قد يظن البعض حين يقرأ العنوان أنني سوف أتحدث عن شخصية حقيقية، لكن من يعرف الشخصة الأدبية لرفعت إسماعيل أيضًا سيدرك حقًا إلى أي مدى كان شخصية حقيقية بالنسبة لنا. فرفعت إسماعيل هو بطل سلسلة «ما وراء الطبيعة» للكاتب أحمد خالد توفيق، الذي أكتب عنه اليوم مواكبًا ذكرى رحيله الثاني عنا، الثامن من شهر أغسطس عام 2014، حين توقف قلبه عن الخفقان بشكل نهائي.

من هو رفعت إسماعيل؟

رفعت إسماعيل، هو ذلك الشيخ الثرثار، طبيب أمراض الدم المتقاعد، والذي شاءت الأقدار دائمًا أن يتواجد، حيث لا يريد، أن يجرب كل شيء وهو في داخله يؤمن بأنه يمكنه التراجع في أي وقت، وكالعادة يكتشف في كل مرة، كم كان ساذجًا حين ظن ذلك.

رفعت إسماعيل، أو كما يحب أن يصف ذاته طوال الوقت، نحيلًا كالقلم الرصاص، يدخن كبرلين حين دخلها الحلفاء، مصابًا بالأمراض كمستعمرة كاملة للدرن.

لم تكن رحلة رفعت إسماعيل معنا سهلة أو قصيرة أبدًا، فهذه الرحلة التي قاربت على الـ21 عامًا، وقدم لنا خلالها رفعت العديد من المغامرات، تجاوزت حد الإثارة، لترتبط معنا، بأن نتوحد معه في كل وقت.

رفعت إسماعيل هو نحن بكل بساطة، أفعاله، أفكاره، تصرفاته، لم يكن بطلًا خارقًا ولا أسطوريًا، كان واحدًا منا، سيئ الحظ، يميل إلى الدعابة والتعامل مع الأمور كما هي، لم يكن يبحث عن البطولة ولا المثالية ولا أي شيء، بل كان مليئًا بالعيوب القاتلة، ولم يتظاهر بالعكس أبدًا، أو يحاول ادّعاء ما لا يملك، ولعل هذا ما جعله بطلنا المفضل.

لم يكن، ولن يكون أبدًا، مجرد شخصية عبرت من القصص، حتى يطالها النسيان، سيظل بطلنا طوال الوقت، وكما يحدث الآن على مواقع التواصل الاجتماعي، من إحياء لذكرى وفاته الثانية، سيظل هذا يحدث في المستقبل دائمًا، وحتى الأجيال القادمة.

لحظات لا تنسى مع رفعت إسماعيل

حين أتمنى الحديث عن لحظاتٍ لا تنسى مع رفعت إسماعيل، أجد في ذهني العديد منها، وأبطالها كُثر، أتخيلهم جميعًا، واقفون هناك على قبر العجوز رفعت إسماعيل، في ذكراه الثانية، يودعه كل واحدٍ منهم بطريقته.

1- ماجي ماكيلوب

بالتأكيد سنجدها في أول الصف، تقف هناك، ماجي، المرأة التي تمشي على العشب، دون أن ينثني منه عود واحد. لم يتزوجا، لكن الحب بينهما بقي دائمًا، حتى حين خاض رفعت تجربته مع الخطوبة لهويدا، لم تكتمل الخطبة، وعاد رفعت إلى حبه الأبدي مع ماجي.

آن لجملتها مع العجوز رفعت أن يعرفها الجميع، دون أن تقطعهما عوامل خارجية.

– للأبد؟.

* ماذا؟.

– ستظل تحبني للأبد؟.

* حتى تحترق النجوم.. وحتىتفنى العوالم..

حتى تتصادم الكواكب.. وتذبل الشموس ..

وحتى ينطفئ القمر.. وتجف البِحار والأنهار ..

حتى أشيخ فتتآكل ذكرياتي..

حتى يعجز لساني عن لفظ اسمك..

حتى ينبض قلبي للمرة الأخيرة ..

فقط عند ذلك ربما أتوقف..

ربما..

وتوقف قلبه عن النبض، لكن حبهما ظل حيًا. ستبكي ماجي، وتكون أول الراحلين من على القبر، ستتذكر كلماتها الأخيرة لرفعت قبل الموت، وهو يتلو الشهادة.

– للأبد؟.

* ماذا؟.

– هل ستزور أحلامي للأبد؟.

* وحتى تحترق النجوم.. وحتى تأتي لي هناك.. آنذاك عديني أن تكوني لي.. سوف نظل معًا للأبد لا يفرقنا شيء.. هيا.. لا تضعفي.. عديني.

تختفي ماجي من الصورة، وهي تردد وعدها لرفعت، وهي آخر آمالنا في قصصٍ جديدة للعجوز، ذكرياته التي تركها معها، وستخرج لنا في الوقت المناسب بالتأكيد.

2- عزت شريف

سيكون حاضرًا على القبر خلف ماجي مباشرةً، ذلك الجار الذي رافق رفعت في العديد من المغامرات، ربما أوقعه سوء حظه مع رفعت، حتى أن لقاءهما الأول كاد ينتهي بكارثة، لكن منذ ذلك الحين وكلاهما أصدقاء.

سيودع عزت رفعت، وسيلحق بماجي لكي يقوم بتوصيلها إلى حيث هي ذاهبة.

3- سالم وسلمى

يعرف كل من تابع قصص العجوز رفعت إسماعيل، بأن الثنائي سالم وسلمى توأم كوني، لذلك فهما يتواجدان في الجنازة من كوكبهما الحالي، منذ رحيلهما عن أرض الظلام يودعان رفعت، ويتمنيان له كل التوفيق في الحياة الأخرى.

4- هن تشو كان

أكثر أبطال قصص ما وراء الطبيعة طيبة، والتجسيد الفعلي للخير المطلق، الناجي الوحيد الذي بقي من المذبحة التي قضت على كهنة النافاراي في التبت، والذي ما زال يحافظ على كل التقاليد القديمة في القتال، يأتي ليودع رفعت إسماعيل من هنا، ثم يخرج مسرعًا لأن هناك من يستنجد به، يبدأ في توجيه تحذيراته المعتادة إلى المعتدي، تشا ساريانا، جوانغ ساريانا، وحين أنهى القتال ألقى التحية الختامية، كيو ساريانا، ومعها خرج من الكادر للمرة الأخيرة ربما.

5- سادة جانب النجوم

بالتأكيد كل سادة جانب النجوم لن يفوتوا هذا المشهد أبدًا؛ فهم الذين ذاقوا الويلات على يد رفعت، هو الناجي الوحيد منهم في جانب النجوم، والذي لو عرفه أي منهم في وقتها لقُضي عليه للأبد، بقيادة سجفريد الأميدي وفلاد الوالاشي.

6- باقي أفراد الحكايات

لم يكن سيفوت أي من هؤلاء بالتأكيد حضور ذكرى وفاة رفعت: الضابط عادل توفيق زميل طفولة رفعت والذي وقف معه في العديد من الأزمات، دكتور سامي المحلل النفسي، دكتورة كاميليا أستاذة الفلسفة، هاري شيلدون صديق رفعت الأمريكي العصبي دائمًا، وبالتأكيد لمحتم هذا الرجل هناك مسرعًا عن الصف، الأمريكي الآخر سام كولبي، النصاب اليهودي، والذي رحل بحثًا عن دورة مياه؛ إنها البروستاتا كما تعلمون، وآخر الواقفين المذيع شريف السعدني الذي أقنع رفعت بالمشاركة في برنامج بعد منتصف الليل.

وبالطبع لم يتمكن دكتور محمد شاهين من الحضور؛ لأنه توفي من قبل بالسكتة القلبية.

7- لوسيفر

الآن رحل الجميع، حتى سادة جانب النجوم في أماكنهم، لكنه بقي، بردائه الأسود، واقفًا على قبر العجوز رفعت يتحدث إليه. إنه كما تعرفونه جميعًا، لوسيفر، واليوم يقولها للجميع “أنا بكم أسعد، ولكم قلبي يطرب. إن لوسيفر، والحق يُقال، راض.

موتًا تموت، موتًا تموت، موتًا تموت.. وها قد رحلت أيها الفاني عن الحياة إلى الأبد.” هكذا لا بد وأن يكون وداع لوسيفر لرفعت إسماعيل، قبل أن يذهب هو أيضًا، ويتركون جميعًا رفعت، وحيدًا في قبره، حيًا في قلوبنا إلى الأبد.

رسالتي إلى رفعت إسماعيل

كنت أتمنى أن تظل حيًا، حتى يعرفك أبنائي في المستقبل، ويعيشون مغامرات جديدة معك، وأعيشها أنا نفسي معك.

لكنك رحلت عنا أيها الشيخ، أعلم أن رحيلك أمر محسوم، كرحيل جميع البشر عن الحياة.

لكن ذكرياتك ستظل حاضرة دومًا، وبالتأكيد سأعرفك إلى أبنائي، سيعرفونك على أنك أسطورة حية، أثرت في والدهم، بل وأثرت في العديد من الأفراد.

لم تكن سذاجتك شيئًا سيئًا، بل بفضلها عشنا أفضل لحظاتنا مع حكاياتك، وقصصك الرائعة جدًا.

إن كان رحيلك مقدرًا، فبقاؤك في القلوب أيضًا مقدرًا، وإلى الأبد يا صديقي العجوز.

سلاحك السخرية من كل شيء، هو كذلك سلاح العديد منا في التعامل مع مجريات الأمور في الحياة الآن.

رفعت إسماعيل، أراك في مخيلتي وأنت ترتدي البذلة الكحيلة التي تجعلك فاتنًا، أودعك مرة أخرى، سلامٌ عليك أيها البطل العجوز!، سلامٌ عليك أيها الغريب!.

سلامٌ قريب، ولكن هذه رسالة أخرى، كما تعودنا أن تختتم قصصنا معك، فإلى لقاء قريب إن شاء الله.

مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير.