في أحداث الاعتراض على مقتل «جورج فلويد» أطلقت قوات «إنفاذ القانون الفيدرالي» الرصاص المطاطي والغازات المسيلة للدموع على المتظاهرين، لكن الرئيس الأمريكي لم يرفض فعلهم بل توعد بالمزيد. دونالد ترامب هدد حكام الولايات المختلفة أنهم إذا لم يستدعوا قوات الحرس الوطني للسيطرة على الشوارع فسوف يلجأ إلى قانون التمرد.

الأمريكيون على وسائل التواصل الاجتماعي بدوا وكأنهم يعرفون القانون للمرة الأولى، كثيرون منهم تفاجئوا أن الدستور الأمريكي يحوي موادًا تبيح لرئيس الدولة استخدام الجيش للسيطرة على التظاهرات وأحداث التمرد. ما لا يعرفه الجيل الحالي من الأمريكيين أنه منذ ما يزيد عن 200 عام يُعطي قانون « التمرد/ العصيان/ الانتفاضة» الرئيس الأمريكي حق الاستعانة بالجيش لقمع الاضطرابات.

القانون سُن للمرة الأولى عام 1807 في عهد توماس جيفرسون، الرئيس الأمريكي آنذاك، ومر بالعديد من التعديلات حتى وصل إلى صورته الحالية. في صيغته الراهنة ينص القانون على أنه عندما يحدث تمرد في أي ولاية ضد حكومتها، يجوز للرئيس، بناءً على طلب المجلس التشريعي أو حاكم الولاية، إذا تعذر عقد المجلس التشريعي، إرسال القوات العسكرية للسيطرة على التمرد.

إذن الأمر مرتبط بطلب حكّام الولايات؟ هو كذلك في الأساس، لكن مادةً مُلحقة أُضيفت عام 1956 تمنح الرئيس الأمريكي حق التصرف من جانب واحد إذا لم يقبل حاكمو الولايات تدخل الجيش. لكن حين هدّد ترامب باستخدام هذا الحق عاجله وزير الدفاع «مارك ت. إسبر» برفض فكرة استخدام الجيش لحل نزاعٍ داخلي، وانضم جيم ماتيس، وزير الدفاع السابق، إلى جانب نظيره وشجب تهديدات ترامب، ورأى فيها تقسيمًا للشعب الأمريكي.

ترامب ليس أول من يطلب

قانون التمرد

هذا الرفض المبكر يوحي بأن الأمر مجرد قانون موجود نظريًا لكن الأعراف التاريخية للولايات المتحدة تستنكر استخدامه، لكن المفاجأة أن قانون الانتفاضة اُستخدم عشرات المرات على مدار التاريخ الأمريكي.

المرة الأولى له كانت بعد عام واحد فقط من سنّ القانون، جيفرسون اعتبر منطقة بحيرة شامبلين في نيويورك وفيرمونت مناطق متمردة لمخالفتهم بعض القوانين المتعلقة بحظر مغادرة السفن للموانئ. المناهضون لترامب يدافعون عن تلك المرة بأن جيفرسون في بيان استدعائه للجيش لم يصف الأشخاص المُراد قمعهم بأوصاف عنصرية أو مهينة بل قال عنهم «أشخاص متنوعون ومختلفون».

بعد عدة سنوات قامت أكبر ثورة في التاريخ الأمريكي في مقاطعة ساوثهامبتون في فرجينيا، فطلب العمدة من أندرو جاكسون، الرئيس الأمريكي حينها، قوات عسكرية اتحادية لقمع هذه الثورة. وبالفعل أرسل له جاكسون 3 سرايا مدفعية وأفرادًا من القوات البحرية ومشاتها للسيطرة على التمرد. كان ذلك التمرد عام 1831 بسبب الثورة على العبودية، وبدأت بعد قمعه النقاشات حول إلغاء العبودية تمامًا.

أربعون عامًا بعد تلك الثورة، قام الرئيس الأمريكي يوليسيس جرانت بتوسيع مفهوم القانون ليتمكن من قمع أي فئة يرفع عنها الدستور حصانته مثل المجرمين أو العنصريين. جرانت كان يقصد تحديدًا جماعات «كو كلوكس كلان»، أصحاب البشرة البيضاء الذين كانوا يهاجمون السود ويفلتون من العقاب دائمًا.

بمجرد تمرير القانون عام 1871، استخدمه جرانت في القبض على أكثر من 600 رجل أبيض دون توجيه اتهامات وخضعوا لتحقيقات استمرت أسابيع ولم تُسفر عن شيء، لكن في النهاية حوكموا وأدينوا بالسجن في محاكمات اتحادية.

جرانت استخدم القانون لصالح السود، وكذلك فعل أيزنهاور من بعده عام 1957. أيزنهاور استدعى الجيش الأمريكي لإجبار المدرسة الثانوية المركزية في ليتل رووك على قبول 9 طلاب سود. كانت المدرسة قد استدعت الحرس الوطني لمنع الطلاب من دخول المدرسة، وحاكم الولاية كان على رأس قوة الحرس الوطني، لكن طبقًا لقانون الانتفاضة خضع لسلطة الرئيس والجيش.

العقيدة الأمريكية: جيش على الخارج فقط

ترامب يلّوح باستخدام قانون التمرد

أما حديثًا فقد استخدم جورج بوش الأب القانون عام 1992 في لوس أنجلوس بناءً على طلب الحاكم لإخماد الغضب الناجم عن تبرئة 4 ضباط متهمين في ضرب رودني كينج. حادثة أقرب لحادثة جورج فلويد الراهنة، فيديو تعرضه وسائل الإعلام صوّره هاوٍ لأربعة ضباط يبرحون أمريكيًا من أصل أفريقي ضربًا، ثار الرأي العام ضد الضباط الأربعة ثم ثار ضد الحكومة بعد تبرئتهم، لكن الجيش الأمريكي استطاع كبحهم.

كما طُرح استخدام القانون عام 2005 بعد إعصار كاترينا وانتشار عمليات السلب والنهب، رفض جورج دبليو بوش إقحام الجيش الأمريكي في المسألة، واختار بدلًا عن ذلك وضع الحرس الوطني تحت السيطرة الفيدرالية ليقوم بأعمال الجيش دون إنهاك الجيش.

ربما كان بوش واعيًا لما لم يدركه ترامب، أن الدفء بين الجيش والرئيس يتلاشى حين يتعلق الأمر بالشارع الأمريكي. رحب القادة الأمريكيون بكونهم محور حديث ترامب في التهديدات الخارجية، التلويح بإبادة كوريا الشمالية وقصف إيران، زيادة الإنفاق العسكري وبناء ترسانات أقوى، لكن كل ذلك اختفى لحظة بات الجيش الأمريكي عصا تهديد للداخل لا الخارج.

عسكريون أمريكيون عدة خرجوا مؤخرًا ليعلنوا أنهم يشعرون بالإهانة من تصور ترامب عن الجيش الأمريكي كونه مجرد قوة سياسية يظن أن بإمكانه حشدها لصالحه إذا لزم الأمر. دوجلاس إي لوت، جنرال متقاعد، قال إن هناك خطًا رفيعًا بين تسامح الجيش مع التحركات الحزبية المشكوك فيها على مدى السنوات الثلاث الماضية والنقطة التي تصبح فيها هذه الأمور غير محتملة لجيش غير سياسي. عسكريون آخرون قالوا إن انخراط الجيش في الاحتجاجات الراهنة سوف يدمر ثقة الأمريكيين في جيشهم.

اقتناع العسكريين بدوافع ترامب وبجدوى نزولهم تُعتبر أمرًا شديد الأهمية في الحالة الأمريكية، لأن الجيش يمكن أن يرفض. المواطنون أنفسهم يمكنهم التواصل مع ممثليهم الانتخابيين أو الاحتجاج بصور كثيرة، لكن الجيش الأمريكي نفسه يمكنه رفض أوامر قائده العام إذا رأوا فيها مخالفة لقسمهم في الدستور.

حتى أن بعض العسكريين يتحدثون عن أخلاقية التدخل بعيدًا عن دستوريته، الجنرال مارك ميلي، رئيس هيئة الأركان المشتركة، وصاحب أعلى رتبة في الجيش الأمريكي، كتب مذكرةً عسكريةً يُذّكر فيها أفراد القوات المسلحة الأمريكية بقسمهم حول «الإيمان والولاء لحقيقة الدستور»، وأنهم قد يكونوا مضطرين أحيانًا لرفض الأوامر السيادية إذا رأوا فيها مخالفةً لضمائرهم الوطنية.

غدر الأصدقاء: ميلي يتخلى عن ترامب

الجيش الأمريكي يتحرك لواشنطن

لكن ليس الأمر سلسًا كما في الحياة المدنية، موظف يرفض أمر مديره فيستقيل، في الجيش غالبًا ما سيتعرض الجندي لخفض رتبته العسكرية فورًا، مع احتمالية كبيرة للتعرض لمحاكمة عسكرية صارمة. خاصةً إذا كان كبار الجنرالات موافقين على القرار الرئاسي، بينما يأتي الرفض من صغار الضباط.

الطريف ليس معارضة مارك ميلي لترامب، بل أن ترامب هو من أتى به من الأصل. حين اختاره ترامب كان يرى فيه رجله الذي سيُخضع الجيش لآراء الرئيس السياسية. شيّد ترامب هذا الظن على أساس المعروف والمشهور عن مارك بأنه «رجل بلا خط أخلاقي» كما يصفه العاملون معه. كما أن مارك معروف أيضًا بأنه لا يعارض أي فكرة يقولها الرئيس، حتى لو كانت معيبة. كان ذلك معروفًا عنه لدرجة أن مايك بومبيو، وزير خارجية ترامب وصقره الجارح، هو أحد من ضغطوا على ترامب لينال ميلي المنصب.

ويظهر صدق الاختيار في مخالفة الرجل لتقاليد عريقة التزم بها رجال الجيش الأمريكي طوال عقود، منها عدم التواجد في أي تجمع انتخابي، أو الظهور بالزي الرسمي في أي مناسبة سياسية. وقد ظهر ميلي شخصيًا رفقة وزير الدفاع مايك إسير في زيارة تفقدية للبيت الأبيض مرتدين الملابس العسكرية، والتقطوا صورًا تذكارية مع ترامب.

فربما لا يكون الجنرال مقتنعًا كثيرًا بما فعل، إنما فعله رضوخًا لأصوات الانتقادات الحادة التي ظهرت بمجرد أن ألمح ترامب باحتمالية نزول الجيش للشوارع. لكن ترامب لم يضغط عليه بشكل كافٍ، فالأمور لا تزال قيد السيطرة بصورةٍ ما، والاعتراضات على قرارات ترامب أمر معتاد بالنسبة له ولمستشاريه.

لذا لا يمكن التعويل كثيرًا على رفض ميلي لطلب ترامب بنزول الجيش، فقد تتبدل الأمور بين لحظةٍ وأخرى، لكن المهم أن جميع السيناريوهات ستكون وفق الدستور وبما لا يخل بصورة الولايات المتحدة دوليًا.