تقديم

انتهيت من كتابة هذه الرواية في أغسطس من عام 2000، وتخلّيت عن نشرها لأسباب شخصية. كانت فترة اضطراب وحيرة وعدم قدرة على الرؤية بوضوح. بعد أن سلّمتها إلى ناشري في ذلك الوقت الأستاذ «حسني سليمان» صاحب «دار شرقيات»، وأجرى عليها التحرير اللازم، طلبت منه أن نوقف النشر. بمرور الوقت نسيتها، واعتبرتها غير موجودة، واندفعت في كتابة «قرية منسية»، هذا النص الذي ساعدني على التبصر بمعنى مختلف للكتابة وفتح أمامي زوايا للنظر مختلفة عمّا اعتدته.

بعد ذلك كتبت رواية «حياة مستقرة» عام 2004، واستمر الانشغال بموضوعات وأجواء جديدة، فتراكم النسيان على هذه الرواية حتى أنني لم أعد أذكرها أو أعدها عملًا من أعمالي.

ضاعت النسخة الورقية التي حرّرها «حسني سليمان» وتناثرت ملفات الرواية في غابة من النصوص القديمة المُهملة على جهاز الكمبيوتر القديم، وحين نقلت الملفات من جهاز كمبيوتر إلى آخر، ومن لابتوب إلى لابتوب آخر، ضاع أثرها تمامًا.

في عام 2016 بُعثت هذه الرواية مرة أخرى. في حديث مع السيدة «كرم يوسف» ناشرتي وصاحبة «دار الكتب خان» عن أعمالي السابقة، تذكرت تلك الرواية وحكيت لها قصتها، فطلبت أن تقرأها.

جمعت الملفات من أماكن مختلفة وأرسلتها إليها، وعلى سبيل الدعابة قلت لها: هذه الرواية لا تُنشر إلا بعد موتي، مصحوبة بالتعبير الصحفي الشائع: «عُثر في أوراق الكاتب الفلاني عن رواية لم تنشر»، ولكن الأمر أصبح جادًا عندما قرأت «كرم يوسف» الرواية وأشادت بها. تشجّعت وعرضتها على بعض الأصدقاء، فبدت لهم قابلة للقراءة، بعد مرور تلك الفترة الزمنية الطويلة.

يبدو أن الأوان قد آن لنشر هذا العمل مُسلسلًا على موقع «إضاءات»، رغم ترددي في البداية؛ فالأعمال المُهمَلة أو التي فشل الكاتب في إنهائها ليست خاملة، بل تتسلل أجواؤها وعوالمها وأحيانًا بعض شخصياتها لتسكن أعماله التالية، وعندما أعدت قراءتها استعدادًا لنشرها، رأيت كيف أن هذا العمل هو البذرة التي نبتت منها روايتا «حياة مستقرة» عام 2004 و«صوت الغراب» عام 2017، وإن كان المرء يمكن أن يُحجِم عن نشر هذا العمل لهذا السبب فإنه لنفس السبب أيضًا يمكن أن يُقدِم على النشر؛ لأن الروايات الثلاث تشكل جملة واحدة محكية ثلاث مرات، بطرق مختلفة وموضوعات مختلفة وبناء فني مختلف.

أظن أن نشر هذه الرواية قد يلقي الضوء على الروايات الأخرى، كما أن الروايات الأخرى يمكن أن تُلقي الضوء على هذا العمل، ولو امتلكت الإمكانيات لنشرتهم في مجلد واحد.

في النهاية لا بد من التأكيد بأنها عمل يحمل طابع زمنه ووقت كتابته ومشاغل كاتبه وقتها، ومن باب الواجب، فلا بد أن تُهدى إلى الباحث السكندري والصديق العزيز «عبد العزيز السباعي»، فهي ثمرة من ثمار حكاياته.

17 أغسطس/آب 2021

القسم الأول: «ما وراء المرايا»

(1)

أصبحت صورتي ماضيًا، وأنا أحاول أن أضع الحقيبة بجوار الأقدام النحيلة لكراسي الصالون، مُركزًا انتباهي على إيقاف رعشة أصابعي وخلق ثبات أجعله مرآة تعكس هدوئي. كان عليّ أن أصنع مرآة وصورة زائفة معكوسة عليها. كم كان أمرًا قاسيًا! لكن ذلك كله أصبح ماضيًا، بما فيه صوتي الهادئ وإنصاتي الصبور لصاحبة المنزل؛ السيدة العجوز ذات النظّارات، التي عملت في إدارة المدارس لفترة طويلة.

تذهلني أحيانًا السرعة التي تتحول بها الحياة إلى صور؛ تصبح اللحظة ماضيًا بمجرد أن نخلع أنفسنا منها، وكأننا نرفع أقدامنا عن طريق فيتلاشى، كي يستعيد نفسه أكثر حيوية في أذهاننا. أحيانًا أفكر أن الشخص الذي تخطى عتبة هذه الشقة منذ عدة أسابيع، أو ما لا أدري من الوقت، أصبح صورة في ذهني، مثلما أصبحت «منار» و«نفيسة» و«محمد» و«حسين». كل شيء تلاشى، لكنه ما زال ثقيلًا؛ عبئًا يأتي إليك ومن خلاله ترى الحياة.

تحملت ثرثرة السيدة ذات الشعر الأبيض، عن سنوات التعليم وأجيال البنات التي تخرّجت من تحت يديها، واعتبرت ثرثرتها غطاءً لروحي التي تهفو إلى الاختباء. لكنني، حتى الآن، ما زلت أرى شعرها الأبيض المقصوص حتى نهاية الرأس، وعينيها البارقتين خلف النظارة السميكة، وأنا أعطيها أجر ستة أشهر مقدمًا، وما زال البريق الذي ومض في عينيها وهي تُتمتم لنفسها بطريقة آلية ودهشة: «ستة شهور؟» يثير مخاوفي، حتى بعد مرور وقت طويل على إقامتي في الشقة. تحديقها فيّ للحظات، بدا ثقيلًا مستغرقًا، وخطر لي أنها تعرّفت على خوفي، وكشفت يدي الملوثتين بالدم، وعرفت أنني لن أكون حرًا مهما حاولت.

قالت وهي تمد يدها وتأخذ النقود الموضوعة فوق المنضدة التي تفصلنا:

– «على راحتك».

بأثر الخوف، وبرغبة في أن أطرد أي شكوك لاحت لها، قلت:

– ربما أسافر أو أنشغل.

قالت:

– لا تشغل بالك، لي نظرة في الناس.

أعطتني كلماتها الواثقة مُبررًا للطمأنينة، وقلت في نفسي وأنا أنزل على السلم، بعدما تسلّمت مفتاح الشقة، إن ثلاثة أشهر كافية للعثور عليّ وإيداعي السجن، ولما لم أستطع أبدًا أن أواجه السؤال عن السبب الذي يدفعني إلى الهروب من جريمتي، تركت الأمور تجري في أعنتها.

السكن في شقة بالطابق السابع، وسط شوارع لا أعرفها، أعطاني إحساسًا بالخلاص، وكأنما وجدت ملاذي. استعدت إحساسي القديم عندما كنت أختبئ في الدواليب. كنت أبقى هناك فترات طويلة، مُمعنًا في الاختباء، مُتوهمًا أن فشلهم في العثور عليّ، يعني أنني تخلّصت منهم، ومن البيت، وأصبحت غير موجود، كان الصمت هو اللا وجود.

في مواجهة الباب كانت هناك نافذة تطل على خط فرعي للسكة الحديد، شاهدت أول القطارات بلونه الباهت وسطحه المُغبرّ، والأذرع المطلة من النوافذ، وعرفت أن عزلتي لن تصبح كاملة أبدًا، لكني أهملت مخاوفي. كلما كانت الصعوبات قوية كان الوصول أكيدًا. أفرغت أشيائي في الدولاب، ورتبت الأمور التي تحفظ حياتي من الفناء، بدقة وتقشف. كان عليّ أن أحافظ على المصروفات في الحدود الدنيا، وأتجنب نهائيًا شرب الخمر، وفي الأساس لم أكن أريد لعقلي أن يتحول إلى متاهة من الانتظار.

في الصباح تلمع الشمس فوق القضبان النائمة، ويبدو الناس صغارًا وهم يتحركون متثاقلين، أو فوق درّاجات، أو في سيارات الأجرة، وتبدو لي البيوت بعيدة، عمارات شبحية، أثناء شروق الشمس وغروبها، وفي الأيام المُضببة تلّفها غلالة من الضوء مثل تلك الغلالة التي كانت تلف التلال البعيدة أثناء عملي في الصحراء. أبقى فترات طويلة أركز نظري على النوافذ البعيدة حتى أتهالك مُتعبًا، فأتمدد على مقعد في الصالة مُغمَض العينين.

في الظلام الذي تكتسي به أفكاري، اكتشفت الماضي باعتباره أساس الحياة، وبدأت أعرف أنني أتحرك باتجاه العدم، كل ما حدث لي أصبح ماضيًا، وربما أكون ماضيًا في الوقت الذي أفكر فيه.

كثيرًا ما تأتي الفكرة مصحوبة بضدها وهكذا كنت أصنع جحيمي، ففي ضوء صورة أبي، بدت أفكاري عن البشر الذين يتحولون إلى صور ذهنية هراءً. وفي ضوء أفكاري عن الماضي، بدت الأيام التي رفض فيها أبي رؤيتي بعد خروجي من السجن كأنها أبدٌ، لا تتحول أبدًا إلى ماضٍ. وظل رفضه لي، حملًا ثقيلًا رغم مُضيه، وأدهشني الظل الأسود الذي يرتمي في قلبي كلما تذكرت مرضه وباب غرفته المغلق. أحيانًا وبغير انتظار أسمعه يقول لعمتي بصوت واهن:

– أليس شيوعيًا؟ أليس كافرًا؟

ظل ثابتًا على موقفه حتى موته، رغم المحاولات التي بذلتها عمتي وأخي «محمد» لإقناعه بأن الشيوعيين ليسوا كفرة، لم يستطع أن يتحمل -هو الأزهري الذي تشهد إدارة المعاهد الأزهرية بشياخته لأكثر معاهدها تسيبًا- أنه أنجب من صلبه ولدًا كافرًا، لم يرَ غير خوفه من هذا الشبح الأسود الذي خرج منه، وطاردته فكرته وهو يتوضأ، أو يصلي أو يتحدث، وحسب حكايات عمتي كان يصمت أحيانًا وتصبح عيناه مُندّاة بغلالة من البلل، لا يعرفون فيم يفكر، وفي أيامه الأخيرة رغم آلام السرطان كان ينتهز بعض الوقت ليقرأ القرآن.

في الأيام الأولى بدأت أخاف رغبتي في شرب الخمر، لكن بعد مرور عدة أيام، عرفت أنني سأتحمل عزلتي للنهاية. قضيت ساعات طويلة أحدق في السماء، حتى أُنهك جسدي. كانت الصور والحياة الماضية تعود واضحة، لم أبذل جهدًا في توضيحها، بل راحت -وكأنما بنداء داخلي- تتمهّل في ذهني لا تود أن تفارقه.

أعانتني بعض ألعاب الطفولة في الخلاص من الخمر حتى الآن، أو هكذا أظن. تركت الظمأ ينتشر في جسدي، مثلما كنت أترك نفسي للدغ الناموس وأنا جالس وحدي في الشرفة. يكون الألم قويًا في البداية ثم يتحرك في دوامات من وجع مشحون بالضوء، كأنه سلك من الكهرباء، ويقول المرء في كل لحظة: عليّ أن أرفع يدي وأقتل الناموسة، لكن بإيحاء من خيالي المريض، كنت أتابع دوامات الألم، تنتشر في جسدي. تتحول إلى صورة بصرية من الوجع. تنقبض الأنسجة، لكنها أمام استمرار تدفق الألم تصل إلى أقصى قدرة على التحمل، وتأتي الأفكار الهروبية في أسراب، لتُنير ظلمة الألم.

تسخر أفكارك من لعبتك العبثية، وتتحول إلى صوت له سلطة عليك، يأمرك بأن تقوم وتقتل الناموسة. لكن إذا تحملت السخرية فإن رغبتك في الخلاص من الألم سوف تأخذ أشكالًا أخرى؛ وستُغيِّر نبرتها وتصبح لها شكل التأملات الوجودية: ما أهمية أن يظل المرء هكذا مستسلمًا للدغات؟ ما معنى ذلك بالنسبة لاتساع الحياة؟

لن يختفي الصوت الساخر نهائيًا، إذ سيعود في ذيل التأملات قائلًا: هل انتهى العالم حتى تناضل ضد ناموسة؟ لكن المرء إذا أوصد بابه أمام أفكار الهروب وتحمل كل ذلك، فإن الألم سيتحول في النهاية إلى جزء من الجسد، أو أن الجسد سيتحول إلى ألم؛ وسوف يتلاشى الانفصال بينهما، وعندما تُحرِّك يدك، في النهاية، لتقتل الناموسة أو تهشها، أو لتكتشف، بدهشة، أنها غير موجودة، يكون الألم قد غادرك لأنه قد أصبح جزءًا منك.

قضيت زمنًا لا أعرف مقداره، في متابعة إبر تنغرس في جسدي. أنام على المقعد وأتحرك في الشقة بتثاقل، وأشعر بالبكاء؛ طاقة هائلة؛ رمل صغير تسفه ريح باطنية، لكنه لا يقوى على الوصول إلى عيني. ربما عذّبتني رغبتي في البكاء أكثر من رغبتي في الشرب. واكتشفت أنني لم أبكِ أبدًا، أو لا أتذكر وقائع البكاء في حياتي، كأنما ضمُرت تلك الغدد بمرور الوقت. وفي بعض الأحيان كنت على وشك أن أفقد توازني وأذهب لشراء زجاجة، لكن قوة خفية منعتني من ذلك، وظلّت تلوح لي بذلك السلام الذي سيعقب الخلاص من نفسي.

عندما أصبحت قادرًا على تحمل إغراء الخمر، بدأت أنزل إلى الشارع مرة في الأسبوع. وكلما عدت، كنت أجري إلى مرآة غرفة النوم أو الحمام، أحدق في وجهي. أتخيل المشاهد التي مرت بي في الطريق، حتى شكّلتْ المرايا، حدًا يحرمني من بلوغ الخلاء، ويحبس صورتي من الضياع.

لو استمرت صورتي ترتد إليّ، فإنني لا محالة سأواجه مصيرًا تعسًا. سوف تقوم جثة «حسين الديب» من موتها، تُحاكمني وتدفعني إلى الحديث عن حياتي التي دمّرتها، وستطالبني «نفيسة» بعمرها الضائع، وأبي سوف يقوم من قبره ليسألني: هل تؤمن بالله؟ وأخي «محمد» الذي يبحث عني الآن ليتمكن من بيع البيت والحصول على الثروة، سوف يقف في مواجهتي ويقول: «زبالة الزبالة أصبحوا أصحاب ملايين ونحن نملك ما يؤهلنا». العمة ماتت وأنا قتلت «حسين»، ولم أعد هناك، فكيف سيبيع البيت؟ عليّ أن أتخلص من الصعوبات التي تُلقي بنفسها في طريقي حتى أستطيع التخلص من نفسي. وإذا كانت المرآة تمنعني من الوصول إلى هدفي، وترد إليّ صورتي، فإنها أمر بسيط، عليّ الخلاص منه.

تحطيم المرايا لم يكن بالأمر السهل، كما ظننت، فقد بدا لي وكأنه إقدام على القتل مرة أخرى، ورأيت الرعب يتصاعد كالأبخرة، له نفس الانطباع الذي شعرت به عندما فكرت في قتل «حسين الديب».

المرآة رمز وطقس شديد الالتصاق بوجودنا؛ عضو من أعضاء الجسد. لكني سأعيش في قلق دائم إذا احتفظت بها. ستُقرِّبني على الدوام من صورتي التي أعرفها، من حياتي التي هجرتها. وتجسدت المرايا كعقبة تمنعني من الضياع. تحجزني عن التحول إلى فراغ؛ «إيزيس» التي تجمع أشلاءنا طول الوقت. تجسّدت كعقبة وحيدة، أو صوّر لي خيالي أنها كذلك؛ حتى في الشارع لا تعود إليّ صورتي بنفس الحدة، بل تتخفى في غرابة صوتي، عندما أطلب أشياء البقالة أو مناديل الورق أو مساحيق الغسيل. في مرايا البيت تواجهين الحقائق واضحة، صلبة، فكل جهدي هباء، لا وجود لمثل هذا التلاشي الذي أرغبه، وإن كنت أهرب من جثة «حسين» ومن توقيع عقد بيع البيت، فإن ذلك لن يطول، سوف يجدونني مثلما كانوا في طفولتي يُخرِجونني من الدولاب بعدما أبقى مختبئًا ساعات طويلة.

بدا لي، ذات يوم، كنت فيه في حالة من الارتباك والتشوش، أنه على الرغم من سهولة تحطيم المرايا فإنه أمر لن أقدر عليه، كأنه شقاء مُجسد، ووجدت يدي تمتد إلى مرآة الحمام وتلقيها على البلاط. شاهدت بدهشة، نقطًا صغيرة من الضوء الأصفر للمبة الحمام تنعكس في الشظايا.

أفلت الأمر من يدي.

ذهبت إلى غرفة النوم وحطمت مرآة التسريحة الكبيرة.

بقيت مذهولًا، أشعر أنني قتلت شخصًا آخر. تذكّرت تلك الليلة، عندما حدقت في شفرة موس الحلاقة على رف الحمام في شقة أحد أصدقاء «حسين». كنت في أسر نفس الذهول والرعب؛ الرعب الصافي الذي يواجهك عندما تقتل إنسانًا وتشعر بأنه تحول إلى فضاء، وأنك ما زلت محصورًا في جسدك، في حياتك المبتذلة؛ رعب مُختلط بالحسد، من أنه حاز مصيرًا أرقى وأكثر جوهرية.

عندما رأيت المرايا محطمة كأنها جثة إنسان تمزقت إلى قطع صغيرة، لم تتبدد الخطورة؛ فرغم الفراغ الذي أتاحه لي خلاء البيت منها، فإن مخاوفي بقيت نشطة، بسبب القطع الصغيرة جدًا، التي تحمل نفس صفات المرآة الكبيرة. «كل قطعة صغيرة هي مرآة كاملة» أردد لنفسي وأنا أدور في البيت، لا أعرف كيف أعثر على تلك الشظيات التي اختبأت، والتي لن تكف عن إرهاقي، حتى وهي جثة ميتة.

بدقة رياضية، رحت أجمع كل القطع، حتى النتف الصغيرة التي فقدت مقدرتها على عكس الصور، ورجعت إلى أصلها الزجاجي، متوهمًا أنها بذور مرايا، من الممكن أن تختبئ في مكان ما، وتنمو مرة أخرى كمرآة كبيرة. عبّأت الزجاج المحطم في كيس من البلاستيك ووضعته بجوار الباب كي أحمله، عندما أنزل، إلى صناديق القمامة الكبيرة المدهونة باللون الأزرق على ناصية الشوارع.

انفلت من أفكاري القلقة، وغمرني إحساس بالراحة، كأن روحًا طيبة جاءت لزيارتي. تنفست الفضاء الذي حبسته المرايا وامتد براحًا واسعًا، حتى أدركت أنني قد أتمكن من الوصول إلى أعماقه؛ من ملامسة جوهر الحياة التي حُرمت من عيشها.

لكن ذلك لم يستمر طويلًا، فقد قضيت الأمسية أشعر بالقلق، فإذا كانت المرآة قد شكّلت خطرًا على حياتي وهي حية، فإن جثتها الملقاة في كيس من البلاستيك بجوار باب الشقة، كثّفت من إحساسي بكآبة غامضة، كأنما أسهر بجوار جثة.

نزلت في المصعد هذه المرة، متحاشيًا النظر إلى صورتي في مرآته، محاولًا التخلص بأقصى سرعة من الزجاج، وعندما عدت شعرت بالراحة، وبأن الظلام متسع، لا مرايا، لا زمن، لا شيء.

لا تتركنا المخاوف وشأننا، تُلقي في روعنا بأشياء غريبة. تَسلّطَ عليّ الوهم، عدة أيام، بأن صورة المرء لا تنعكس في المرايا فقط، بل في العادات المرتبطة بحاجات الجسد، واستغرق الأمر وقتًا طويلًا كي أستطيع أن أعثر على صيغة عملية للفكرة الخاصة بأن عادات الجسد يمكن تفكيكها، وفصم الارتباط بينها وبين صورتي. إعادة تأويلها، وإدخالها في سياقات مختلفة.

بدأت في تنفيذ خطة بسيطة؛ غدوت أنام في مقعدي أمام النافذة المفتوحة أو بعد تحديق طويل في السماء. أظل أتحرك في الشقة خمسمائة مرة في اليوم. أتناول طعامي واقفًا بدون ميعاد، وأقلل كميته قدر الإمكان. أبقى طويلًا دون أن أمشط شعري، وبذلت جهدًا كبيرًا حتى تخلّصت من عادة غسل أسناني قبل النوم. وأصبح قضائي للحاجة متباعدًا، حتى اضطررت في النهاية لشراء أقراص ملينة لأتخلص من الآلام التي يسببها حصر الفضلات في جوف الإنسان.

لم أشعر بالجمال الذي جاء في إثر جهودي، إلا بعد ذلك، عندما راحت تستغرقني أفكار شديدة الوضوح عن حياتي، كأنني أسبح في الفراغ، كنت قد بدأت أنجز مهمتي وشرعت في خلق نفسي كفراغ.

مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير.