في ظل ما يشهده شرق آسيا من تطورات وأحداث ألهبت المشهدين الإقليمي والدولي، تبرز أهمية تسليط الضوء على أبعاد الدور الصيني في الأزمة الراهنة بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، لاسيما بعد تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للصين بتجاوزها تمامًا إن لم تتجاوب معه وتكبح جماح حليفتها النووية، إذ تعمل بكين كـ «رمانة ميزان» بين الطرفين، وتدير الأزمة بما يخدم مصالحها المشتركة مع طرفي النزاع.

الولايات المتحدة تعلم صعوبة اتخاذ أي إجراء حيال كوريا الشمالية بدون مساعدة الصين، ولذلك تراوح بين أساليب الترغيب والترهيب لحثها على التعاطي بإيجابية مع الأزمة،حيث قالت السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة،نيكي هالي، إن الدولة الوحيدة التي تستطيع إيقاف كوريا الشمالية هي الصين، مُبينة أن بلادها ستواصل الضغط عليها لكي تتحرك.

ولعل ملف كوريا الشمالية قد تصدر المباحثات التي جمعت بين ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ، في منتجع مار إيه لاغو بولاية فلوريدا في السابع من الشهر الجاري أبريل/نيسان، حيث أكد الجانبان ضرورة نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية [1].

وأبى ترامب إلا أن يضفي على اللقاء لمسته الخاصة؛ إذ ذهب ليصدر أوامره بالضربة الصاروخية المفاجئة لمطار الشعيرات السوري، وعاد ليجلس بجوار ضيفه على العشاء ليخبره بنفسه بما حدث، في إشارة ضمنية تحمل دلالة واضحة على أنه جاد في تهديداته بخلاف سلفه أوباما الذي يتهمه ترامب بالتراخي وعدم الحسم.


عنصر المفاجأة: سلاح ترامب في وجه العالم

http://gty.im/665457970

وعلق الجنرال المتقاعد جاك كين، نائب رئيس هيئة أركان الجيش الأمريكي السابق، على تصرف ترامب قائلًا: «إنه يفعل ما يقوله، إنه يرسل رسالة إلى الصينيين، يريد أن يقول للصين اسمعوا جيدا، إن الكوريين الشماليين يريدون أن يفرطوا في الصواريخ الباليستية، ويستخدموها ضد بلدي وشعبي، لذا من فضلكم لا تدفعوا بي إلى حافة الزاوية حيث سأكون مضطرًا إلى التعامل بهذا الشكل، وأستخدم الخيار العسكري»[2].

لكن كوريا الشمالية أدانت الضربة الأمريكية ووصفتها بأنها «عمل عدواني لا يغتفر»، وقالت وزارة خارجيتها في معرض تعليقها على برنامجها الأخير لاختبار الصواريخ: «إن واقع اليوم يثبت صحة قرارنا بتعزيز قوتنا العسكرية، للوقوف ضد القوة بالقوة، وأنه الخيار الصحيح مئات المرات»، إذ إن بيونج يانج تعتبر أن الأسلحة النووية هي الضمان الوحيد لبقائها، وتتبع في ذلك «النظرية الواقعية» في السياسة الدولية بحذافيرها؛ والتي تقول إنه لا شيء يضمن السلم والأمن الدوليين سوى تكديس السلاح، حيث تخشى أي دولة مهما بلغت قوتها أن تهاجم دولة أخرى لخشيتها من رد الفعل العنيف على هجومها، لذلك تمضي في تجاربها النووية المستفزة ولا تبالي بالتهديدات الأمريكية طالما أنها تملك ما تدافع به عن نفسها.

وكانت بيونج يانج أوقفت برنامجها النووي لفترة طويلة وحصلت في مقابل ذلك على مساعدات أمريكية سخية، إلى أن بدأت التحضيرات لغزو العراق في 2003، وعندها استغل الكوريون الفرصة وطردوا المفتشين الدوليين، وانسحبوا من معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، ومضوا في تطوير برنامجهم النووي، مستغلين تورط الأمريكان في العراق وأفغانستان، وأجروا أول اختبار نووي عام 2006، تبعته 4 تفجيرات أخرى كان آخرها في سبتمبر/أيلول الماضي، والذي أعلنوا بعده أن التجربة أثبتت قدرتهم على تركيب الرءوس الحربية النووية على صواريخ.

وتأتي التوترات الأخيرة وسط ترقب دولي لقيام كوريا الشمالية بتجربة نووية جديدة هذه الأيام، حيث أعلن نائب وزير الخارجية، هان سونغ ريول، في مقابلة مع وكالة أسوشيتد برس، أن بلاده لا تستبعد إجراء تجربة نووية جديدة، وتحذر الولايات المتحدة الأمريكية من التصعيد العسكري ضدها، قائلًا إن «إجراء تجربة نووية جديدة مسألة تقررها القيادة فى كوريا الشمالية»، و«سوف تتم التجربة في الوقت والمكان اللذين تراهما القيادة مناسبين»[3]، وزاد قائلًا «سوف ندخل الحرب إذا أرادوا ذلك».

وتناقلت وسائل الإعلام أنباء عن إصدار زعيم كوريا الشمالية، كيم يونج أون، الأربعاء الماضي، قرارًا بإخلاء 6000 مواطن من العاصمة بيونج يانج [4]، فيما فُسر بأنه ضمن استعدادات لخوض الحرب.

وعلى إثر ذلك بدأت الاستعدادات العسكرية في اليابان وكوريا الجنوبية، لمواجهة أسوأ السيناريوهات المتوقعة، في حين ظلت الصين تدعو الجميع للتهدئة وتشدد على خطأ اللجوء للقوة لحسم الصراعات، وبدأت تمارس ضغوطًا على النظام الشمالي، لوقف برنامجه النووي، ووعدته بأنها ستعمل جاهدة على حمايته ودعمه في مقابل ذلك [5]، وفي الوقت نفسه تمارس ضغوطًا لدفع الولايات المتحدة للتخلي عن نشر منظومة صواريخ ثاد بكوريا الجنوبية، والتي تمثل تهديدًا ليس لـ «بيونج يانج» وحدها بل للصين أيضًا.


علاقة خاصة

تجدر الإشارة إلى أن العلاقة بين الصين وكورياالشمالية فريدة من نوعها؛ فالأخيرة ليس لها أي حلفاء سوى الصين – وكفى بها حليفًا – إذ تتكفل بتوفير كل أشكال الدعم لها وهي الدولة الوحيدةالتي تملك مفاتيح التعامل معها، لذلك تحرص أشد الحرص على بقاء الوضع الحالي في شبه الجزيرة الكورية على ما هو عليه.

وكان الصينيون قد دخلوا في الخمسينيات حربًا مستترة لدعم الحكومة الشيوعية في كوريا الشمالية ضد جارتها الجنوبية المدعومة أمريكيًا، فقدت فيها الصين الآلاف من شبابها من بينهم نجل الرئيس الصيني وقتئذ، ماو تسي تونج، واستمرت الحرب لثلاث سنوات وانتهت عام 1953، على مبدأ لا غالب ولا مغلوب، وتكفلت الولايات الأمريكية منذ ذلك الحين بعبء الدفاع عن كوريا الجنوبية، التي ما تزال في حالة حرب مع الشمال بسبب عدم توقيع معاهدة سلام بينهما إلى الآن.

لكن الصين اليوم تقف بجوار بيونج يانج، من أجل دعم مصالحها القومية وليس وفاءً للروابط الأيديولوجية التي لم يعد لها نفس الأهمية التي كانت في السابق، إذ توفر كوريا الشمالية منطقة عازلة تفصل بينها وبين الاحتكاك المباشر مع الجنوب الذي ينتشر على أراضيه حوالي 30 ألف جندي أمريكي، بما يتيح للصين الاسترخاء وتقليص وجودها العسكري على حدودها من هذه الجهة والتفرّغ لمناطق أخرى.

وترى بكين في نظام كوريا الشمالية عامل توازن مهم في مواجهة حلفاء الولايات المتحدة كاليابان، وكوريا الجنوبية، وتايوان.

كما تخشى بكين أن يؤدي انهيار النظام الكوري الشمالي إلى تعزيز النفوذ الأمريكي بشرق آسيا، في سيناريو مشابه لواقعة سقوط جدار برلين وتوحيد ألمانيا، إذ ستصبح شبه الجزيرة الكورية بأكملها منطقة نفوذ أمريكية، مما سيحد من النفوذ الصيني بالمنطقة، لذا تعمل على دعم هذا النظام.

لكنها في الوقت نفسه لا تشجع التصرفات الهوجاء للزعيم الكوري الشاب، كيم جونغ أون، خوفًا من أن تؤدي إلى تفجر سباق تسلح نووي من قبل اليابان وكوريا الجنوبية اللتين تملكان التكنولوجيا النووية بالفعل، لاسيما بعد وصول ترامب للبيت الأبيض، وتبنيه رؤية «أمريكا أولًا»، وكلامه غير الواضح عن بناء تحالفات جديدة، وحديثه عن ضرورة تحمل حلفاء الولايات المتحدة عبء حماية أنفسهم بشكل أكبر، في الوقت الذي تتنامى فيه نزعة العسكرة في اليابان بشكل غير مسبوق منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كاستجابة طبيعية للتهديدات الإقليمية المتصاعدة.

وتجيد الصين اللعب بالورقة الكورية الشمالية التي يمكنها عن طريقها مقايضة عدد من الملفات مع الولايات المتحدة، إذ تفرض الأزمة الحالية ضغوطًا قوية على الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، تجبره على تحسين العلاقات الثنائية مع الصين، بعد شعوره بحاجته إليها للجم حركة جارها المتهور.

فقد أطمع ترامب الصينيين في التعامل معهم بمرونة غير متوقعة في المحادثات التجارية القادمة وعدد من الملفات الأخرى، إذا أبدوا استعدادهم للضغط على بيونج يانج، وأشاد في مقابلة مع صحيفة «وول ستريت جورنال»، باجتماعاته الأخيرة مع نظيره الصينى شي جين بينج باعتبارها قد تفتح طريقًا جديدًا نحو التعاون مع بكين، لتقييد نظام زعيم كوريا الشمالية كيم جونج أون [6].

المراجع
  1. وزير الخارجية الصيني: شي وترامب يقران المنهج الايجابي للعلاقات الصينية-الأمريكية
  2. كيف أخبر ترمب رئيس الصين عن الضربة خلال العشاء؟
  3. وزير خارجية كوريا الشمالية: سنجرى تجربة نووية فى الزمان والمكان المناسبين
  4. زعيم كوريا الشمالية يأمر بإخلاء العاصمة بيونج يانج من المواطنين فوراً!
  5. الصين تفرض ضغوطًا على كوريا الشمالية
  6. أمريكا: تجربة كوريا الشمالية تشكل ضغوطا على ترامب لتحسين علاقته بالصين