يمثل فهم اجتهادات عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أثناء خلافته الراشدة، التي تصرف فيها على خلاف صريح النص القرآني، إحدى الإشكاليات الفقهية والأصولية التي أثارت الكثير من الجدل، فالقراءات الحداثية للتراث في أعمال عدد من المفكرين العرب مثل نصر حامد أبوزيد ومحمد عابد الجابري والطيب تزيني، ترى أن إلى تلك الاجتهادات تؤسس بحسبهم لرؤية فقهية تستند على مبدأ المصلحة التي قد لا تتقيد بالضرورة في الكثير من الأحيان بالأحكام المنصوص عليها في القرآن والسنة.

من جهة أخرى، يدافع عديد من الفقهاء عن مبادئ أصول الفقه التي تقرأ تلك الأحكام في إطار مصدري الفقه الإسلامي الرئيسيين، ألا وهما القرآن والسنة، من خلال قراءة فقهية تفهم الاجتهادات العمرية في إطار الحكم الشرعي ذاته وشروط تطبيقه، وليس من خلال مبدأ المصلحة أو حتى عبر المفهوم المقاصدي.

نحاول هنا أن نقدم قراءة قد تكون مغايرة لكل ما سبق، وذلك من خلال فهم الاجتهادات العمرية في ضوء إدراك وتعيين وتحليل الفوارق بين ثلاثة مفاهيم مختلفة في تاريخ التشريع الإسلامي ألا وهي: الحكم الشرعي، الفتوى، القانون.


نماذج من الاجتهادات العمرية

قبل أن نعيد قراءة الاجتهادات العمرية في ضوء التفرقة بين الحكم والفتوى والقانون، دعونا أولاً نقدم بعض الأمثلة الشهيرة على تلك الاجتهادات:

1. التوقف عن إنفاق سهم المؤلفة قلوبهم

كان للمؤلفة قلوبه، وهم حديثو العهد بالدخول إلى الإسلام، ممن ارتبط دخولهم إليه بأسباب سياسية واجتماعية أو غيرها، دون قناعة إيمانية بالضرورة، سهم رئيسي من أسهم الزكاة كما نص القرآن الكريم في سورة التوبة الآية رقم 60: «إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ».

واستمر هذا السهم أو النصيب من مصارف الزكاة حتى عهد عمر بن الخطاب، الذي رأى عدم حاجة المسلمين إلى الاستمرار في إنفاقه بعد أن أصبحت الأمة والدولة الإسلامية في وضع متنام من القوة العسكرية والسكانية والجغرافية، على نحو انتفت معه الحاجة من وجهة نظر عمر إلى الاستمرار في دفعه، وبذلك أصبح اعتناق العقيدة محكوم بمبدئه الأصلي والأساسي: «فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ».

2. وقف تطبيق حد السرقة في عام الرمادة

كان عام الرمادة عام قحط شديد في الجزيرة العربية، عل نحو اضطر معه ساكنتها لأكل الميتة وأكل ما تبقى من أوراق الشجر، جراء موت المزروعات والكلأ ومن ثم الماشية نتيجة للحر والجفاف الشديد. في هذا العام أوقف عمر بن الخطاب حد السرقة، في مخالفة ظاهرية للنص القرآني الصريح والواضح في الآية 38 من سورة المائدة: «وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ».

3. وقف قسمة أرض السواد

بعد فتح العراق ومصر البلدان اللذين يشتهران بأراضيهما الزراعية الخصبة الواسعة في وديان أنهر كل من النيل ودجلة والفرات، رأى عمر بدلاً من تقسيم أراضي تلك البلدان على الفاتحين كما حدث في عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) في تجارب الفتح السابقة، أن يجعلها ملكًا لدولة الخلافة ومن ثم جميع المسلمين في الحاضر والمقبل من الأيام، وذلك عبر فرض الخراج عليها.

ويبدو هنا أن الدوافع التي دفعت عمر لاتخاذ هذا القرار كانت هي رغبته في خلق موارد مستدامة للدولة من جهة، ومن جهة أخرى الحيلولة دون تكوين طبقة إقطاعية تستحوذ على كل الأراضي والأموال في المجتمع الإسلامي في ذلك الوقت.

4. إيقاع الطلقات الثلاث كطلقة واحدة

عن ابن عباس قال: كان الطلاق على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: «إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم». فأمضاه عليهم. (رواه مسلم)

بعد أن تساهل الكثير من الناس في عهد عمر في أمر الطلاق بحيث صاروا يوقعون الطلقات الثلاث في مرة واحدة، تدخل عمر وجعل الطلقات الثلاث لفظًا في مرة واحدة تحتسب كطلقة واحدة فقط، حتى يفتح باب الرجعة أمام الأزواج.


الحكم والفتوى والقانون

التعريفات الأصولية السائدة للحكم الشرعي والفتوى يمكن أن نجملها باختصار في أن الحكم الشرعي هو خطاب الشارع في القرآن والسنة النبوية المتعلق بأفعال المكلفين، وهنا الحكم يكون عامًا مجردًا غير مرتبط بزمان ولا مكان معين.

أما الفتوى فهي تنزيل الحكم الشرعي من الفقيه المجتهد على الواقع في ضوء معرفة ظروف الزمان والمكان والعلم بحال المستفتي.

يختلف القضاء وأحكامه أيضًا عن الحكم الشرعي والفتوى، فالحكم القضائي يصدر ممن يملك سلطة القضاء ويكون ملزمًا على عكس الفتوى.

أما بالنسبة إلى القانون، فلطالما كانت مسألة التقنين في الشريعة الإسلامية محل جدل وأخذ ورد دائم، وبعيدًا هنا عن التعريفات اللغوية والأكاديمية الكثيرة لمصطلح القانون التي تعتمد في تعريفه على عمومية وتجريد قواعده،في منحى نموذجي ومعياري بعيدًا عن الواقع والتاريخ، فالقانون بشكل عام هو القواعد التي تصدرها السلطة لتنظيم شئون المجتمع، سواء كانت تلك السلطة مجلسًا نيابيًا كالبرلمانات المعاصرة، أو كانت حتى صادرة من السلطة التنفيذية، أو من الحكام والولاة في الماضي على هيئة مراسيم وفرمانات كالخط الهمايوني أو فرمان الإصلاحات العثماني .

يبدو هنا القانون في ما يتصل بالشريعة الإسلامية، شكل لا مفر منه في تنزيل أحكامها على الواقع الاجتماعي والمعاملات الاقتصادية الخ..،ولا سيما في الأزمنة المعاصرة، التي تحتاج الكثير من مناحي الحياة فيها إلى وجود تشريعات واضحة مسبقة، كما نجد مثلًا في مجالات التجارة والاستثمار، حيث يحتاج من يتخذ القرار التجاري أو الاستثماري معرفة مسبقة بالقوانين المنظمة لتك المجالات في أي بلد يدرس قرار التجارة أو الاستثمار بها، وهنا حتى في البلدان التي تعتمد مبدأ السوابق القضائية كالمملكة المتحدة، يظل التقنين في الكثير من الشئون ضروري في العديد من المسائل ليس وحسب في مجال التجارة والاستثمار كما أشرنا، ولكن في العديد من المجالات الأخرى كما نجد في قانون الجنسية البريطاني على سبيل المثال وغيره.

يمكننا بأثر رجعي أن ننظر إلى معظم المراسيم والفرمانات الصادرة عن السلطة في تاريخ فقهنا التشريعي والتاريخ التشريعي المقارن من خلال مفاهيمنا التشريعية المعاصرة كقوانين، والقوانين على عكس ما يعتقد بعض ممن ينادون بتقنين الشريعة الإسلامية أو ممن يعارضون فكرة التقنين من حيث المبدأ، ليست قواعد تشريعية أبدية، بل تخضع بوجه عام للتغيير بتغير الحكام أو الظروف التي سنت خلالها، وهذا هو ما حدث ويحدث بالفعل في الواقع التشريعي والسياسي المعاصر.


كيف نقرأ الاجتهادات العمرية؟

من خلال هذا المنظور غير المعقد لمفهوم القانون والتقنين، يمكننا أن نقرأ الاجتهادات العمرية الصادرة من موقع السلطة، ليس كاجتهادات فقهية عادية، وإنما كقوانين سواء بالمفهوم المعاصر أو التاريخي أو المقارن.

عندما ننظر إلى الاجتهادات العمرية بهذا المفهوم، سندرك علي خلاف التصورات الحداثية، أو حتى التقليدية في بعض الأحيان، أن تلك الاجتهادات لا تخضع لجدل كونها ناسخة للأحكام الشرعية من عدمه، وإنما سنقرأها في إطار مغاير تماماً، ألا وهو إطار التقنين الذي ظل حتى يومنا هذا مسالة محل خلاف بين الفقهاء، رغم سوابقه العمرية.

تحل هذه القراءة للاجتهادات العمرية العديد من الاشكاليات والمعضلات العميقة المعاصرة في العالم الإسلامي من جذورها، ومن أبرزها مشكلة العلمانية، والخلاف حول ما يعرف بالثوابت والمتغيرات و العديد من القضايا الأخرى المطروحة في هذا السياق، فمن خلال هذه القراءة نجد أن الأحكام الشرعية لا ينبغي أن تخضع لهذا الجدل حول تغييرها من الأساس، وأن التقنين هنا هو كالفتوى وأحكام القضاء، مجرد شكل من أشكال تنزيل الحكم الشرعي على الواقع.