من ميزات الشاعر الكبير أنه يكون ابن عصره وابن المستقبل في الوقت نفسه. ففي الوقت الذي يقع تحت تأثيرات عصره مثل أي شخص آخر (مع ملاحظة أن تلك التأثيرات تختلف في مدى تأثيرها في كل فرد تبعًا لمستوى الوعي بها) فهو يتجاوزها ليخلق واقعه الخاص، واقعه الذي يأمل في أن يصبح يومًا ما هو الواقع بألف ولام التعريف.


نشأة أدونيس

نشأ الشاعر السوري الكبير «أدونيس» في عصر كانت فيه المجتمعات العربية الإسلامية تغلي بحمى الثورات والشعور القومي الملتهب، وتعاني فيه من جراح قاسية على مستوى الشعور وعلى مستوى الجسد.

فالعربي (كشاعر) اكتشف مؤخرًا أن لا فرسه الأصيلة ولا ناقته النشيطة تفيده في السباق العالمي بعد أن أصبح الفضاء، لا الأرض، هو الميدان؛ وأن سيفه فُلَّ وانثلم بلا قتال بعد أن أخذت الصواريخ مكانته. هذا على مستوى الجرح النفسي، أما على مستوى الجرح الجسدي فكان يشعر بجسده يقطع وهو يرى تقطع أوصال أوطانه بين أنياب الاستعمار والحركة الصهيونية العنصرية.

هنا لم يكتف الشاعر (أدونيس) بخلق عالمه الخاص في شعره وإنما حمل دعوة الولوج إلى ذلك العالم ومفتاح عالمه الذي أراده هو الثورة. فالمجتمع العربي كما رآه يحتاج «إلى تغير جذري وشامل، لا يتم إلا بالثورة»[1]، وهذه الثورة «تطمح إلى تغيير الإنسان في أعمق أعماقه. وهذا لا يتم بمجرد تغيير نظام الحياة حوله، وإنما يجب أن يرافقه تغيير لنظام الفكر. فلا يكفي لتغيير الإنسان أن نغير الحياة على مستوى الشيء والعمل وحسب، وإنما يجب أن نغيرها أيضًا على مستوى الرمز والنظر»[2].


الشعر ثورة بذاته

ولكن أدونيس لا يدعو إلى الكتابة عن الثورة، لا يدعو إلى وصف الثائرين وبطولاتهم وشحذ همتهم وبعث الحماسة في الجماهير. فالشعر الثوري كما يراه ليس هو الشعر الذي يواكب الثورة وإنما هو الشعر الذي يثور في ميدانه:

يثور على الأشكال التقليدية في التعبير وعلى الأفكار التقليدية في الإبداع والتحليل، ويخلق معانيه وأشكاله وأفكاره الخاصة. الشعر هو ثورة على الداخل. فهو «تجاوز للجمالية العربية القديمة ومعاييرها. وهذا التجاوز يعكس على الصعيد النظري العام رفضًا للحياة التي أنتجت تلك الجمالية، وللنظام الذي يرسخها ويرسخ الحياة التي أنتجتها. ومن هنا فإن هذا الشعر سياسي بالضرورة، فهو يتجاوز البنية السائدة على مستوى النظام والبنية السائدة، وعلى مستوى الكلام»[3].

ومن أجل أن نفهم ما يرمي إليه أدونيس فهو يقدم تصورًا مختلفًا حول واقعية الشعر وفاعليته وخصوصية التعبير الشعري، وحول علاقة الشاعر بالجماهير.


واقعية الشعر وفاعليته وخصوصية تعبيره

فأن تكون الكتابة الشعرية سياسية، ليست حصرًا في أن تتكلم على السياسة، وإنما هي على الأخص في أن تعيد تكوين الواقع بخصوصيتها الفنية[4].

وظيفة الشعر بالنسبة للشعر الحديث بعامة، وليس عند أدونيس خاصة، ليس تفسير الواقع، كما هي حال الشعر القديم، وإنما تغييره. من هنا فإن الكتابة الشعرية يفترض بها في المقام الأول أن «ترفض الواقع السائد أو بعبارة أكثر دقة تنشأ رفضًا له.. والثاني هو أن أشكال تعبيرها تتعارض بالضرورة مع الأشكال التعبيرية المطابقة له[5]».

والشاعر لا يتعامل مع الواقع المعطى كما هو، فهو «يتجاوز الحدث كموضوع مستقل، وينظر إليه كجزء من حركة عميقة طويلة. يتأثر به، وقد يستخدمه، لكن بشكل يتجاوزه كمظهر، ليرى فيه ما وراءه: اللهب الحي.. فالقصيدة لا تعنى بالحدث أو الواقعة، بل تعنى باللهب الذي يكمن فيهما أو يكشف عنهما. وهي لذلك لا تتقلص فيهما بل تحتضنهما وتتخطاهما[6]».

على هذا الأساس لا يعود الشعر الثوري تبشيرًا ولا إعلامًا، ليس شعارات وعواطف جياشة تستنفد الواقعة في لحظتها كمادة للاستهلاك الشعوري المباشر. ذلك أن وصف الواقع كما هو إنما هو قتل لذلك الواقع. فالشعر الثوري، كما يراه أدونيس:

الشعر الثوري ليس أداة توعية أو تسييس، ذلك أنه هو نفسه وعي وممارسة سياسية. إنه فعل وليس دعوة للفعل[7].

هذه الخصوصية التي يتميز بها في الشعر في تناوله للواقع، تجعله يبتعد عن لغة الجماهير وفي الوقت نفسه عن الممارسة السياسية المباشرة: التي تهتم بما يجري هنا والآن. لكن أدونيس لا يرى هذا الانفصال بين الشعر الثوري والجمهور، في المجتمعات العربية، حالة ثابتة مطلقة، وإنما حالة طارئة، سببها أن الجمهور نفسه جزء من التقاليد والعادات التي يريد الشاعر أن يثور عليها.

الجمهور الكمي-العددي يحمل في بنيته الذهنية وفي ممارساته بنية الواقع السائد الذي ترفضه أصلًا الكتابة الشعرية، وتعمل على توليد الرغبة من أجل تغييره وتجاوزه. لذلك لا تقدر أن تتكلم بلغته الشعرية، أو تخاطب جمهوره، وإنما تخاطب الجمهور العضوي الذي ينشط كل فرد فيه، بخصوصية عمله، فكرًا وممارسة، لتفكيك الواقع وتغييره[8].

«الوعي الثوري منحصر في طبقة برجوازية متعلمة صغيرة ولا يشكل جزءًا صلبًا من مؤسسات المجتمع. فجميع مؤسساتنا الثقافية والاجتماعية وفي طليعتها الجامعات، وجميع تقاليدنا وعاداتنا لا تزال غارقة في مستنقع التخلف، على جميع المستويات، لذلك فإن الشاعر الثوري العربي الحقيقي ليس له جمهور، وإنما له قراء. والفرق كبير بين الجمهور والقراء.

إن الشاعر العربي الذي يمكن أن يقال إنه له جمهورًا هو الشاعر الذي لا يزال يصدر عن قيم البرجوزاية وأفكارها واتجاهاتها: شاعر البرجوازية التقليدية، وشاعر البرجوازية التحررية»[9]. والشعر حين ينفصل عن الممارسة السياسية المباشرة فإنما ذلك نابع من خصوصيته الذاتية، إلى حد تعارض القصيدة، كممارسة كتابية، مع العمل السياسي، بحصر المعنى. ذلك أن هذا العمل يقوم على الحدث وهو تابع له. بينما القصيدة تتجاوز الحدث وإن انبثقت عنه، أو أثر فيها.

ومع أن الشعر يفعل، ولكنه لا يفعل كما يفعل العمل السياسي المباشر. وأدونيس يرفض أن يُطلب من الشعر البعد النفعي المباشر. فهو خلافًا للعلم والعمل ينطلق من خصوصية متفردة هي البعد الجمالي، ولا ينظر للعالم والواقع من زاوية بعده الاستعمالي النفعي وإنما من زاوية البعد التأملي-البديعي. «تكون القصيدة شعرًا بقدر ما تكون كشفًا للوجود وانفتاحًا على أبعاد الإنسان»[10]. وعلى هذا الأساس فقد يكون الشاعر ثوريًا في كل شعره دون أن ترد عنده كلمة الثورة ولو مرة!


من [1] إلى [10]، كتاب «زمن الشعر» لـ«أدونيس»، دار الساقي، الطبعة السادسة، 2005

مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير.