الرابع عشر من فبراير/شباط 2017، كان يومًا مُثيرًا للاهتمام، حيث حمل في طياته سلسلة متتالية من الأحداث التي وقعت في أماكن مختلفة، لكنها تخص أطراف مُحددين.

ربما حملت الصدفة هذه الأحداث مجتمعة، وربما كان ثمة أمر يجري تدبيره في الأروقة الخلفية.

بدأ اليوم بحقيقة باجتماعات موسعة عقدها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو مع مستشارين كبار في واشنطن للإعداد للمحادثات مع ترامب، حيث التقى اليوم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع نتانياهو في البيت الأبيض، في أول اجتماع بينهما منذ تنصيب ترامب وهو اجتماع قد يشكل ملامح السياسة تجاه الشرق الأوسط خلال الأعوام المقبلة.


ولكن بشكل موازٍ جرت ثلاثة أحداث، أثار توقيتها واجتماعها العديد من علامات الاستفهام:

1. أعلن جهاز الأمن العام الإسرائيلي «الشاباك»، عن سحب السفير الإسرائيلي في القاهرة وطاقم السفارة كاملاً لاعتبارات أمنية، وذلك منذ أسابيع وفقًا لصحيفة تلغراف البريطانية. وقالت مصادر مصرية إن السفير الإسرائيلي خرج من البلاد أواخر ديسمبر/كانون الأول 2016، ويقوم بأعماله من تل أبيب. وفي هذا الصدد قال «إيهود يعاري» محلل الشئون العربية بالقناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي إن السبب وراء مغادرة السفير الإسرائيلي القاهرة، يكمن في تزايد قوة العمليات الإرهابية في مصر، والصعوبة التي تواجهها أجهزة الأمن المصرية في وقف الهجمات. فلماذا يتم الكشف عن هذه المعلومة رغم مرور ما يقارب الـ 50 يومًا على وقوع الحدث؟.

2. كشف الوزير الإسرائيلي في حكومة نتانياهو «أيوب قرا» -وزير بلا حقيبة- في تغريدة على حسابه بموقع «تويتر» أن كلاً من ترامب ونتانياهو سيناقشون خطة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بإقامة دولة فلسطينية في غزة وسيناء بدلاً من الضفة الغربية. وبذلك يُمهد الطريق لسلام شامل مع الائتلاف السني. وكانت إذاعة جيش الاحتلال «جالي تساهال» ذكرت في 8 سبتمبر/أيلول 2014 أن أبو مازن رفض مقترحًا مصريًا لإقامة دولة فلسطينية على أجزاء من سيناء. وبسبب هذه التغريدة، سادت حالة من الاستياء بين الأوساط السياسية والإعلامية في إسرائيل، حيث اتهمت نائبة الكنيست «كسينيا سفيتلوفا» –عن تكتل المعسكر الصهيوني- الوزير بترويج أخبار كاذبة من شأنها التسبب في أزمة دبلوماسية بين إسرائيل ومصر.

3. قبيل لقاء ترامب ونتانياهو، أعلن البيت الأبيض أن الرئيس الأمريكي يدعم هدف السلام بين إسرائيل والفلسطينيين حتى إذا لم يتضمن حل الدولتين. حيث أوضح مسئول رفيع المستوى في البيت الأبيض أن السلام هو الهدف النهائي، مضيفًا «سواء تحقق هذا في شكل حل الدولتين، إذا كان هو ما يريده الطرفان، أو شيء آخر»، وقال إن ترامب لن يحاول «إملاء» حل على الطرفين.


بعيدًا عن مدى مصداقية المعلومات التي تضمنتها الأحداث الثلاثة المذكورة آنفًا، وتناقضها مع حميمية علاقات النظام المصري مع نتانياهو وترامب، فإن تزامنها قد يحمل أكثر من احتمال.

الاحتمال الأول:

وهو الاحتمال المباشر، أن السيسي قد تقدم فعلاً بهذا المقترح، وأنه قد يكون على جدول مناقشات ترامب ونتانياهو في اجتماعهما اليوم، وأن سحب السفير الإسرائيلي جاء كإجراء تقليدي ارتبط بأسباب أمنية حقيقية على الأرض.

الاحتمال الثاني:

يأخدنا إلى سيناريو مغاير تمامًا، وهنا يكون لدينا نقطتان مفصليتان في التحليل:

  • التقارب الحمساوي المصري أخد تطورات هامة وجادة مؤخرًا، والتي من شأنها تعميق العلاقات بين الطرفين، ووضع أسس اقتصادية لها، وهو ما تزامن مع صعود العسكريين (الذين تصفهم إسرائيل بالأكثر تطرفًا) إلى المناصب القيادية في حماس، وهو الأمر الذي -بلا شك- يزعج إسرائيل، ولكن هذا الانزعاج لم يُنتج أي رد فعل مناسب حتى يوم أمس.
  • في ظل الضغوط الداخلية والدولية التي يتعرض لها ترامب وإدارته، فإنه يتوق إلى تحقيق إنجاز يثبت أقدامه في البيت الأبيض، ويمنح إدارته قدرًا من الهدوء لاستكمال برنامجه الافتراضي، وربما وجد في عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين هدفه المنشود، والذي ربما يسعى لتنفيذه ولكن على طريقته الخاصة.

رغم جودة العلاقات الشخصية التي تجمع بين السيسي من جهة وترامب ونتانياهو من جهة أخرى، إلا أن تقاربه الأخير مع حركة حماس لابد أنه أثار حفيظة الطرفين، فحماس هي العدو الأول لنتانياهو، وكل علاقة إقليمية تمنحها المزيد من الشرعية والقوة.

أمّا ترامب فربما يرى في السيسي طرفًا إقليميًا يحاول العودة للإمساك بورقة القضية الفلسطينية، ويحجز لنفسه مقعدًا على طاولة التفاوض، وربما يزج بمصالحه ومطالبه الشخصية من ترامب حتى يساعده على إنفاذ رؤيته.

وعلى ذلك، ربما اتفق الطرفان (ترامب ونتانياهو) على دفع السيسي خارج لعبة «عملية السلام» في جولتها الحالية، عبر تشويه صورته داخل فلسطين، وأمام حماس، حتى يُغلق أمامه الطريق إلى طاولة المفاوضات عبر البوابة الفلسطينية. وفي هذا الإطار جاءت تغريدة الوزير الإسرائيلي، وجاء من بعدها تصريحات البيت الأبيض التي منحتها قدرًا من المصداقية.

وفي الوقت ذاته، جاء الإعلان عن سحب السفير الإسرائيلي لإغلاق الطريق أمام السيسي لطاولة المفاوضات عبر الجانب الإسرائيلي، وفي الوقت ذاته إعلان مُبطن عن عدم رضاء إسرائيل بالتقارب المصري الحمساوي الأخير.

وفي النهاية، فإن الترويج لدولة فلسطينية على غزة وسيناء بدلاً من الضفة الغربية، وتلويح الإدارة الأمريكية بقبول هذا المقترح، هي ورقة الضغط الأولى لترامب ضد أبو مازن، حتى يشعر أنه أصبح وحيدًا على الطاولة دون حلفاء، وأن هناك حلول ستمضي على أرض الواقع إذا استمر في تعنته، وكأن ترامب يقول لأبو مازن:

إما تلحق بقطار المفاوضات –وفق شروطي– وإما سيتجاوزك إلى غير رجعة.