد هدمه للجيشين الآخرين (العراقى – السورى)؛ وهذا لا يهمنى فى شيئ على الإطلاق، بل ما يهمنى هو كلام الاقتصادي، الذى تحدث فى المقال عن أن تلك الهجمة الشديدة من باحثين غربيين التي يرددها نظرائهم المحليين فى مصر هي بسبب أن اقتصاد الجيش فى مصر يمثل 40% من الاقتصاد المصرى.

صراحة أجد تحفظا آخر على مصطلح اقتصاد الجيش، حيث أننى لا أعرف تماما ما هو المقصود به، هل هو مساهمة الجيش فى الناتج المحلي الإجمالي؟ أم هو الأصول الاقتصادية التى يمتلكها الجيش فى الاقتصاد المصرى. وأجد الرقم أيضا مبالغ فية بدرجة ما، حيث أننا هنا فى مصر لا نملك معلومات دقيقة ولا إحصاءات عن الأنشطة الاقتصادية التى يقوم بها الجيش سواء عسكرية أو مدنية.

نقص المعلومات بالنسبة لى يمنع احتمالية حساب رقم دقيق فى المطلق يوضح دور الجيش فى الاقتصاد، يمكن أن يكون 40% ويمكن أن يكون أعلى أو أقل؛ لا أحد يعرف فى ظل غياب المعلومات.

لكن أيضا الأستاذ أحمد السيد النجار وقع فى نفس الخطأ حينما كتب فى نفس المقال معتمدا على أرقام وإحصاءات قامت بها مؤسسات دولية، منها البنك الدولى، عن الإنفاق العسكري المصري فى 2011، حيث قال أن الإنفاق العسكري المصري -على حد إحصاءات البنك الدولى- لا يتعدى 2% من الناتج المحلى، وهو الرقم القليل جدا بالمقارنة بدول تحيط بمصر فى المحيط الاقليمى مثل إسرائيل، التى يقف إنفاقها العسكرى على حدود 6.5% والمملكة العربية السعودية 10.8%، أو حتى المعدل العالمى 2.6%. وصراحة، لا أعرف منذ متى الإنفاق العسكري فى الدول التى تتمتع بمشاركة للجيش فى الحياة الاقتصادية معبرا عن نصيب تلك المساهمة؟

السؤال الذى يجب أن يطرح أولا قبل استعراض السياق التاريخي لدور الجيش فى الاقتصاد هو: ما المقصود باقتصاد الجيش؟


ما المقصود باقتصاد الجيش

يمكن أن نعرف هذا المفهوم بأنة مساهمة الجيش فى الاقتصاد والتى تبنع من امتلاكه لقطاعين اقتصاديين أحدهما مدني، والآخر عسكري. فالمدني الذي يقوم بالقطاعات التصنيعية والخدمية منها على سبيل المثال (مصانع المواد الغذائية، شبكات الطرق، الفنادق ودور الحفلات والأندية التى تتبع للقوات المسلحة ويسثمرها الجيش للحصول على عائدات استثمارية منها) كما القطاع العسكري والذى يساهم بنسبة ضئيلة فى هذا الاقتصاد والمهتم أساسا بتصنيع أسلحة وذخيرة وقطع غيار لأسلحة يستخدمها الجيش أو يصدر منها لدول أفريقية وعربية.

هناك عامل آخر لا يجب إهمالة فى دولة نامية وهو شبكة العلاقات الاقتصادية والشخصية التي يتمتع بها أفراد المؤسسة العسكرية مع كل من القطاع العام والقطاع الخاص فى مصر، ومدى تأثير شبكة العلاقات الشخصية على المعاملات والصفقات التى يعقدها الجيش مع كلا القطاعين.

بالمناسبة جزء جوهرى فى النظر لاقتصاد الجيش فى مصر -فى نظري- هو التصنيف الذى يقع فيه من القطاعات الاقتصادية المختلفة، بمعنى أن تصنيف اقتصاد الجيش فى مصر على أنه تابع للقطاع العام هو محض إدعاء. ولعلكم تتذكرون فى 2011 حينما دفع الجيش للبنك المركزى مليار دولار لتمويل السوق الدولارية أثناء الانخفاض الذى تلا الثورة، فلا يوجد قطاع عام فى مصر يحتوي على أرصدة دولارية مستقلة عن أرصدة البنك المركزي المصري!

فى الحقيقة فإن نقاط التماس كثيرة فى تلك المنطقة المتعلقة فى أى المساحات يمتد تأثير الجيش على الاقتصاد فى مصر، ولعل الروايات الصحفية والأحاديث اليومية بل وحتى فى أوساط رجال الأعمال حول اللواءات الذين يتم تعيينهم فى مجالس إدارات الشركات فى القطاع العام الخاص، وخاصة مع تصاعد دور لأجهزة سيادية أخرى فى تلك المناطق الرمادية فى الاقتصاد والتي يتعاون فيها القطاع العام مع الخاص مع حصص أخرى لأجهزة سيادية أخرى منها الجيش والمخابرات العامة، ولعل من المعروف أن الشركة الوحيدة لخدمات الإنترنت فى مصر مملوكة بشكل كبير للمخابرات العامة فى مصر.


إذن متى تبدأ القصة

تزامن صعود الدور الاقتصادي للجيش مع تقليل الإنفاق العسكرى والذى أعقب اتفاق كامب ديفيد، ومن المثير للدهشة أن تصاعد الدور الاقتصادى للجيش تزامن مع صعود القطاع الخاص فى مصر ليحتل نجمة صدارة العمليات الاقتصادية فى مصر فيما سمى عهد الانفتاح.

فى 1979، أنشا الجيش جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، التى كان الهدف الأساسي من إنشائها هو توفير الاحتياجات من السلع الاستهلاكية خاصة الغذائية منها للجيش، خاصة أن الجيش المصرى كبير العدد نسبيا حيث يمتلك نصف مليون فرد بالإضافة للمجندين سنويا.

أنشأ جهاز مشروعات الخدمة الوطنية بعد ذلك عددا من الشركات التابعة بصورة مباشرة له وللجيش بالطبع ولا يتم الكشف عن معلومات عنها إلا بقدر ما تكتبه بعض التحقيقات الصحفية التى ظهر معظمها بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني.

بالإضافة للجهاز السابق، يمتلك الجيش المصرى مباشرة جزءا كبيرا من أسهم الهيئة العربية للتصنيع والتى أنشأتها مصر والسعودية وقطر فى 1975 لتوفير صناعة دفاعية للمنطقة العربية ضد الكيان الصهيونى واستحوذ على إدارتها الجيش بعد ذلك، كما تساهم الهيئة الهندسية للقوات المسلحة في مشروعات قومية كبيرة مثل قناة السويس وغيرها.


أسئلة حول الشفافية

من الطبيعى فى أى اقتصاد فى العالم أن يكون السوق قائما على معلومات دقيقة حول أنشطة كل الشركات العاملة به وهو ما يتيح قدرا لا بأس به من الشفافية التى تساعد فى جذب الاستثمار الأجنبي أو يوفر مناخًا عادلًا حتى للاستثمار المحلي.

تعاني الدول التى يكون للجيش دور اقتصادي فيها من تلك المشكلة على اختلاف درجاتها. فمثلا باكستان، النموذج الأقرب للاقتصاد المصري، هى مناخ غير جاذب للاستثمار بسبب تلك المشكلة.

وتقع الصين أيضا فى تلك المشكلة إلا أن الرأسمالية الإنتاجية فيها كبيرة جدا حيث من الممكن لها أن تحتوي أو تهمش نوعا ما دور الجيش فى الصناعات المدنية. ورغم عدم وجود الشفافية فيما يتعلق بالأنشطة الاقتصادية للجيش الصينى، إلا أن المناخ العام جاذب للاستثمار المحلي والأجنبي بفضل ارتفاع معدلات الإدخار المحلية والفرص الذهبية للاستثمارات الأجنبية فى الدولة ذات الموارد الطبيعية والبشرية الضخمة.

إذن فالسؤال حول الشفافية فى المعلومات المتوفرة فى السوق يكون مطروحا بدرجة أكبر فى حالات الرأسماليات الفقيرة أو ما يمكن تسميته بالرأسمالية الريعية.


المزاحمة مع القطاعين العام والخاص

فيما بعد 30 يونيو/حزيران، تزايد دور الجيش بشكل كبير فى الاقتصاد المدني للدولة، حيث قامت الحكومة بإعطاء مشروعات بالأمر المباشر أو المناقصات التي سبق تدبيرها للهيئة الهندسية للقوات المسلحة والشركات الأخرى التابعة للجيش.

منحت وزارات الصحة والنقل والإسكان والشباب وزارة الدفاع المصرية عقوداً عدة تزيد قيمتها عن مليار دولار لتنفيذ مشاريع بنية تحتية كبيرة. وتتراوح هذه المشاريع بين بناء الطرق السريعة الجديدة، وإسكان لذوي الدخل المنخفض، وترميم وتجديد بعض المستشفيات العامة ومراكز الشباب.

وقد برّر مجلس الوزراء المصري تفضيله القوات المسلحة على الشركات الخاصة لتنفيذ هذه المشاريع على أساس كفاءة الجيش وانضباطه في تنفيذ المشاريع بسرعة ومعايير عالية.

سؤال المزاحمة هذا خطير فى أى اقتصاد نامي فى العالم، فهو يدفع النمو الاقتصادي دائما ليتجه نحو الركود لما له من تأثير على تراجع الفرص الاستثمارية للقطاعين العام والخاص والذى يشكلان الدافع لنمو أى اقتصاد.

للتبسيط، مثلا حينما يقوم القطاع العام أو الخاص بالعمل على أى مشروع كان، فهذا يعنى أيادٍ عاملة يتم إدماجها فى الاقتصاد، ومعدلات بطالة تقل، وتحقيق تراكم رأسمالى سواء فى يد الدولة أو القطاع الخاص، وهو ما يدفع النمو الاقتصادى للأمام حتى لو كان هذا النمو قطاعيا ويقتصر على قطاعات معينة معظمها خدمية؛ فهو فى النهاية نمو اقتصادي بتراكم رأسمالي محسوس.

لكن حينما يُعطى ذلك للجيش الذى يمتلك عمالة من الجنود، فهذا لا يقلل بطالة ولا يحقق أية تراكم رأسمالى على الإطلاق؛ بل يحقق مصالح للمؤسسة العسكرية ويرسخ فى اكتسابها مساحات سياسية أكثر من تلك المضمونة لها.


السُخرة المقننة

يمتلك الجيش سنويا ما يقارب المليون يد عاملة جديدة تضاف لتعداده الأساسي، عن طريق قانون الخدمة العسكرية الإلزامي.

لا يمكن على أى حال من الأحوال الحديث عن ظروف العمل التى يوفرها الجيش لهؤلاء المجندين، ولا على المجهود البدني والنفسي الذي يبذله هؤلاء فى بناء طرق وكبارى وبنية تحتية يكون الرابح منها هو القيادة العسكرية، وليس طرف آخر فى الدولة.

لذلك فكون الجيش يمتلك امبراطورية اقتصادية، وأقصد هنا أرباح خيالية فعلا، هو بفعل أنه لا يدفع مقابلا لتلك الأيدى العاملة، بل ويستثمر ذلك الربح فى مشروعات أخرى بنفس شروط الاكتتاب العام من الدولة.

وتجدر الإشارة هنا لقرار السيسي بالسماح للقوات المسلحة بإنشاء شركات مساهمة مع شركاء أجانب؛ وهو ما طبق لاحقا فى اتفاق بين الهيئة الهندسية ومجموعة مستثمرين إماراتيين فى عدة مشروعات لإنشاء وحدات سكنية، وطرق فى العاصمة الإدارية الجديدة.


ريع الأرض وخطة السيادة الوطنية

القوات المسلحة المصرية تمتلك حقًا حصريًا فى تقسيم أراضى دولة بها 94% من الأراضى الصحرواية المملوكة للدولة، حيث تتمتع القوات المسلحة بنفوذ شديد فى وزارات الإسكان والتعمير، والزراعة وغيرها من أجهزة الدولة المسئولة عن تلك الأراضى، يضاف لكل ذلك نشاط المؤسسة العسكرية في الأراضي.

للقوات المسلحة، قانوناً، حق وضع اليد على أية أراضي مملوكة للدولة «تنفيذًا لخطة الدفاع عن الدولة»، لكن تستخدم قيادات الجيش هذا الحق لاستخدام الأراضي العامة في أغراض تجارية بغرض التربح وليس في أغراض أمنية. هناك جهاز كامل اسمه «جهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة» مختص -كما يقترح مسماه- بانشاء مشروعات على الأراضي الخاصة بالقوات المسلحة.

ومن ضمن ما يمتلكه هذا الجهاز، أراضي بمدينة نصر يبني عليها وحدات سكنية، وفي الساحل الشمالي يبني عليها قرى سياحية وفنادق من مثل قرية سيدي كرير. والمتابع لإعلانات بيع أراضي الساحل الشمالي في الصحف يجد أن القوات المسلحة تقوم ببيع تجاري لمساحات شاسعة تابعة لها لأجل بناء منتجعات سياحية ومنازل..إلخ.

فى النهاية، يمكن إجمال ما سبق فى أن للجيش فعلا دورا كبيرا فى الاقتصاد الوطنى المصرى لكن لا يمكن على وجة الدقة وضع رقم لتلك السيطرة الفعلية، والتى يلمسها كل من هو قريب من دوائر الاقتصاد فى هذا البلد.

هناك منظومة متكاملة من العلاقات داخل مؤسسات الدولة بل وقد تمتد للقطاع الخاص أيضا من مصلحتها غياب المعلومات عن أنشطة الجيش الاقتصادية ومقدار الأرباح التى يحققها وأين تذهب تلك الأرباح؟! وليس فقط المتورط هو المؤسسة العسكرية بل أجهزة أخرى فى الدولة، بالإضافة للسخرة المقننة للمجندين فى القوات المسلحة، والريع القانوني لاستغلال أراضى الدولة.

مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير.